تأليف " لويجي برانديلوا


الشخصيات :
شخصيات المسرحية التي يتم تمثيلها فعلاً :
الأب
الأم
الابن
إبنة الزوجة
الولد ( شخصية غير متكلمة )
الفتاة الصغيرة ( شخصية غير متكلمة )
مدام باتشي

شخصيات الفرقة المسرحية :
المخرج
المثلة الأولى
الممثل الأول
الممثلة الثانية
الممثلة الشابة
الممثل الشاب
مدير المناظر ( مهندس الديكور)
الملقن
الكهربائي ( عامل الستار)
سكرتير المدير
بواب المسرح
بعض المساعدين
ممثلات وممثلون آخرين
والعمال الآخرين.


...................................

الوقت نهارا .. خشبة المسرح عارية :

ملحوظة هامة : هذه المسرحية بلا فصول ولا مناظر ، يتوقف فيها التمثيل مرتين .. المرة الأولى لا يسدل فيها الستار وذلك عندما يغادر المخرج ومهندس الديكور خشبة المسرح ليكتبا السيناريو.. وكذلك يغادر الممثلون .. والمرة الثانية يسدل فيها الستار خطأ عندما يسهو الكهربائي (عامل الستار) فينزل الستار.

عندما يدخل المتفرجون قاعة المسرح .. يكون الستار مرفوعاً والمسرح نفسه كما هو طوال اليوم .. فليست هناك مناظر أو ديكورات .. وهو خال وفي شبه ظلام ، وذلك كي يشعر المتفرجون من البداية أنهم يشاهدون مسرحية لم يتم إعدادها بعد.
وهنالك درجتان من السلالم إحداهما إلى يمين المسرح والأخرى إلى يساره ، وتؤديان إلى الصالة .. وقد أزيح صندوق الملقن من مكانه ، ووضع على أحد الجوانب ، وفي مقدمة خشبة المسرح منضدة صغيرة ومقعد ذو مسند أدير كتفه ناحية ( النظارة ) الجمهور .. إنه المقعد الخاص بالمخرج .
منضدتان أخريان إحداهما أكبر من الثانية ، مع عدة كراسي حولها صفت كلها في مقدمة المسرح حتى تكون في متناول اليد عند الحاجة إليها أثناء إجراء التدريبات ( البروفة ) .. وعدد آخر من المقاعد متناثر هنا وهناك يميناً ويساراً للمثلين ، وآلة بيانو في مؤخرة المسرح تكاد تختفي في جانب منه .
عندما تطفأ أنوار القاعة يدخل ( الكهربائي ) من الباب المؤدي إلى خشبة المسرح يرتدي ثياباً زرقاء حاملا أدواته في حقيبة معلقة في خصره .. يلتقط بعض ألواح الديكور من أحد أركان المسرح .. ويتقدم بها إلى الجزء الأمامي ، ويركع على ركبتيه ثم يبدأ دق الألواح بعضها ببعض .. عند سماع صوت الدق يهرول مهندس الديكور مندفعاً من باب حجرة الملابس .

مهندس الديكور : أوه ! ماذا تفعل ؟
الكهربائي : ماذا أفعل ؟ أدق ...
مهندس الديكور : في هذا الوقت ؟
( ينظر إلى ساعته )
لقد بلغت الساعة العاشرة والنصف ، الآن يصل المخرج بعد لحظات لإجراء البروفة .
الكهربائي : يجب ياسيدي أن يتاح لي الوقت لأؤدي عملي .
مهندس الديكور: وهو كذلك .. ولكن ليس الآن .
الكهربائي : متى إذن ؟
مهندس الديكور : بعد أن تنتهي التدريبات .. هيا .. هيا ارفع كل شي من هنا ودعني أهيئ المكان لمسرحية ( لعبة الأدوار) .

( يجمع الكهربائي أدواته وقطعه الخشبية وهو يتمتم ويزمجر ويغادر المسرح .. وفي هذه الأثناء يدخل ممثلوا الفرقة من رجال وسيدات عن طريق الباب الخفي .. يدخل أحدهم أولاً يم يدخل آخر ، ويتبعه إثنان آخران بالطريقة التي تحلو لهم : مجموع الممثلين تسعة أو عشرة وهو العدد اللازم لتمثيل مسرحية ( لعبة الأدوار ) .. أثناء دخولهم المسرح يحيي كل منهم الآخر ويحيون مهندس الديكور بقولهم : " صباح الخير" يقولها كل منهم مبتسماً بابتهاج .. يذهب بعضهم إلى حجرات ملابسهم ، والآخرون وبينهم الملقن الذي يحمل نسخة المسرحية تحت إبطه ، يبقون على المسرح في انتظار حضور المخرج لبدء التدريبات " البروفة " .. البعض جالس والبعض الآخر يقف في مجموعات صغيرة يتبادلون الأحاديث فيما بينهم .. يشعل بعضهم سيجارة .. ويشكو البعض من الدور الذي اسند إليه .. والبعض يقرأ على زملائه فقرة من جريدة مسرحية .
ومن الأفضل أن يرتدي الممثلون والممثلات ملابس فاتحة زاهية تعبر عن البهجة .. ويجب أن يؤدي الممثلون المنظر الأول بطريقة طبيعة مليئة بالحيوية .. ويمكن في هذه الفترة أن يجلس أحد الممثلين على البيانو ويعزف بعض المقطوعات الموسيقية الراقصة .. فيبدأ الممثلون والممثلات الأكثر شباباً في الرقص .

مهندس الديكور : ( يصفق بيديه ليلفت نظرهم لمراعاة النظام ) : هيا بنا .. كفاكم هذا .. لقد جاء السيد المخرج .
( تتوقف الموسيقى والرقص في الحال ، يلتفت الممثلون وينظرون إلى القاعة ، فيرون المخرج داخلاً من باب الصالة ، ويسير في الممر بين مقاعد الجمهور على رأسه قبعة ثقيلة ويحمل عصا صغيرة تحت ذراعه ، وهو يضع سيجاراً فخماً بين شفتيه ، ويحيه الممثلون ثم يصعد إحدى درجات السلم المؤدي إلى المسرح ، ويتقدم إليه السكرتير بالبريد ومسرحية مغلقة ).

المخرج: رسائل ؟
السكرتير : هذا هو كل البريد الذي وصل .
المخرج: ( يرد إليه أصول المسرحية بغلافها ) : ضعها في مكتبي .
( يلتفت حوله ، ثم يلتفت إلى مهندس الديكور ) : أوه لا أكاد أرى .. قليل من الضوء إذا سمحت .
مهندس الديكور : في الحال .
( يغادر المسرح ليصدر أوامره .. وبعد لحظة يغمر الجانب الأيمن من المسرح ، حيث يقف الممثلون والممثلات .. ضوء قوي أبيض .. وفي هذه الأثناء يكون الملقن قد أحتل مكانه من المسرح وِأضاء النور في صندوقه .. وينشر أمامه نسخة المسرحية ) .

المخرج: ( مصفقا بيده ) : هيا بنا .. لنبدأ الآن .
( إلى مهندس الديكور ) هل من غائب ..؟
مهندس الديكور : الممثلة الأولى .
المخرج : كالعادة ( ينظر إلى ساعته ) : لقد تأخرنا عشر دقائق إلى الآن .. أرجو احتساب هذا التأخير حتى تتعلم المحافظة على مواعيد البروفة .
( لا يكاد ينتهي من حديثه حتى يسمع صوت الممثلة الأولى من نهاية الصالة ).
الممثلة الأولى : لا .. لا ، أرجوك ، أنا هنا .. لقد وصلت .
( ترتدي ملابس بيضاء ، وقبعة كبيرة مثيرة ، وتحمل بين يديها كلباً صغيراً .. تهرول في الممر المؤدي إلى المسرح ، ثم تصعد بسرعة إحدى درجات السلم إلى المسرح ) .
المخرج : هكذا تصرين على أن ننتظرك دائماً .
الممثلة الأولى : عذراً ، طال بحثي عن سيارة أصل بها إلى هنا في الوقت المناسب .. ولكنكم لم تبدأوا على أية حال .. ودوري في المسرحية يأتي متأخرا .
( تنادي مهندس الديكور باسمه مباشرة وتعطيه كلبها الصغير)
أحبسه في غرفة ملابس إذا سمحت .
المخرج : ( مزمجراً ) : الكلب ... لسنا في حاجة إلى المزيد من الكلاب.
( يصفق بيديه إلى الممثلين ويلتفت إلى الملقن ) : هيا ، الفصل الثاني من مسرحية " لعبة الأدوار " ( يجلس على المقعد ).
الآن أيها السادة من عليه الدور ؟
( يخلي الممثلون والممثلات الجزء الأمامي من المسرح ويجلسون في جانب واحد عدا الثلاثة الذين سيبدأون البروفة ومعهم الممثلة الأولى ، التي لم تهتم لطلب المخرج فتجلس إلى إحدى المناضد الصغيرة ).
المخرج : ( للممثلة الأولى ) : آه أنتِ إذن مشتركة في هذا المشهد ؟
الممثلة الأولى : أنا ؟ لا ياسيدي .
المخرج : ( متضايقا ) قومي أبعدي عن هذا المكان .
( تنهض الممثلة الأولى من مكانها وتجلس مع الآخرين الذين يكونون قد ابتعدوا عن مكان التمثيل ).
المخرج : ( للملقن ) : ابدأ الآن ... ابدأ .
الملقن : ( يقرأ من نسخة المسرحية أمامه ) : منزل ليونى جالا .. حجرة غريبة : نصفها حجرة مائدة والنصف الآخر حجرة مكتب .
المخرج : موجها كلامه إلى مهندس الديكور) : سنستخدم القاعة الحمراء.
الملقن : ( يستمر في القراءة من نسخة المسرحية ) : منضدة معدة للطعام / ومكتب عليه كتب وأوراق/ ورفوف عليها كتب كثيرة .. وآجهات بها تحف ثمينة / باب خلفي يؤدي إلى المطبخ .. المدخل الرئيسي إلى اليمين .

المخرج : ( ينهض مشيراً بيده ليعطي تعليماته ) حسنٌ .. والآن انتبهوا جيداً .. هنا .. المدخل الرئيس .. وهنا ، المطبخ .
( إلى الممثل الذي سيمثل دور سقراط ) : ستدخل وتخرج من هذا الجانب .
( إلى مهندس الديكور) : نريد بارفانا في المؤخرة وبعض الستائر .
( يعود إلى الجلوس ) .
مهندس الديكور : ( يدون مذكرة ) : وهو كذلك.
الملقن : ( يستمر في القراءة من نسخة المسرحية أمامه ) المنظر الأول ، ليونى جالا + جويدو فينانزي + فيلبو المسمى سقراط .
( إلى المخرج ) هل يجب أن أقرأ التوجيهات أيضا ؟

المخرج : نعم .. نعم .. قلت ذلك من قبل مائة مرة .
الملقن : ( يقرأ ) : عندما ترفع الستار.. يظهر " ليوني جالا " مرتدياً قبعة طباخ ومئزراً ، يخفق بيضة في وعاء بملعقة خشبية .. " فيلبو " كذلك يرتدي ملابس طباخ .. يخفق بيضة أخرى .. " جويدو فينانزي " ينصت جالساً .

الممثل الأول: معذرة ! ولكن هل يجب أن أضع على رأسي قبعة الطباخ هذه ؟
المخرج : ( تثيره الملاحظة ) : قطعا ! هذا ما كتب هنا . ( يشير إلى نسخة المسرحية )
الممثل الأول : معذرة ! إنه شيء يدعو للسخرية .
المخرج : ( يهب واقفا ) : يدعو للسخرية ! ماذا تتوقع مني أن أفعل .. لم يعد يرد إلينا من فرنسا مسرحيات أفضل من هذه .. فلم يبقى أمامنا إلا عرض مسرحيات " براندللو" التي لا يفهمها إلا الأذكياء.. كأنما مسرحياته موضوعة قصداً لكيلا يرضى عنها الممثلون ولا النقاد ولا الجمهور.
( الممثلون يضحكون ، ثم ينهض المخرج متجهاً إلى الممثل الأول ويصيح فيه ) :
نعم ياسيدي .. قبعة طباخ تلبسها ! تخفق البيض ! وهل تعتقد أن المسألة تقتصر على أن تشغل نفسك بخفق هذا البيض .. ولا يبقى في يديك شيء ؟! كن حصيفاً .. يجب أن تمثل قشرة البيضة التي تخفقها .
( يبدأ الممثلون في الضحك .. ويتهكمون فيما بينهم ) .
أرجو الهدوء .. واستمعوا إليَّ عندما أشرح .
( إلى الممثل الأول )
نعم ياسيدي .. قشرة البيضة .. تعني الصورة الفارغة للعقل دون امتلائها بالمخ .. وهو الغريزة .. فهي حينئذ عمياء .. فأنت العقل .. وزوجتك الغريزة .. وفي " لعبة الأدوار " تقوم بدورك المسند إليك .. وفي الوقت ذاته تكون دمية نفسك .. هل فهمت ذلك ؟
الممثل الأول : ( فاتحاً ذراعيه ) : أنا ؟ لا ..!
المخرج : ( يعود إلى مكانه ويجلس ) : ولا أنا ..! على كل لنستمر .. وبعد ذلك يمكنكم أن تعربوا لي عن إعجابكم في النهاية ( في لهجة الناصح ) : أقترح أن تستدير للجمهور بحوالي ثلاثة أرباع وجهك .. وإلا فمع غموض الحور.. وعدم قدرتك على إسماع صوتك للجمهور .. ضاع كل شيء ( ثم يصفق للمثلين ) : هيا .. هيا دعونا نبدأ .
الملقن : معذرة ياسيدي .. أتسمح لي بأن أعيد الصندوق إلى مكانه .. فإني أشعر بتيار هواء .
المخرج : أي نعم .. لامانع أعده .
( في هذه الأثناء يدخل بواب المسرح وقد وضع قبعته على رأسه .. وبعد أن يعبر القاعة من المسرح ليعلن للمخرج وصول ( ست شخصيات ) ويتقدم هؤلاء الأشخاص أيضاً في القاعة وهم ينظرون حولهم وتبدو عليهم الحيرة والارتباك .

الأب : رجل أشرف على الخمسين ، ليس أصلع الرأس تماماً ، ولكن شعره يبدوا خفيفاً عند السوالف .. ويكسو جسمه شعر أحمر .. شاربه كث يغطي فمه الذي مازالت تبدو عليه سمات الشباب .. وكثيرا ما تتدلى شفاة هذا الفم في ابتسامة غير ذات معنى .. لونه يميل إلى الاصفرار .. ويبدو ذلك واضحاً عندما تتاح الفرصة للنظر إلى جبهته العريضة .. عيناه زرقاوان لهما نظرة حادة متفحصة .. يرتدي سترة داكنة .. وسروالاً فاتح اللون .. أحيانا يتصرف برقة .. وأحياناً أخرى يبدو جافاً خشناً.

ـ الأم : تبدو كامرأة حطمها ثقل كبير من الخزي والعار .. وتضع على وجهها نقاباً أسود داكن اللون كنقاب الأرامل وترتدي ثوباً أسود متواضعاً .. عندما ترفع هذا النقاب يبدو وجهها كأنه قد من الشمع .. لا تبدو عليه أية صورة من صور المرض أو الهزال .. تنظر بعينيها إلى الأرض طوال الوقت .

ابنةالزوجة : فتاة في الثامنة عشر من عمرها .. يبدو عليها التحدي والجرأة بلا خجل .. جميلة للغاية .. ترتدي كذلك ثياب الحداد .. لكنها تتعمد أن تبدو أنيقة في هذا الرداء .. تبدي كذلك احتقارها لتصرف أخيها الصغير الذي يتسم بالجبن والانعزال والخجل .
وأخوها ولد صغير يبلغ الرابعة عشرة من العمر .. يرتدي كذلك ثياب الحداد .. ومن ناحية أخرى تبدي عطفاً على أختها الصغيرة .. وهي طفلة في حوالي الرابعة ترتدي ثوباً أبيض تحليه بشريط أسود من الحرير حول خصرها .

ـ الأبن : فتى طويل القامة في الثانية والعشرين .. يبدو كأنه مملوء بشعور من الاحتقار للأب .. وعدم المبالاة تجاه الأم .. يرتدي معطفاً بنفسجي اللون ويضع حول عنقه وشاحاً أخضر.

بواب المسرح : معذرة ياسيدي .
المخرج : ( يستدير إليه في جفاء ) : ماذا أيضا ؟
بواب المسرح : ( في استحياء ) بعض الناس يسألون عنك ياسيدي .
( المخرج والممثلون يستديرون في دهشة إلى الشخصيات الست تجاه الصالة ) .
المخرج : ( في غضب ) ولكننا في التدريبات الآن .. وأنت تعلم جيداً أنه غير مسموح لأحد بدخول المسرح أثناء التدريبات المسرحية ..!
( يوجه كلامه بعيداً ) من أنتم أيها السادة وماذا تريدون ؟

الأب : ( يتقدم إلى الأمام يتبعه الآخرون حتى يصل إلى إحدى درجات السلم ) : نحن نبحث عن مؤلف ؟
المخرج : من هذا المؤلف ؟
الأب : أي مؤلف ياسيدي .
المخرج : ولكن لا يوجد مؤلفون هنا .. لأننا لا نجري تدريبات على أية مسرحية جديدة .
ابنة الزوجة : ( بحيوية تصعد السلم في عجلة ) : هذا أفضل ..! يمكننا أن نكون نحن مسرحيتك الجديدة .
أحد الممثلين : ( بين تعليقات الممثلين الآخرين اللاذعة وضحكهم ) : أوه .. أتسمعون ..! أتسمعون ..؟!!
الأب : ( يبتع ابنة الزوجة صاعداً المسرح ) : حقاً .. مادام لا يوجد مؤلف .. ( إلى المخرج ) إلا إذا أردت أنت أن تكون المؤلف .
( ثم تمسك الأم بالابنة الصغيرة في يدها .. وتصعد ومعها الولد الصغير أولى درجات السلم .. ويبقون هناك منتظرين .. يظل الابن واقفاً أسفل المسرح في وجوم ) .
المخرج : لعل السادة يهزأون ؟
الأب : لا .. كيف تقول ذلك ..! نحن على العكس نتقدم إليك بمأساة مؤلمة .
ابنة الزوجة : ويمكن أن نكون مصدراً لثرائك .
المخرج : هل تتكرمون بترك هذا المسرح .. فليس لدينا وقت نضيعه مع المعتوهين .
الأب : ( يبدو وكأن هذا الكلام قد خدش كبرياءه .. ولكنه يقول في لهجة رقيقة ) : ولكنك تعرف جيداً أن الحياة مليئة بمساخر لا تنتهي .. مليئة بأشياء تبلغ من السخرية حداً لا تصبح معه في حاجة إلى التستر في ثياب الحقيقة .. لأنها هي الحقيقة نفسها .
المخرج : يا للشيطان .. ماذا تقول ؟
الأب : أقول أن الجنون بعينه هو أن نحاول أن نفتعل العكس .. أعني أن نخلق مما له جميع مظاهر الحقيقة شيئا شبيهاً بالحقيقة .. وهنا ينبغي أن أُلفت عنايتك إلى أنه إذا كان هذا الجنون بعينه فهو السبب أيضاً في وجود مهنتك هذه .
( ينفعل الممثلون إذ يشعرون بالإقلال من شأنهم ) .
المخرج : ( ينهض واقفاً وينظر إليه من أخمص قدميه إلى قمة رأسه ) : أحقاً ؟ هل تظن أن مهنتنا هي مهنة مجانين ؟
الأب : نعم .. إذا كنت تعمل على أن يبدو ما ليس حقيقاً كأنه الحقيقة دون حاجة إلى ذلك بل للهزل فقط .. أليس عملك أن تضفي الحياة على المسرح لشخصيات خيالية .
المخرج : ( في الحال ويتكلم بلسان جميع الممثلين الذي ظهر عليهم الامتعاض والغضب ) : أريدك ياسيدي أن تتأكد أن مهنة الممثل الكوميدي هي غاية في النبل .. وإذا كنا في هذه الأيام نرى السادة المؤلفين يقدمون لنا كوميديات هزلية لنمثلها .. تقوم على دمي بدل الأشخاص .. فلتعلم أن مما نفخر به على خشبة هذا المسرح إننا أعطينا الحياة لأعمال خالدة .
( الممثلون مغتبطون .. مؤيدين المخرج .. ثم يصفقون له ) .
الأب : ( مقاطعا .. ومستمراً في مناقشته في حدة ) : بالضبط .. لكائنات حية .. لكائنات أكثر حياة من التي تتنفس وترتدي الثياب .. ربما أقل واقعية ولكنها أكثر حقيقية .. إننا متفقون تمام الاتفاق .
( ينظر الممثلون بعضهم إلى بعض في دهشة بالغة ) .
المخرج : كيف ..! لقد سبق لك أن قلت ...
الأب : لا .. معذرة .. كنت أوجه ذلك الحديث لأنك صرخت فينا قائلا : ليس لديك وقت تضيعه مع المعتوهين ... بينما أنت تعرف جيداً أن الطبيعة تستفيد كثيراً من أداة الخيال الإنساني ليتم الخلق على مستوى أعلى .
المخرج : فليكن .. فليكن ولكن ماذا تريد أن تستنتج منكل هذا ؟
الأب : لا شيء ياسيدي .. لقد أردت فقط أن أوضح لك أن الكائنات توجد في هذه الحياة على أشكال كثيرة .. وبطرق مختلفة .. كالشجر أو الحجر .. كالماء أو الفراشة أو المرأة وهكذا تولد أيضاً الشخصيات .
المخرج : ( في تهكم محاولا إخفاء دهشته ) : معنى ذلك أنك أنت ومن حولك قد ولدتم شخصيات .
الأب : فعلاً ياسيدي .. وشخصيات حية كما ترى .
المخرج : ( ينفجر والممثلون ضاحكين ) .
الأب : ( يتأثر من ذلك ) : إني آسف لأنكم تضحكون منا .. لأننا نحمل في أنفسنا وأكررها .. مأساة رهيبة .. ويمكنكم أن تستدلوا على ذلك من هذه المرأة ذات النقاب الأسود .
( وعندما يقول ذلك يمد يديه إلى الأم ليساعدها على صعود الدرجات الأخيرة إلى المسرح .. ثم يقودها وهو مازال ممسكاً بيديها إلى الناحية الأخرى من المسرح التي يغمرها فجأة ضوء خيالي غريب .. الابنة الصغيرة والفتى الصغير يتبعان الأم .. ثم تتبعه ابنة الزوجة وتقف في الجزء الأمامي من المسرح مستندة إلى الحائط .. الممثلون في أول الأمر يؤخذون بما حدث .. وتبدو عليهم الدهشة البالغة .. ثم يلقي هذا التطور إعجابهم فيصفقون كأن هناك تمثيلية تجري أمامهم ) .
المخرج : ( يبدوا مندهشاً ثم يقول وقد جرح كبرياؤه ) : اسكتوا ... سكوت .. ( إلى الشخصيات ) : وأنتم اخرجوا من هنا .. اخلوا هذا المسرح .( إلى مهندس الديكور ) أخرجهم من هنا .

مهندس الديكور: ( يتقدم إلى الأمام .. ثم يقف كأن قوة غريبة أوقفته في مكانه ) : هيا اخرجوا .. هيا .
الأب : لا .. لا .. استمع ..... نحن ....
المخرج : إني أقول لكم لدينا الكثير من الأعمال .
الممثل الأول : ليس من المستحب أن تستمر في الهزل بهذه الطريقة .
الأب : ( بإصرار يتقدم إلى الأمام ) : إني أعجب لعدم ثقتكم فينا .. ربما يرجع ذلك إلى أنكم لم تعتادوا رؤية الشخصيات التي يخلقها المؤلف تبرز إلى الحياة فجأة بهذه الطريقة .. يقابلون بعضهم بعضاً وجهاً لوجه .. أو ربما يكون السبب عدم وجود نص مسرحي يحتوينا .
ابنة الزوجة : ( تقترب من المخرج وهي تبتسم ثم تقول في صوت رقيق ) : صدقني ياسيدي نحن حقاً ست شخصيات ، وشخصيات مسلية للغاية .. ولكن قطعت بنا السبل .
الأب : ( يزيحها جانبا ) : نعم .. هذا صحيح .. لقد قطعت بنا السبل ( ثم يقول في الحال إلى المخرج ) : أريد أن أقول إن المؤلف الذي خلقنا كائنات حية لم يرد أو لم يستطع أن يضعنا فعلاً في عالم الفن .. وهذا حقاً جرم بالغ ياسيدي .. لأن هذا الذي قدر له أن يولد شخصية روائية حية ، يمكنه أن يهزأ حتى من الموت .. ولن يموت من بعد .. إن الإنسان يموت ويموت المؤلف وهو أداة الخلق .. ولكن الشخصية المخلوقة تبقى في الحياة وليس عليها أن تكون ذات مواهب خارقة أو تأتي بمعجزات .. من كان ( هاملت ) من كان ( عُطيل ) ؟ .. ومع ذلك فهما يعيشان إلى الأبد.. لأنهما بذور حية وجدت الفرصة لكي تنمو في منبت خصب .. خيال عرف كيف يغذيها وينميها .. ويبعث فيها الحياة إلى الأبد .
المخرج : كل هذا كلام جميل حقاً .. كلام في غاية الروعة .... ولكن ماذا تريدون منا هنا ؟!.
الأب : نريد أن نعيش ياسيدي..!!
المخرج : ( في تهكم ) : ... إلى الأبد ..؟!
الأب : لا ياسيدي .. على الأقل نعيش لحظة واحدة ..... نعيش فيكم .
أحد الممثلين : انظروا .... انظروا ..!!
الممثلة الأولى : يريدون أن يعيشون فينا ..!!
الممثل الشاب : ( يشير إلى ابنة الزوجة ) : ليس لدي أي اعتراض إذا كانت هذه من نصيبي ..!
الأب : انتبهوا ... انتبهوا ... إن المسرحية يجب أن تعدّ .. ( للمخرج ) ولكن .... إذا كنت أنت تريد ويريد ممثلوك فيمكن الاتفاق فيما بيننا الآن دون تأخير.
المخرج : ( متضايقاً ) : ما لذي تريد الاتفاق عليه ؟ .. ليس هنا مجال الاتفاقات .... إننا نقوم بتمثيل مسرحيات جدية أو هزلية فقط ..!
الأب : بالضبط .. ولهذا قصدنا إليك ..!!
المخرج : وأين نص المسرحية ؟
الأب : المسرحية فينا نحن ياسيدي .
( الممثلون يضحكون ) :
الأب : إن المأساة فينا .... نحن المأساة ولم نعد نستطيع الصبر وفينا تستعر العاطفة .
ابنة الزوجة : ( بلجة ساخرة فيها روح الغدر والإغراء وعدم الخجل المتعمد ) : عاطفتي أنا .. آه لو تعرفون أيها السادة ..! عاطفتي أنا .... عاطفتي نحوه ( تشير إلى الأب وتأتي بحركة كأنها ستعانقه .. ولكنها تنفجر في ضحكة صاخبة ).
الأب : ( بغضب شديد ) : أرجوكِ الزمي مكانك الآن ولا تضحكي بهذه الطريقة ..!
ابنة الزوجة : لا أستطيع .. إذن فلتسمعوا أيها السادة .. ولو أنه لم يمضِ على وفاة أبي إلا شهران فقط ... إلا أنكم يجب أن تشاهدوا كيف أغني وأرقص .
( تبدأ في غناء أغنية فرنسية " أحذر من تشو تشين تشو " تغني الفقرة الأولى من الأغنية على نغمات الفوكس البطيئة وهي ترقص :
ـ إن الصينيين أناس بالخبث مليئون
من شانغهاى إلى بيكين
فكتبوا في كل مكان لا تتساهلوا
ومن تشيو تشين تشو لا بد أن تحذروا
( بينما تقوم ابنة الزوجة بهذا الرقص والغناء .. يبدو على الممثلين وعلى الأخص الممثل الشاب الدهشة البالغة .. وكأن شيئاً غريباً جذبهم إلى ابنة الزوجة فيتقدمون نحوها ويرفعون أيديهم إليها كأنهم يريدون أن يمسكوا بها .. تجري منهم .. وعندما ينفجر الممثلون مصفقين وينهرها المخرج .. تقف في مكانها فجأة وتبدو سارحة في عالم بعيد ) .

الممثلون والممثلات : ( يصفقون ويضحكون ) : رائع .... رائع .. حسن جداً .
المخرج : ( متضايقاً ) : اصمتوا .... أتعتقدون أنكم في مرقص ..؟
( ينتحي بالأب جانباً ويتحدث إليه في غضب شديد ) : اخبرني بالله عليك هل هي مجنونة ؟
الأب : مجنونة ..!! إنها أسوأ من ذلك بكثير ..!!!
ابنة الزوجة : ( في الحال تندفع إلى المخرج ) : أسوأ .. أسوأ .. إنه شيء أسوأ من هذا بكثير .. أرجو أن تسمعني .. دعنا نمثل هذه المأساة في الحال .. أرجوك .. وسترى عندئذ أنه في لحظة معينة عندما تكون
( تأخذ الفتاة الصغيرة بين يديها .. تسير بها إلى المخرج ) : أليست حبيبة هذه الصغيرة ؟
( تقبلها ) : يا حبيبتي الصغيرة ..!!
( تحملها بين يديها وتقبلها وتعيدها إلى مكانها ثم تقول في لهجة يبدو فيها تأثرها البالغ ) : نعم .. وعندما ينتزع الله فجأة هذه الطفلة الصغيرة من أمها المسكينة .. ويأتي الصغير الأبله هناك .
( تمسك بالولد الصغير بعنف وتجره إلى الأمام ) يأتي هذا الأبلة بأكثر الأفعال غباء .. ( تدفعه إلى الخلف تجاه الأم ) : كما هو معهود فيه من البله والحماقة ، عندئذ ترونني أهرب ..! نعم أيها السادة سأهرب بعيداً ..! أوه ..! كم أتوق إلى هذه اللحظات .. صدقني كم أتوق إلى هذه اللحظات .. لأني بعد كل ماكان من علاقات ودية بيني وبينه .
( تغمز بطريقة مريرة تجاه الأب ) : لا أستطيع أن أمكث مع هؤلاء الناس أكثر من ذلك .. فقد كنت أرقب قلق أمي على هذا الأفعوان الغريب هناك ( تشير إلى الابن) انظروا إليه .. انظروا إليه .. لا يهتم بشيء .. انظروا إلى جموده .. لأنه هو الابن الشرعي .. نعم هو الابن الشرعي .. يملأه الاحتقار لي ويحتقر كذلك . ( تشير إلي الابن ) انه يحتقر هذه الفتاة العزيزة لأننا أبناء غير شرعيين ـ هل تفهم ذلك !؟ .. لأننا أبناء غير شرعيين .
( تذهب إلى الأم وتعانقها ) : وهو لا يريد أن يعترف أن هذه المرأة المسكينة هي أمه ...! هذه المرأة المسكينة التي هي أمنا جميعا ... إنه ينظر إليها على أنها أنها أمنا نحن الثلاثة غير الشرعيين فقط ـ هذا اللعين .
( تقول هذا الكلام بسرعة وبانفعال .. وبعد أن تكون قد ضخمت صوتها في كلمة ( غير شرعيين ) تنطق كلمة لعين بصوت خفيض وكأنها تبصق من فمها )
الأم : ( للمخرج .. يبدو في صوتها قلق بالغ ) : أرجوك .. بحق هذين الطفلين .. أسترحمك الله .. ( ينتابها الدورا فتتأرجح كأنها ستسقط ) أوه .. يا إلهي ....
الأب : ( يندفع إليها لمساعدتها وينضم إلى جمع من الممثلين ) : كرسي بسرعة .. أرجوكم كرسي لهذه الأرملة المسكينة .
الممثلون : ( يسرعون نحوها ) : المسألة صحيحة إذن ؟ أغمي عليها حقا .
( يتقدم أحد الممثلين وبيده مقعده .. ويقف بقية الممثلين حولهم قلقين .. تجلس الأم على المقعد .. تحاول أن تمنع الأب من رفع النقاب الذي يغطي وجهها ) .
الأب : انظروا إليها ..!! انظروا إليها ..!!
الأم : كلا .... كلا ، يا إلهي .... لا تفعل ذلك أرجوك .
الأب : دعيهم يرونك . ( يرفع النقاب ) .
الأم : ( تنهض وتغطي وجهها بيدها في يأس ) : أرجوك ياسيدي .. لا تدع هذا الرجل ينفذ خطته .. يجب أن تمنعه من ذلك .. إنه شيء رهيب .
المخرج : ( وقد أصيب بدهشة بالغة ) : إني لا أفهم شيئا من ذلك على الإطلاق .... ليس لدي أية فكرة ، عم تتحدثون .. ( إلى الأب ) : هل هذه السيدة زوجتك ؟
الأب : نعم ياسيدي .
المخرج : وكيف تكون أرملة وأنت مازلت حيا ؟
( ينفس الممثلون عن كل ما انتابهم من الاضطراب الذي اعتراهم في ضحكة قوية ).
الأب : ( بتأثر ، يتكلم في غضب بالغ ) : لا تضحكوا .. لا تضحكوا هكذا رحمة بنا .. إن المأساة كلها تتلخص في هذه الحقيقة المرّة .. كان لديها رجل آخر.. رجل آخر كان يحب أن يكون هنا ..!
الأم : ( صائحة ) لا .. لا ..
ابنة الزوجة : من حسن الحظ أنه مات .. لقد توفي منذ شهرين .. كما قلت لك من قبل .... وما زلنا نرتدي ثياب الحداد عليه كما ترى

الأب : ولكن عدم وجوده هنا لا يرجع إلى وفاته .. لا إنه ليس هنا ـ أرجو أن تنظروا إليها السادة وستفهمون في الحال ان مأساتها ليست حب رجلين لا يمكنها أن تشعر نحوهما بشيء إلا الاعتراف ببعض الجميل .. ليس لي أنا ولكن له هو ـ إنها ليست امرأة إنها أم ـ ومأساتها و .... " مأساة رهيبة أيها السادة ..! مأساة رهيبة ..!! ـ إن مأساتها في الواقع هي هؤلاء الأطفال الأربعة .... أطفال من رجلين كانا لها .
الأم : أتقول كانا لي ؟ .... هل تجرؤ أن تقول إن هذين الرجلين كانا لي حتى يفهم من ذلك أني أردتهما لنفسي ؟
( للمخرج ) : إنه هو الذي فعل ذلك .. هو الذي أعطاني الرجل الآخر .. فرضه عليَّ فرضاً .. ودفعني .. دفعني دفعاً إلى الفرار معه.
ابنة الزوجة : ( بغضب ) : هذا غير صحيح .
الأم : ( بدهشة ) : غير صحيح ..؟!!!
ابنة الزوجة : غير صحيح .. غير صحيح .
الأم : وما أدراكِ أنتِ ؟!
ابنة الزوجة : غير صحيح .
( للمخرج ) : لا تصدقها .. أتعرف لماذا تقول ذلك ؟ بسببه هو ( تشير إلى الابن ) : تقول ذلك لأنها تعذب نفسها .. تعذب نفسها قلقاً .. لعدم المبالاة التي تلاقيها من ابنها هذا .. إنها تريده أن يصدق أنه هو ( تشير إلى الأب ) : الذي دفعها إلى تركه .. وكان عمره سنتين .. إنه هو الذي أضطرها إلى ذلك .
الأم : ( ترد بعنف ) : لقد دفعني إلى ذلك .. لقد دفعني إلى ذلك والله يشهد على ما أقول .
( للمخرج ) : اسأله .. ( تشير إلى الأب ) : اسأله إذا كان ما أقول حقاً أم لا .. دعه يقص عليك القصة .... وهي ( تشير إلى ابنتها ) : لايمكن أن تعرف شيئاً عن هذا الموضوع .
ابنة الزوجة : أعرف أنكِ كنتِ طوال حياتك مع أبي في غاية السعادة ... كنتما تعيشان في هدوء واطمئنان .... وأنتِ لا تستطيعين تكذيبي .
الأم : لا .... أنا لا أنكر ذلك ، لا .
ابنة الزوجة : كان هو الحب والحنان نفسه .. كان يحبك حباً خالصاً .
( إلى الفتى بغضب ) : أليس هذا صحيحاً ؟ تكلم .. لما لا تتكلم أيها الأبله ؟
الأم : دعيه وشأنه .. لماذا يا ابنتي تريدين أن أبدو امرأة ناكرة للجميل ؟ إني لا أريد على الإطلاق أن أقول شيئاً يمس أباكِ .. قد أحببته لم يكن ذنبي .. ولم أرضي نزواتي حينما تركت منزله وتركت ابني .
الأب : إن ما تقوله صحيح يا سادة .. أنا المسئول .
( فترة صمت ).
الممثل الأول : ( لزملائة ) : ياله من مشهد ..!!
الممثلة الأولى : هم الذين يؤدون لنا هذه الأدوار..!!
الممثل الأول : فلنكن متفرجين ولو مرة واحدة فقط..!
المخرج : ( وقد بدأ يعتم بالموضوع ) : دعونا نستمع إليهم .. دعونا نستمع ما يقولون ( وبعد أن يقول ذلك ينزل من خشبة المسرح إلى الصالة ويقف أمام المسرح حتى يرى من جهة نظر المتفرجين تأثير المشهد ) .
الابن : ( دون أن يتحرك من مكانه .. ببرود .. وبهدوء .. وبلهجة ساخرة ) : نعم استمعوا إلى هذه القطعة الفلسفية الآن .. سيقص عليكم تجاربه الشيطانية .
الأب : ( للابن ) : إنك غبي ساخر .. كما قلت لك مائة مرة من قبل ( وإلى المخرج الموجود في الصالة ) : إنه يسخر مني لهذا التعبير الذي اتخذته دفاعاً عن نفسي .
الابن : ( بامتعاض ) : إنه كلام .
الأب : كلام ..!! كلام ، كما لو كان الكلام لا يسُرّى عنا جمعياً .. عندما تواجهنا الحقيقة لا نستطيع تفسيرها .. أو عندما نواجه شراً يستهلكنا .. إن كلمة واحدة قد لا تعني شيئاً تعيد الهدوء إلى نفوسنا .
ابنة الزوجة : وبصفة خاصة في حالة تأنيب الضمير.
الأب : تأنيب الضمير ..؟! لا .. هذا غير صحيح .. لم تكن الكلمات وحدها هي التي أراحت ضميري .
ابنة الزوجة : لا ، بل استخدم أيضا القليل من النقود ..! نعم قليل من النقود .. المائة ليرة التي قدمها :اجر لي أيها السادة .
( حركة من الرعب من جانب الممثلين ).
الابن : ( باحتقار إلى ابنة الزوجة ) : هذا انحطاط .
ابنة الزوجة : انحطاط ..؟!! كانت في مظروف أزرق باهت صغير .. على المنضدة الخشبية في الحجرة خلف (حانوت ) مدام " باتشي " هل تعلم ياسيدي من هي ؟ إنها إحدى أولئك السيدات اللائي يتظاهرن ببيع الثياب حتى يجتذبننا نحن الفتيات المسكينات من الأسر النظيفة إلى حوانيتهن القذرة .

الأب : استمع ياسيدي .. كان معي رجل فقير يساعدني .. سكرتيري الخاص ، وكان شديد الإخلاص لي ، ويفهم تماماً كل تصرفاتي ( يشير إلى الأم ) : لم يكن هناك أقل شك في وجود شيء ما .. فقد كان رجلاً طيباً متواضعا .. يشبهها تماماً .. ولم تكن لديها القدرة حتى على مجرد التفكير في الإثم ، لا على ارتكابه .!!!
ابنة الزوجة : هو الذي كان يفكر فيه بدلا منها ـ وارتكب هذا الإثم .
الأب : غير صحيح .. كنت أعتقد أن ما أفعله سيكون لخيرهم ولخيري أيضاً .. نعم ، إني أعترف بذلك .. لد تطوّرت الأمور ، فأصبحتُ لا أستطيع أن أقول كلمة واحدة لأي منهما دون أن يتبادلا نظرات التفاهم في الحال .. لا أقول كلمة واحدة إلا ويحاول كل منهما أن يرى ماتقوله عين الآخر ... لكي يتبادلا المشورة على أي محمل ينبغي أن يفهما كلامي .. حتى لا يثور غضبي .. ويمكنك أن تدرك الآن أن هذه الطريقة كانت تجعلني في غضب دائم وثورة لا تحتمل .
المخرج : ولكن أتسمح لي أن أسألك لِمَ تطرد سكرتيرك هذا ؟
الأب : في الواقع أن هذا ما فعلت بالضبط .. ولكن كان عليّ بعد ذلك أن أرى المرأة المسكينة تتجول بمفردها بين جدران المنزل كمخلوق بائس ضائع .. كإحدى ـ الحيوانات الضالة التي تأخذك بها الشفقة فتأويلها .
الأم : ولكن ....
الأب : ( يستدير إليها كأنه يتنبأ بما ستقول ) : ابنك حقا ..؟
الأم : كان أيها السادة قد انتزع ابني من أحضاني سليما قوياً .
الأب : لم يكن ذلك عن قسوة وإنما كي ينشأ مرتبطاً بالأرض .
ابنة الزوجة : ( تشير إلى الابن في استهزاء ) : شيء واضح .
الأب : وهل هي غلطتي أيضاً أنه نشأ على هذا النحو ؟ عهدت به إلى إحدى المربيات في الريف يا سادة .. فلاحة .. لأن زوجتي لم تبد لي من القوة إلى حد كاف .. مع أنها من أصل رقيق .. وكان ذلك هو نفس السب الذي تزوجتها من أجله وربما كانت هذه نزوة .. ولكن ماذا كنت أستطيع أن أفعل ؟ لطالما اجتاحتني تلك النزوات الملعونة إلى التعلق بمتانة السلامة الخلقية .!
( هنا تنفجر ابنة الزوجة ضاحكة من جديد بطريقة صاخبة ).
الأب : ( بغضب ) أسكتها لم أعد أحتمل ذلك .
المخرج : اسكتي .. دعيني أسمع ما يقول بحق السماء .
( وعندما ينهرها المخرج تعود في الحال إلى حالتها السابقة سارحة في عالم بعيد وعلى شفتيها ابتسامة .. ينزل المدير من على خشبة المسرح كي يرى تأثير المشهد ) .

الأب : لم أعد أحتمل رؤية نفسي وأنا إلى جانب هذه السيدة ( يشير إلى الأم ) ليس للمضايقات التي سببتها لي .. صدقني ياسيدي وليس بسبب الجنون الحقيقي الذي سببته لي .. ولكن للألم .. الألم ألممض الذي كنت أعانيه من أجلها .
الأم : ومع ذلك فقد طردتني .
الأب : كانت قد وهبت هذا الرجل كل شيء ... نعم كل شيء أيها السادة .. وذلك أردت أن أحررها مني .
الأم : ويتحرر هو أيضا.
الأب : نعم أيها السادة وأنا أيضاً .. إني أعترف بذلك .. ولقد ترتب على هذا كثير من الضرر .. ولكني أقدمت على ما فعلت بنية حسنة ... ولأجلها أكثر مما هو لأجلي : أقسم بذلك .
( يضم ذراعيه إلى صدره .. ثم يلتفت في الحال إلى الأم ) : هل تركتك أبداً بعيدة عن ناظري إلى أن أخذك هذا الرجل بين ليلة وضحاها دون علمي إلى بلد آخر .... مدفوعاً بفكرة عمياء عن اهتمامي الخالص بك ... وصدقوني أيها السادة لم يكن ثمة سبب آخر غير ذلك ، وظللت أهتم بهذه العائلة الجديدة التي نمت وأعطف عليها عطفاً لا يصدق ، وتستطيع هي أن تشهد بذلك ( يشير إلى ابنة الزوجة ).
ابنة الزوجة : وأيضاً أنا كنت فتاة صغيرة جميلة .. أليس كذلك ؟ تتدلى ضفائري خلف ظهري ، وقد بدا طرف قميصي من أسفل ثوبي ـ جميلة من هذه الناحية ـ كنت أراه أمام باب المدرسة عند خروجي .. كان يحضر ليرى كيف أتفتح ..
الأب : هذه خيانة .. يا للعار .
ابنة الزوجة : كلا .. لماذا ..؟!!
الأب : يا للعار .. يا للعار.
( يستدير إلى المخرج ، بصوت يشرح فيه الموقف ) :
الأب : بعد أن ذَهَبتْ ( يشير إلى الأم ) بدا لي المنزل خاويا .. وليس به أحد .. لقد كانت عبئاً علي كاهلي .. ولكنها كانت تملأ عليّ البيت .. وعندما وجدتُ نفسي وحيداً أخذت أتجول بين أركان المنزل كذبابة طاش صوابها .. وهذا
( يشير إلى الابن ) هذا الذي نشأ بعيداً عني بمجرد أن عاد إلى المنزل ـ لست أدري ـ لم أشعر كأنه يمتّ إليّ بصلة .. لم تكن هناك أم تربط بيني وبينه ، فشب مهتماً بنفسه منعزلاً .. ثم بلا علاقة عاطفية ولا ثقافية تربط بيني وبينه ثم ـ وربما يبدو ما سأقوله غريباً ياسيدي ولكنه الواقع ، أخذت أهتم ثم انجذبت رويداً رويداً إلى تلك العائلة الصغيرة التي نشأت نتيجة لفعلي .. بدأ التفكير فيها يملأ الفراغ الذي طفقت أشعر به حولي .. أحسست بنزعة حادة ... برغبة جامحة حقاً .... أريدها أن تعيش في سلام تمارس الحياة البسيطة العادية ـ كنتُ أريد أن أطل عليها فأراها سعيدة الحظ .. لأنها أصبحت بعيدة عن العذاب الأليم الذي كانت تعانيه نفسي .. ولكي أقدم دليلا على ذلك كنت أذهب لأرقب تلك الفتاة الصغيرة أثناء خروجها من المدرسة .
ابنة الزوجة : صحيح .. لقد كان يتبعني في الطريق ويبتسم لي .. وعندما أصل إلى البيت يحييني مودعاً ـ هكذا ـ وكنت أحملق فيه باهتمام متعجبة من عساه يكون ..؟!!! وحدثت أمي عنه فأدركت على الفور من هو ( الأم تهز رأسها علامة الإيجاب ) لقد أرادت في أول الأمر أن تمنعني من الذهاب إلى المدرسة .. وحالت بالفعل دون ذهابي إليها عدة أيام .. ولكن عندما عدت رأيته يقف بجوار الباب مرة أخرى ـ وكان منظره يبعث على الضحك .. وهو يحمل بين يديه لفافة كبيرة من الورق .. وتقدم إلىّ وربت عليّ .. ثم أخرج من تلك اللفافة قبعة جميلة من القش من " فلورنسا " عليها أزهار شهر مايو .. وأعطاها لي .
المخرج : هذا كلام خارج عن الموضوع أيها الأفاضل .
الابن : ( في احتقار ) نعم .... بلاغة .. بلاغة .
الأب : أي بلاغة ..! هذه هي الحياة .. عاطفة تتأجج .
المخرج : ربما .. ولكنك لايمكن أن تمثل هذا النوع على المسرح .
الأب : أوافقك تماماً .. ولكن كل ذلك ليس إلا حوادث سابقة .. ولا أقول إن هذا الجزء يجب أن يمثل... والواقع كما ترى أنها ( يشير إلى ابنة الزوجة ) : لم تعد الطفلة الصغيرة ذات الضفائر المدلاة وراء ظهرها ..
ابنة الزوجة : وأطراف قميصها الداخلي تبدو من تحت ثوبها .
الأب : وهنا تبدأ المأساة بطريقة جديدة معقدة أيها السادة .
ابنة الزوجة : ( تتقدم إلى الأمام قليلاً ، في صوت كئيب فيه قسوة واعتزاز) : بمجرد أن توفى والدي ...
الأب : ( يقاطعها في الحال كي لا يعطيها فرصة للكلام ) : البؤس ياسيدي .. يعودون هنا دون علمي ـ ولغبائها ( يشير إلى الأم ) : إن هذه السيدة تكاد لا تعرف الكتابة .. ولكن كان في مقدورها أن تجعل ابنها يكتب إلىّ أو ابنتها ـ يقولون إنهم في حاجة .

الأم : أخبرني الآن ياسيدي .. كيف كان لي أن أتنبأ أن هذا كان شعوره نحونا ؟
الأب : وهنا بالضبط كنتِ دائما تقعين في الخطأ ... عندما كنتِ تعجزين عن إدراك شعوري إزاء أي شيء .
الأم : بعد أن أمضيت هذه السنين الطويلة بعيدة عنه وبعد كل ما حدث ...
الأب : وهل هذه جريرتي .. أن أخذكِ هذا الرجل كما فعل ؟
( إلى المخرج ) : أقول لكَ ما حدث من يوم إلى يوم .. كنت قد سافرت لأمر لا أذكره .. فلم يكن في مقدوري حين عدت أن أتتبع أثرهم .. ومن ثم قل اهتمامي بالضرورة بهم على مر السنين .. ووقعت المأساة ياسيدي غير متوقعة عنيفة بعد هودتهم .. وكنت حينئذ قد اضطررت رضوخاً لمطالب جسدي التعس الذي مازال حينئذ يحترق بنزواته ... آه يا للبؤس ... يا لتعاسة الرجل الذي يحيا وحيداً .. ولا يرد أن تكون له علاقات شائنة ولم يبلغ من الكبر سناً تمكنه من العيش بلا امرأة ولا من الشباب سناً تتيح له أن يذهب في البحث عنها في سهولة ودون خجل .. أليست هذه تعاسة ؟ .. ماذا أقول ، فما من سيدة في استطاعتها أن تمنحه الحب ـ وعندما يدرك ذلك يجب عليه أن يستغني عن هذا الحب ، ولكن ياسيدي كل منا أمام الآخرين يتشح بالعزة .. ولكنه يدرك أن هناك في أعماق نفسه أشياء لا يمكنه أن يجهر بها ... أشياء يحيطها قلبه بسياج مرير من الكتمان .. إننا نستسلم .... نستلسم للإغراء ، ولكي ننهض من جديد تملؤنا رغبة عظيمة في أن تعيد إلى نفوسنا تماسكها وتكاملها ـ وكأن كرامتنا شاهد القبر الذي يخفي ويدفن عنه أعيننا كل إشارة وكل ذكرى لها صلة بعارنا .. وهذا حالنا جميعا .. ولا تنقصنا إلاّ الشجاعة لكي نقول أشياء معينة .
ابنة الزوجة : ولكن الشجاعة في أن يقدموا عليه لاتنقص أحدا منهم .
الأب : نعم ، كلهم ، ولكن في الخفاء .. ولهذا يحتاج الأمر إلى مزيد من الشجاعة ـ لكي يُقال .. وما يكاد المرء يذكر هذه الأشياء حتى يدمغونه بالتردي في الشهوات ـ مع أن ذلك ليس حقيقاً ياسيدي لأنه كأي فرد منهم بل الواقع .. أنه أفضل منهم لأن فطنته أتاحت له ألا يخفي حمرة الخجل وألا يخشاها .. الخجل الذي تتسم به الوحشية الإنسانية ... هذا العار الذي يغمض الإنسان عينيه حتى لا يراه .. والمرأة ، أي نعم .. المرأة .. ماهو موقفها ؟ إنها تنظر إليك بإغراء فتضمها بين ذراعيك .. وما تلبث أن يلتصق جسدها بجسدك حتى تغمض عينيها ... هذا عنوان رسالتها ـ تقول للرجل " أغمض عينيك فإني أغمضتها فلا أرى " .
ابنة الزوجة : وعندما لا تغمض المرأة عينها ؟ وعندما لا تشعر بالحاجة لأن تخفي خجلها عن نفسها أو أن تغمض عينيها .. وعندما تنظر بدلاً من ذلك بعيون جامدة لا عاطفة فيها لترى عار الرجل الذي أعمى نفسه دون حب ؟ ..آهٍ للغباوة .. غباوة ليس بعدها غبار تتسم بها تلك التعقيدات الذهنية .. تلك الفلسفة التي تكشف عن الحيوان الأعجم الذي يكمن في الرجل .. ثم تحاول بعد ذلك أن تنقذه وتتلمس له الأعذار .... إني لا أستطيع أن أقف هنا وأستمع إليه أيها السادة .. لأن الرجل عندما يضطر إلى تبسيط الحياة بطريقة وحشية .. وعندما يلقي عن كاهله بكل معاني الإنسانية ، وبكل رغبة طاهرة وكل شعور نبيل .... وكل شعور بالعطف والواجب والتواضع والخجل ... عندئذ لا يوجد شيء أوجب للامتهان والاحتقار أكثر من هذا الندم المصطنع .... يا لدموع التماسيح ..!!
المخرج : والآن لنعد إلى الموضوع .. لنعد إلى الموضوع ياحضرات الأفاضل .. لقد أكثرتم من هذه المناقشات .
الأب : حسناً جداً ياسيدي .. ولكن الحقيقة كالغرارة .. عند ما لاتكون خاوية لا يمكن أن تقف .. ويجب إذا أردتها أن تقف أن تصب فيها الأسباب والمشاعر التي تسببت في وجودها .. ولم يكن المفروض عليّ أن أعرف تلقائياً أنه عندما مات ذلك الرجل وعادوا إلى هنا في حالة يرثى لها .. لم يكن من المفروض عليّ أن أعرف أنها ( يشير إلى الأم ) : ستخرج وتعمل حائكة للثياب لكي تعول أطفالها ... و ... وعند من ؟ مدام باتشي ..!!
ابنة الزوجة : وهي خياطة راقية .. لو تعلمون أيها السادة ، إنها تتعامل في الظاهر مع أرقى السيدات .. ولكنها تدبر أمورها بحيث تصبح هذه الطبقة الراقية من النساء ستاراً لها .. يحجب الشك عن الآخريات .
الأم : صدقوني أيها السادة إذا قلت : إنه لم يخطر ببالي لحظة واحدة أن هذه العجوز استخدمتني بعد أن رأت ابنتي ..!!
ابنة الزوجة : يا للأم المسكينة ..! أتعرف ماذا كانت تفعل هذه المرأة عندما كنت أعود أليها بالثوب الذي حاكته أمي ؟ .. كانت تقول لي : إن النسيج قد تلف نتيجة لحياكة أمي .. ثم تزمجر على هذا وعلى ذاك .. وبذلك تدركون أنه كان يجب عليّ أن أدفع الثمن ؛ ثمن الثوب الذي تلف ، وهذه المرأة المسكينة كانت تعتقد طوال الوقت أنها تضحي بكل شيء في سبيلي وفي سبيل هذين الطفلين ـ عندما كانت تسهر طوال الليل تعمل لمدام باتشي .
( حركات وهمسات من جانب الممثلين تدل على الاستياء )

المخرج : وهناك في يوم ما حدث أن قابلتِ ـ
ابنة الزوجة : ( تشير إلى الأب ) : قابلته ؛ قابلته هو ياسيدي عميل قديم! والآن أترى أي مشهد ستقدمه ؛ مشهد رائع ..!!!!!
الأب : في لحظة حضورها فجأة ... حضور الأم ـ
ابنة الزوجة : ( تقاطعه في الحال بلهجة مملوءة بالشر) : تقريباً في الوقت المناسب .
الأب : ( صائحاً ) : في الوقت المناسب .. في الوقت المناسب ، لأني لحسن الحظ قد تعرفت عليها شخصياً في الوقت المناسب ، وعندئذ عدت بهم جميعاً أيها السادة إلى المنزل .. والآن يمكنك أن تتصور موقفها وموقفي .. كل منا في مواجهة الآخر .. فلم يعد في استطاعتي بعد أن أرفع عيني في وجهها .
ابنة الزوجة : إن هذا شيء غاية في البلاهة .. وهل من المستطاع أيها السادة أن تنتظروا مني " بعد ذلك " أن أكون فتاة متواضعة حسنة التربية شريفة ، تتفق مع أمانيه التعسة ، في سلامة خلقية متينة " ؟
الأب : إن مأساتي يا سادة تتلخص في هذا الشيء بالذات .... إن مأساتي في الإحساس بأني ، وبأن كلاً منا يرى ويعتقد أنه واحد فقط ، ولكن هذا ليس صحيحاً .. إن كل واحد منا له شخصيات متعددة ..!! نعم " شخصيات متعدد " بعدد الإمكانيات التي تكمن فينا : فبالنسبة للبعض يكون كل منا شخصاً واحداً ، وبالنسبة للآخرين يكون شخصاً آخر يختلف عن ذلك تماماً .. ونحن دائماً نتوهم أننا شخص واحد بالنسبة للجميع ... وهذا الشخص دائما لا يتغير .... إننا نعتقد أن هذا الشخص يظل كما هو عندما يفعل أي شيء ، ولكن هذا ليس صحيحاً على الإطلاق ! ومن الممكن أن نرى ذلك في غاية الوضوح ، عندما نتلبس لسوء الحظ بجريرة أدت بنا إليها ظروف سيئة ، فنجد أنفسنا كأننا لم نكن هناك بكليتنا عندما فعلنا ذلك .. وأنه من الظلم والقسوة أن يصدر علينا الحكم على ما فعلناه في هذه اللحظة فقط .... أن نبقى معلقين هكذا طوال العمر ... كأن حياتنا قد تلخصت في هذا الخطأ وحده .. والآن هل تفهمون غدر هذه الفتاة ؟ لقد فاجأتني في مكان كان لا يجب أن أوجد فيه ... وفاجأتني أفعل شيئاً كان من الواجب ألا أفعله معها على الإطلاق.. لقد كشفت في شخصيتي جانباً كان لا يجب أن يوجد بالنسبة لها .. وهي الآن تحاول أن تربطني بحقيقة لم أتوقع يوما ما ، أن تكون لها صلة بها .... تلك الحقيقة التي تكمن في لحظة خاطفة مخزية من لحظات حياتي .. وهذا أيها السادة ما أشعر به أكثر مما عداه ـ وكما ترى أن المأساة تعتبر ذات قيمة عظمى من هذه الناحية ـ والآن إليك موقف الآخرين ( يشير إلى الابن ) .
الابن : ( يهز كتفيه باحتقار) : دعني فليس لي شأن بذلك .
الأب : ماذا تعني أن ليس لك شأن بذلك ؟!
الابن : ليس لي شأن ولا أريد أن يكون لي به شأن .. لأنك تعلم جيداً أني لم أوجد لأظهر معكم .
ابنة الزوجة : نحن غوغاء ، نحن .. أما هو فمن طبقة أخرى ، ولكن ربما لاحظت أني أرمقه بنظرة احتقار مهينة من آن لآخر فيخفض عينيه ولا يجرؤ على النظر إليّ ، لأنه يعلم جيدا مدى الأذى الذي ألحقه بي .
الابن : ( وهو لا يكاد ينظر إليها ) : أنا ؟!
ابنة الزوجة : نعم أنت ... أنت ... إني أدين لك بهذا التجول في الطرقات ... لك أنت ، هل تجاهلتنا أم لم تتجاهلنا بالطريقة التي كنت تتصرف بها ؟ ولن أقول مودتك في منزلك إنك تجاهلت حتى مجرد الضيافة التي تشعر الضيوف بالراحة .. لقد كنا غزاة أتوا ليزعجوا مملكتك " الشرعية " ياسيدي كنت أريدك أن تشهد بعينك بعض المواقف الصغيرة بيني وبينه .. إنه يقول : إني كنت أسيطر على الجميع " ياله من ادعاء " إن الطريقة التي تصرف بها معي هي التي ألجأتني لذلك .. فحاولت أن أستفيد مما يُطلق عليه هو سفالة .. ورحت أستغل سبب التجائي إلى منزله أنا وأمي التي هي أمه أيضاً ، فكيف أفرض سيطرتي؟
الابن : ( يتقدم ببطء إلى الأمام ) : إنهم جميعاً يتقنون أدوارهم ... فدورهم سهل .. كلهم ضدي ، ولكن تصور موقف ابن يحدث له في ذات يوم بينما يجلس هادئاً في بيته تدخل عليه فتاة جريئة ، وفي نظرة شامخة تسأل عن أبيه .. فلم يعرف بم يجيبها ، وبعد ذلك يراها تعود بالجرأة نفسها وتصحب معها تلك الفتاة الصغيرة ، ثم تعامل الأب بطريقة خاصة وغامضة فيها جرأة " من يدري لِمَ " وتطلب منه نقوداً بلهجة تجعلك تتأكد في الحال أن لابد وأن يعطيها ما تريد لأنه ملزم بأن يفعل ذلك .

الأب : لقد كنت ملزماً بأن أفعل ذلك كان هذا ديناً عليَّ لأمك .
الابن : كيف لي أن أعرف ؟ وهل كنت قد رأيتها من قبل ياسيدي ؟ ومتى كنت قد سمعت عنها ؟ ثم رأيتها في أحد الأيام مع ابنتها هذه .
( يشير إلى ابنة الزوجة ) : ومعها هذا الصبي والطفلة الصغيران .. ويقولون لي : " هذه هي أمك أيضاً هل تعرف ذلك ؟ ... ثم بدأت أفهم رويداً رويدا رويداً .. وذلك للطريقة التي كانت تتصرف بها ( يشير من جديد إلى ابنة الزوجة ) : لأي سبب جاءوا ليحتلوا المنزل هكذا فجأة دون سابق إنذار ... أما ما شاهدته وما شعرت به فلا يمكنني ولا أرغب في أن أفصح عنه .. ولم أكن حتى أريد أن أحدث نفسي به .. بل لم أكن أقدر على ذلك .. ولهذا لا تأملوا أن أقوم بأي شيء في هذا الموضوع .. صدقني، صدقني ياسيدي إني شخصية غير مكتملة في هذه المأساة .. وأشعر بضيق شديد في صحبتهم ، ولهذا أتركي وشأني.
الأب : كيف ؟ معذرة .. إنه نتيجة لطباعك هذه .
الابن : ( بغضب شديد ) : ماذا تعرف عن طباعي ؟ ماذا تعرف عني ؟ منذ متى بدأت تهتم بي ؟ .
الأب : موافق .. موافق، ولكن أليس هذا موقفاً غريباً منك وقسوة بالنسبة لي ولأمك ؟.. أمك التي عادت إلى بيتها لتراك للمرة الأولى وكنت قد كبرت حتى إنها لم تعرف أنك ابنها .
( يشير إلى الأم ويوجه كلامه إلى المخرج ) : انظر إليها ياسيدي المخرج ، إنها تبكي .
ابنة الزوجة : ( بغضب ) : إنها حمقاء .
الأب : إنها لا تطيقه .
( يشير إلى ابنة الزوجة ويعود إلى الحديث عن الابن )
يقول لا علاقة له بكل ذلك ، بينما هو في الواقع محور الحركة .. أنظر إلى هذا الولد الصغير، كيف يتعلق بأمه طوال الوقت خائفاً جزعاً .. وهو السبب في ذلك ، ربما كان موقفه أكثر المواقف إيلاماً ، أكثر إيلاماً من أي واحد منهم لأنه يشعر بأنه غريب عن أهل البيت أكثر من الآخرين .. ولذلك فإن الطفل المسكين يشعر بامتهان لا لتجائه إلى منزل من باب الشفقة ..
( بثقة ) انه يشبه أباه تماماً ، متواضع ، صامت لا يتفوه بكلمة ..
المخرج : لا أعتقد أن فكرة اشتراك الطفل في المسرحية ستكون فكرة ناجحة ، فأنت تعرف مدى الإزعاج الذي يسببه الأطفال على المسرح .
الأب : ولكنه لن يبقى على المسرح طويلاً .. فهو في الواقع يختفي في الحال ... والفتاة الصغيرة كذلك ، لا في الحقيقة هي التي تختفي أولاً.
المخرج : هذا عظيم جداً .. أؤكد لك أن كل هذا يعجبني جداً جداً ـ إني ألمح بوادر مسرحية رائعة .
ابنة الزوجة : ( تحاول أن تتدخل ) : وخاصة بشخصية مثلي ..
الأب : ( يدفعها جانباً في غضب محاولاً أن يستمع إلى قرار المخرج ):
المخرج : اسكتي أنتِ . ( مستمراً متغاضياً عن هذه المقاطعة ) : جديدة .. نعم إنها مسرحية جديدة .
الأب : جديدة للغاية ياسيدي .
المخرج : ومع ذلك فإن المسألة تحتاج إلى شجاعة كبيرة لكي تأتي إلى هنا وتعرض فكرتك بهذه الطريقة .
الأب : لقد أدركت ياسيدي أننا ولدنا هكذا للمسرح ..
المخرج : هل أنتم ممثلون هواة ؟
الأب : كلا ، لقد قلت أننا ولدنا للمسرح لأننا ..
المخرج : أوه .. مهلا ، لا شك في أن لك خبرة طويلة في هذا المضمار.
الأب : لا ياسيدي .. إني أمثل كما يجب أن يمثل أي إنسان دوره الذي يجب أن يمثله .. أو بمعنى آخر الدور الذي فرضه عليه الآخرون في هذه الحياة .. ثم ترى فيّ العاطفة التي تتحول من تلقاء نفسها كما هو حال الجميع إلى شيء مسرحي بمجرد اندفاعها .
المخرج : أوه .. وهو كذلك .. ولكنك تعرف يا عزيزي أنه بدون مؤلف .. إني أستطيع أن أدلك على من يمكنه ...
الأب : كلا ... أرجوك .. ليكن هذا الشخص هو أنت ...
المخرج : ماذا تقول ؟ أنا ؟!
الأب : نعم أنت .. أنت .. ولم لا ؟
المخرج : لأني لم أعمل كمؤلف في حياتي على الإطلاق .
الأب : لم لا تجرب الآن .. فلا ينقصك شيء .. كثيرون يفعلون ذلك ... إن مهمتك سهلة للغاية لأننا كلنا موجودون أحياء أمامك .
المخرج : هذا لا يكفي ...
الأب : وكيف لا يكفي ؟ وأنت ترانا جميعاً نعيش مأساتنا ..
المخرج : صحيح .. وبالرغم من ذلك ؛ فما زلنا في حاجة إلى من يكتب المسرحية .
الأب : لا ، كلف أحدهم بتسجيلها ، بينما نقوم نحن بتمثيلها بالفعل مشهداً مشهداً ويكفي أن تكتب لها مسودة .
المخرج : ( يعتلي خشبة المسرح بعد أن أغراه الحديث ) : آه لقد نجحت تقريبا في إغرائي .. فعلى سبيل اللعب قد تتحقق التجربة .
الأب : هو ذلك ياسيدي .. وسترى عندئذ أن المشاهد ستظهر ، وأستطيع أن أدلك عليها أنا .
المخرج : إنك تغريني .. إنك تغريني ، دعنا نتدبر الأمر .. تعال إلى مكتبي .
( يستدير إلى الممثلين ) يمكنكم أن تستريحوا الآن ، ولكن لا تغادروا المسرح فإني أريدكم هنا جميعاً بعد ربع ساعة أو عشرين دقيقة .
( إلى الأب ) هيا بنا نحاول فربما أمكن أن نخرج من ذلك شيئا طريفاً .
الأب : دون شك .. ألا تعتقد أنه من الأفضل أن تجعلهم يأتون هم أيضاً معنا ؟.
( يشير إلى الشخصيات الأم والابن وابنة الزوجة )
المخرج : نعم ليأتوا .. ليأتوا .
( يهم بمغادرة المسرح ثم يستدير فجأة إلى الممثلين ) :
أوصيكم بأن تحافظوا على الموعد بعد ربع ساعة تماماً .
( يعبر المخرج خشبة المسرح ومعه " الشخصيات الست " ويختفون ـ الممثلون يظلون في أماكنهم ينظر كل منهم إلى الآخر وكأنهم في دهشة).

الممثل الأول : هو هو جاد في قوله ؟ … ماذا يريد أن يفعل ؟
الممثل الشاب : هذا جنون … جنون أكيد ..
ممثل ثالث : هل يعتقد أن في الإمكان أن نمثل مسرحية هكذا ونحن على قدمينا .
الممثل الأول : نعم كالممثلين في الكوميديات ، زمن أرباب الحرف والفنون .
الممثلة الأولى : إذا كان يعتقد أني سأشترك في مثل هذا الهزل وهذه السخافات .. فهو ….
ممثل آخر : ولن أبقى أنا أيضاً .
ممثل رابع : أريد أن عرف من هم هؤلاء ؟ ( يشير بكلامه إلى الشخصيات الست ).
الممثل الثالث : من تعتقد ؟ مجانين أو أفاقين .
الممثل الشاب : ومع ذلك فإنه يوليهم عناية كبيرة .
الممثلة الشابة : غرور ركبه لأن يصبح مؤلفاً مسرحياً .
الممثل الأول : هذا شيء لم أسمع به من قبل .. إذا وصل الحال بالمسرح ياحضرات السادة إلى هذه الدرجة ..
ممثل خامس : في الواقع إني استمتع بما يحدث الآن ..
ممثل ثالث : هه ..! سوف ترى ما يتمخض عنه كل ذلك .
( ويستمر الحوار بين الممثلين على هذا النحو بينما يخلون المسرح ، بعضهم عن طريق الباب الخفي ، والبعض الآخر يخرج من ناحية حجرة الملابس .. الستار يظل مرتفعاً كما هو ).
( يتوقف التمثيل لمدة عشرين دقيقة .. تعلن أجراس المسرح عودة التمثيل ، ويعود الممثلون إلى خشبة المسرح ومهندس الديكور وعمال المسرح وعامل الملابس والملقن .. بعضهم من حجرات الملابس والبعض الآخر من الباب الخلفي والبعض من الصالة نفسها .. وفي الوقت نفسه يدخل المخرج تتبعه الشخصيات الست ، وتطفأ أنوار الصالة وتعود إلى خشبة المسرح الأضواء نفسها التي كانت موجودة ومن قبل.)

المخرج : والآن هيا بنا أيها السادة .. هل الجميع حاضرون ؟ انتبهوا إليّ … انتبهوا سنبدأ .
( ينادي الكهربائي )
الكهربائي : هاأنذا .
المخرج : أعد حجرة الجلوس في الحال، ويكفي جانبان من الحجرة وباب في مؤخرتها .. حالا … أرجوك ..

( يهرع الكهربائي في الحال لينفذ الأوامر .. وبينما يتفاهم المدير مع مهندس الديكور وعامل الملابس والملقن ، ومع الممثلين على التمثيلية الأصلية ، يعد منظر الحجرة إلتي أشار بها : جانبا الحجرة والضلع الثالث به باب لونه أحمر وبه خطوط ذهبية .)

المخرج : ( لعامل الملابس ) : ألدينا أريكة في المخزن ؟
عامل الملابس : نعم ياسيدي لدينا تلك الأريكة الخضراء .
ابنة الزوجة : كلا .. كلا أخضر.. كانت صفراء مشجرة ولها وبرة كبيرة جداً .. ومريحة للغاية .
عامل الملابس : ليس لدينا شيء من هذا النوع .
المخرج : لايهم .. هاتِ ما عندك .
ابنة الزوجة : كيف لايهم ؟ أريكة مدام باتشي الشهيرة ..
المخرج : إننا نريد الأريكة الآن للتجربة فقط .. أرجوك ألا تتدخلي في شئوني .
( إلى مدير المناظر) حاول أن تجد نافذة للعرض طويلة نوعاً ومنخفضة .
ابنة الزوجة : ومنضدة صغيرة .. منضدة من خشب الزان للمظروف الأزرق .
مهندس الديكور : ( للمدير) : توجد المنضدة الصغيرة المذهبة .
المخرج : لا بأس .. أحضرها .
الأب : وتسريحة " منضدة للزينة "
ابنة الزوجة : والحاجز أرجو ألا تنسوا الحاجز " البارافان " وإلا فماذا أفعل ؟
مهندس الديكور : اطمئني يا آنسة فلدينا أكوام منها .
المخرج : ( لابنة الزوجة ) : وبعض المشاجب للملابس .. أليس كذلك ؟
ابنة الزوجة : نعم .. نعم مشاجب كثيرة .. مشاجب كثيرة .
المخرج : ( لمهندس الديكور): أنظر كم لدينا منها وأحضرها .
مهندس الديكور : وهو كذلك .. سأذهب بنفسي ..
( يهرول مهندس الديكور هو أيضاً لإنجاز ما يريد المخرج ، وفي الوقت نفسه يتابع المخرج حديثه مع الملقن ومع الشخصيات ومع الممثلين .. يأمر عمال المسرح بإحضار الأثاث المطلوب ، ثم يستمر في ترتيبه بالطريقة الأنسب ) .
المخرج : ( للملقن ) : والآن خذ مكانك .. هذه مسودات المسرحية .. فصلاً بفصل ( يعطيه بعض الأوراق ) فلتتعب معنا .
الملقن : أأكتبها بالاختزال ؟
المخرج : ( مندهشاً باغتباط ) : أوه حسناً .. أتكتب بالاختزال ؟
الملقن : قد لا أجيد التلقين الآن .. أما الاختزال فأجيده .
المخرج : هذا أفضل بكثير .
( إلى أحد عمال المسرح ) : أذهب إلى غرفتي ، وأحضر كمية كبيرة من الأوراق ، كل ما تجده منها .
( يهرول عامل المسرح ثم يعود بعد قليل حاملا كمية كبيرة من الأوراق ويقدمها للملقن ) .

المخرج : ( متابعاً الحديث للملقن ) : تتبع المسرحية بدقة أثناء تمثيلها خطوة خطوة .. وحاول أن تحدد الوقفات أو على الأقل أهملها .
( ثم يلتفت إلى الممثلين ) : أخلوا المسرح من فضلكم .. نعم قفوا في هذا الجانب .
( يثير إلى الجهة اليسرى من المسرح ) : والآن انتبهوا جيداً .
الممثلة الأولى : معذرة …. نحن
المخرج : ( مدركا ما ستقوله ) : اطمئني .. فلن تضطري إلى الارتجال .
الممثل الأول : ماذا نفعل إذن ؟
المخرج : لاشيء .. راقبوا ما يحدث وسوف يحصل كل منكم بعد ذلك على دوره مكتوباً .. والآن نقوم بإجراء التجربة (البروفة) ويقومون هم بها .
( يشير إلى الشخصيات الست ) .
الأب : ( وكأنه سقط من السماء وسط الهرج على المسرح ) : نحن .. ولكن كيف تقول إنها مجرد تجربة ؟
المخرج : إنها تجربة .. تجربة لهم ( يشير إلى الممثلين ).
الأب : ولكن إذا كنا نحن الشخصيات ..
المخرج : حسنا .. " الشخصيات " ولكن هنا ياسيدي الفاضل ليس الشخصيات هي التي تمثل بل هم الممثلون الذين يؤدون الأدوار ، أما الشخصيات فتبقى هناك في سطور المسرحية ( يشير إلى الملقن ) هذا بعد الحصول على نسخة مكتوبة .
الأب : ومادام ليست هناك نسخة للمسرحية .. ولديك لحسن الحظن الشخصيات بدمها ولحمها ..
المخرج : أوه .. حسناً هل تريد أن تفعل كل شيء بنفسك ؟ تمثل وتخرج وتظهر أمام الجمهور ؟
الأب : نظهر كما نحن .
المخرج : أوه .. أؤكد لك أنك ستقوم بدور رائع .
الممثل الأول : وما فائدتنا إذن نحن الممثلين ؟
المخرج : لا أظنهم يعرفون التمثيل .. إنهم يضحكون .
( يضحك الممثلون ).
أنظر هاهم يضحكون .. ولكن لنعد إلى الموضوع .. يجب توزيع الأدوار والمسألة سهلة لأن الأدوار موزعة من نفسها .
( للممثلة الثانية ) أنتِ يا سيدتي لك دور الأم ..
( موجها كلامه للأب ) وعليك أن أن تجد لها أسما .
الأب : آماليا ياسيدي .
المخرج : ولكن هذا اسم زوجتك .. هل نطلق عليها اسمها الحقيقي ؟
الأب : ولما لا ؟ إذا كان هذا هو اسمها فعلاً .. ولكن إذا كانت ممثلة الفرقة هذه هي التي ستقوم بتمثيل الدور ( يشير بيده إلى الممثلة الثانية ): إني أرى أن هذه ( يشير إلى الأم ) : في دور آماليا ياسيدي ، ولكن أفعل ما تشاء .
( يزداد ارتباكه ) : لا أعرف ما ذا أقول لك ، إني بدأت فعلاً .. لا أعرف كيف أعبر عن ذلك .. إني بدأت اسمع كلماتي تبدو زائفة .. كان لها صدى آخر ..
المخرج : لا تبالِ .. لا تبالِ بكل ذلك .. اطمئن لكل شيء.. سنرى كيف
نحصل على ماهو مناسب .. أما الاسم فإذا أردت أن يكون اسمها آماليا فليكن آماليا أو نبحث عن اسم آخر ... ولكن الآن فقط سنميز الشخصيات على هذا النحو .
( إلى الممثل الأول ) أن الابن .
( إلى الممثلة الثانية ) وأنتِ طبعاً ستقومين بدور ابنة الزوجة .
ابنة الزوجة : (منفعلة ) : ماذا .. ماذا ؟ أنا أكون هذه ؟
( تنفجر ضاحكة )
المخرج : ( متضايقا ) : ماذا يضحكك ؟
الممثلة الأولى : ( مستاءة ) لم يجرؤ أحد على أن يضحك مني .. حتى الآن .. إما أن أعامل باحترام أو أغادر هذا المكان .
ابنة الزوجة : المعذرة إني لا اضحك منك .
المخرج : يجب أن تشعري بالفخر لأنها ستقوم بدورك .
الممثلة الأولى : ( في الحال وباحتقار شديد ) هذه ..
ابنة الزوجة : لم أقصدها صدقني .. كنت أقصد نفسي حيث لا أراني في الواقع ممثلة فيها .. هذا ما كنت أقصد .. لست أدري فهي لا تشبهني في أي شيء .
الأب : هذا صحيح ، إن كل ما نعبر عنه ...
المخرج : ماذا تفصد كل ما تعبرون عنه .. أتعتقد أن فيكم أي تعبير .. لا شيء في الواقع .
الأب : كيف ؟ ألا تكمن فينا الأشياء التي نعبر عنها ؟
المخرج : لا شيء في الواقع ، والأشياء التي نعبر عنها تصبح مادة للممثلين الذين يضفون عليها الجسد والشكل والصوت والحركة ، واسمح لي أن أقول لك : إن الممثلين هنا سبق أن مثلوا وعبروا عن مادة أعزر من مادتك .. إن مادتك في غاية التفاهة .. صدقني ، وإذا نجحت على المسرح فإن الفضل كله سيكون للمثلين .
الأب : إني لا أجرؤ على معارضتك .. ولكن أرجوك أن تصدقني عندما أقول لك إننا نحن الذين نمتلك هذه الأجسام .. وهذه الملامح ، نحن كما ترانا الآن ، نقاسى ببشاعة .
المخرج : ( مقاطعا بعد أن نفد صبره ) : ولكننا سنعالجها بالحيلة ياسيدي العزيز .. هذا فيما يتعلق بالملامح .
الأب : ربما ، ولكن ماذا عن الأصوات والحركات ..؟
المخرج : والآن استمع إلي .. أنت كما أنت هكذا ليس لك وجود .. هنا ممثل يقوم بتمثيلك وكفى .

الأب : لقد فهمت ياسيدي .. لقد أدركت الآن لماذا لم يشأ مؤلفنا أن ينقلنا إلى المسرح .. لأنه رآنا كما نحن هكذا .. أحياء .. أنظر إلينا ككائنات حية .. إني لا أريد أن أسيء إلى ممثليك .. ألله يعلم أني لا أريد ذلك .. ولكني أعتقد أني عندما أجد نفسي أمثّل الآن ، لا أدري بمن ...
الممثل ألأول : ( ينهض مع بعض الآخرين ويتوجهون إليه يتبعهم الممثلات الشابات ضاحكات ) : أنا الذي سأمثلك إذا لم يكن لديك اعتراض على ذلك .
الأب : ( بتواضع وخضوع ) : هذا يشرفني ياسيدي ولكن .. أظن أن السيد مهما يضع إرداته وفنه لكي يتقمصني ...
( يعتريه الاضطراب ) .
الممثل الأول : استمر .. أستمر ( ضحكات من الممثلات ) .
الأب : أريد أن أقول إن الدور الذي سيؤديه الممثل حتى إذا أعدَّ نفسه لكي يصبح ممثلي إلى أقصى حد ممكن .. أريد أن أقول إن منظره بهذه القامة لايمكن إلا بصعوبة أن يمثلني كما أنا في الحقيقة ، بل يكون بصرف النظر عن الملامح كأنه يفسرني كما أنا أو كما يشعر هو بأني أكون إذا كان يشعر بي .. ولكنه لن يراني كما أشعر أنا بنفسي من داخل نفسي .. ويبدو لي أن من يُدْعَى للحكم علينا .. يجب أن يضع ذلك في حسابه .
المخرج : إذن أنت تفكر الآن فيما يقوله النقاد ؟ وأنا مازلت أحاول أن أتفهم المسرحية ، دع النقد يقول ما يشاء .. الأفضل أن نحاول إتمام المسرحية ... إذا أمكننا ذلك .
( يخرج من بين مجموعة الممثلين وينظر حوله )
والآن هيا بنا ... هل أعد المنظر ؟
( للمثلين والشخصيات ) هيا بنا ـ أفسحوا المجال ، أفسحوا المجال أريد أن أرى .
( ينزل من على خشبة المسرح ) : لا أريد أن نضيع الوقت .
( إلى ابنة الزوجة ) أتعتقدين أن المنظر يبدو ملائما على هذا النحو ؟
ابنة الزوجة : في الحق أني لا آلف هذا المنظر على الإطلاق .
المخرج : يا إلهي .. هل تتخيلين أننا يمكننا أن نبني هنا على المسرح نفس غرفة مدام " باتشي " التي تعرفينها ؟
( موجها كلامه للأب ) : لقد قلت لي من قبل إن الجدران كانت مغطاه بأوراق مزخرفة برسوم أزهار أليس كذلك ؟
الأب : نعم بيضاء ..
المخرج : بأزهار أم مخططة ؟ ما أهمية ذلك؟ أما فيما يختص بالأثاث لدينا في القليل أو الكثير ما نحتاجه .. أزح هذه المنضدة قليلا إلى تلك الناحية .. ( عمال المسرح ينفذون )
( موجهاً كلامه إلى عامل الملابس ) وأرجو أن تحضر مظروفا ، وليكن أزرق إن أمكن وتعطيه له . ( يشير إلى الأب )
ورسائل أيضا
عامل الملابس : ورسائل أيضا .
المخرج : رسائل ... رسائل .
عامل الملابس : في الحال ياسيدي . ( يخرج )
المخرج : هيا .. هيا المشهد الأول للآنسة .
(الممثلة الأولى تتقدم )
المخرج : لا.. لا .. انتظري أنتِ .. قلت الآنسة ( يشير إلى ابنة الزوجة ) انتظري أنتِ وراقبي .
ابنة الزوجة : ( ترد على الحديث في الحال ) : كيف أحيا الدور ؟
الممثلة الأولى : ( بغضب ) : سأعرف أن أعيشه أنا أيضا ـ بمجرد اندماجي فيه .. لا عليك .
المخرج : ( بعصبية ) : يا سادة كفى ثرثرة .. والآن المنظر الأول بين الآنسة ومدام باتشي .. أوه ...
( يصرخ وينظر حوله في يأس ثم يعود إلى خشبة المسرح ) : وأين مدام باتشي هذه ؟


الأب : إنها ليست معنا ياسيدي .
المخرج : وماذا نفعل ؟
الأب : مازالت تعيش ـ إنها تعيش هي أيضا ..
المخرج : حسنا .. ولكن أين هي ؟
الأب : اسمح لي بكلمة ...
( يستدير إلى الممثلات ) : أتسمحون سيداتي أن تعيروني قبعاتكم لحظة .
الممثلات : ( في صوت واحد بين الدهشة والضحك ) : ماذا ؟ القبات ؟ لِمَ .. ماذا يقول ؟!! أنظروا ؟!!
المخرج : ما لذي تنوي أن تفعله بقبعات السيدات ؟
( الممثلون يضحكون )
الأب : لا شيء .. أريد أن أضعها فوق هذه المشاجب .. ولتتكرم إحدى السيدات وتخلع معطفها كذلك .
الممثلون : ( في صوت واحد ) : المعاطف أيضا ؟ ثم بعد.. لا بد أنه معتوه ..
بعض الممثلات : ولكن لماذا ؟ المعاطف فقط ؟
الأب : لكي أضعها على المشاجب .. دقيقة واحدة فقط .. أرجو أن تسدوا لي هذه الخدمة .. أتسمحون ؟
الممثلات : ( الممثلات يخلعن القبعات وبعضهن يخلعن أيضاً المعاطف .. وهن يواصلن الضحك .. ويتجهن لتعليقها هنا وهناك على المشاجب ): ولم لا .. هاهي ... هذا حقاً شيء مضحك .. هل نرتديها لنستعرض الأزياء .
الأب : بالضبط ترتدونها في استعراض للأزياء .
المخرج : هل تسمح لي بأن أعرف ما الذي تريد أن تفعله بعرضها ؟
الأب : نعم .. إذا رتبنا المسرح بطريقة أفضل من ذلك .. فمن يعرف ربما تجذبها معروضات تجارتها إلى الظهور بيننا .
( يدعوهم إلى إلقاء نظرة من باب المسرح الخلفي )
أنظروا ...
( يفتح الباب الخفي وترى " مدام باتشي " على بعد خطوات تنوء تحت حمل ثقيل من البدانة ـ تضع شعراً مستعاراً لونه أصفر وقد زينته وردة حمراء على أحد الجوانب على الطريقة الأسبانية .. تكاد تخفي وجهها المساحيق .. ترتدي في أناقة منفرة ثوباً من الحرير الأحمر في تظاهر واضح ... وبيدها مروحة من الريش واليد الأخرى ترتفع بسيجارة مشتعلة بين إصبعيها ..وبمجرد ظهورها يولي المخرج والممثلون الأدبار عن خشبة المسرح لتنطلق من حناجرهم صيحة فزع متجهين نحو درجات السلم هاربين في الممررات ، ولكن ابنة الزوجة تتقدم نحو مدام باتشي في خضوع كما لو كانت تتقدم من رئيستها ..).
ابنة الزوجة : ( مندفعة إليها ) : هاهي ... هاهي ..
الأب : ( متهللا ) : إنها هي ألم أقل لكم .. هاهي .
المخرج : ( بعد أن تغلب على دهشته وقد شعر أنه استهزأ به ) :
ما هذه الأ لاعيب ؟
الممثل الأول : أين نحن .. ما هذا ؟
الممثل الشاب : من أين جاءت هذه المخلوقة ؟
الممثلة الشابة : كانوا يخفونها في أكمامهم .
الممثلة الأولى : هذه ألاعيب حواة .. ( الأربعة يقولون هذه الاحتجاجات في صوت واحد تقريبا ).
الأب : ( في صوت مرتفع يطغي على أصوات الاحتجاجات ) :
أرجو المعذرة ..ولكن لماذا تريدون أن تفسدوا خلف ستار من حقيقة رخيصة في الواقع هذه المعجزة التي ولدت ونشأت وانجذبت بنفس المشهد الذي نحيا فه .. وهي حقيقة لها حق الحياة هنا أكثر منكم .. لأنها أكثر حقيقة منكم .. من منكم أيها الممثلات يمكنها أن تتقمص دور مدام باتشي ؟ حسناً .. هاهي مدام باتشي .. سلموا معي بأن الممثلة التي ستتقمص دورها ستكون أقل حقيقة من هذه التي ترونها هي نفسها بدمها ولحمها .. أنظروا .. لقد تَعَرّفَتْ عليها ابنتي واندفعت نحوها على الفور .. والآن قفوا وشاهدوا هذا المنظر.
( هنا يعود المخرج والممثلون للمسرح من جديد .. ويبدأ المشهد بالفعل بين ابنة الزوجة ومدام باتشي أثناء احتجاج الممثلين ورد الأب عليهم .. يبدأ المشهد في همس وهدوء بطريقة لا تصلح للمسرح .. وعندما يطيع الممثلون كلام الأب بمشاهدة ما سيحدث ، يلاحظون أن مدام باتشي قد وضعت بالفعل يدها أسفل ذقن ابنة الزوجة لترفع رأسها إليها وبدأت في الكلام معها ـ وعندما يسمعون كلامها يؤخذون لحظة ، ثم تنتابهم الحيرة ).
المخرج : وماذا ؟
الممثل الأول : ولكن ماذا تقول ؟
الممثلة الأولى : بهذه الطريقة لا تستطيع أن تسمع شيئا .
الممثل الشاب : ارفعي صوتك .. ارفعي صوتك .
ابنة الزوجة : ( تترك مدام باتشي التي تضحك بطريقة رخيصة وتتقدم إلى جمهرة الممثلين ) : ارفعي صوتك ... ماذا تعني بـ ارفعي صوتك ..؟ إن حديثنا ليس من المسائل التي تقال بصوت عال ... لقد تحادثت عنه .. بصوت عال من قبل بقصد إخجاله .
( تشير إلى الأب ) لي أنتقم منه ... ولكن هذا شيء آخر ، أما بالنسبة لمدام باتشي أيها السادة فذلك معناه السجن .
المخرج : حقاً .. أهو كذلك ؟ ولكن هنا يجب أن نصل إلى الأسماع يا عزيزتي .. لم نتمكن أن نسمع نحن وكنا نقف على خشبة المسرح .. فتخيلي كيف يكون الأمر حينما يحضر الجمهور إلى المسرح ـ يجب أن نقوم بالمشهد .. وفضلا عن ذلك يمكنكما أن تتكلما بصوت عال فيما بينكما .. لأننا لن نكون موجودين كما هو الحال الآن لنسمع ما يجري بينكما : فإنما تتظاهران بأنكما وحدكما في حجرة عند مدام باتشي حيث لا يسمعكما أحد .
( ابنة الزوجة تحرك إصبعها في رشاقة وعلى وجهها ابتسامة خبيثة علامة الرفض ).
المخرج : وكيف لا ؟
ابنة الزوجة : ( في همس غريب ) : هناك شخص يسمعنا ياسيدي إذا تكلمت هي بصوت مرتفع .
( تشير إلى مدام باتشي ).

المخرج : ( في غضب تام ) : ربما تقصدين أن شخصاً آخر سيطلع علينا ؟
( يبدأ الممثلون في الحركة كأنهم يهمون بترك المسرح مرة أخرى ).
الأب : لا .. لا يا سيدي .. إنها تقصدني أنا .. يجب أن أكون أنا منتظراً خلف هذا الباب .. ومدام باتشي تعرف ذلك .. وعلى ذلك فاسمحوا لي .. سأذهب حتى أكون على استعداد .


المخرج : ( يوقفه ) : لكن لا .. انتظر لحظة .. هنا يجب أن تحترم تقاليد المسرح قبل أن تستعد .
ابنة الزوجة : ( مقاطعه ) : بل نعم .. دعنا نبدأ هذا المنظر حالاً .. حالا فإني أتحرق شوقاً لكي أعيش هذا الدور .. ولكي أرى هذا المشهد .. إذا أراد أن يبدأ في الحال فأنا على استعداد ..
المخرج : ( صارخا ) : ولكن قبل كل شيء يجب أن يتضح الموقف بينك وبين هذه .
( يشير إلى مدام باتشي ) : .. هل تفهمين ذلك ؟
ابنة الزوجة : أوه .. يا إلهي ، لقد قالت لي مدام باتشي ما تعرفون .. إن صناعة أمي كانت سيئة من جديد .. وكان الثوب رديء الحياكة ..وإني يجب أن أصبر كثيراً حتى تساعدني على تقويم ما انتابني من سوء الحظ.
مدام باتشي : ( تتقدم وحولها هالة من الأهمية، تقول بلهجة غير سليمة ) : نعم ياسيدي لماذا لا تريد أن أكسب أنا .( تقال في لكنة أجنبية ).
المخرج : ( في لهجة يشوبها أكثر من الخوف ) : ماذا .. ماذا ؟ لماذا تتكلم على هذا النحو ؟
( الممثلون ينفجرون ضاحكين بصوت عال )
ابنة الزوجة : ( تضحك هي أيضا ) : إنها تتكلم بلهجة نصفها أسباني ونصفها إيطالي .. بطريقة مضحكة للغاية .
مدام باتشي : لكنة أجنبية ؟!.. هذه ليست تربية .. أنتم تضحكون علي .. أنا أتعب نفسي كي أكلمكم ياسيدي .
المخرج : لا بالعكس تكلمي بطريقتك يا سيدتي .. إن ذلك سيثير إعجاب المتفرجين جميعاً .. وهذا أقصى ما نتمناه .. لكنتك ستؤدي إلى التخفيف من حدة هذا الموقف الجاف .. تكلمي بطريقتك إن هذا في منتهى الروعة .
ابنة الزوجة : عظيم .. ولم لا .. حينما تستمع إلى طلباته بمثل هذه اللهجة .. فلا شك في أن التأثير سيكون عظيماً .. لأن الأمر كله سيبدو مزاحاً ياسيدي .. وهنا ستضحك عند ما تسمع أن سيداً عجوزاً يريد أن يقضي وقتاً جميلاً .. أليس كذلك يا مدام ؟
مدام باتشي : ليس عجوزاً .. فإذا كنتِ لا ترتاحين له فإنه يعلمك ..
الأم : ( الممثلون منهمكون في تتبع الموقف وكانوا قد صرفوا النظر عن الأم ، ولكنهم يحملقون فيها بعد أن تنهض واقفة وتصرخ مهاجمة مدام باتشي .. يسرع الممثلون ليمنعوها لأنها كانت قد انتزعت شعر مدام باتشي المستعار وطرحته أرضاً ).
الأم : مشعوذة .. مشعوذة .. قاتلة .. ابنتي .
ابنة الزوجة : ( تسرع لتهدىء من ثائرة أمها ) : لا .. لا .. أمي لا .. أرجوكِ .
الأب : ( يندفع هو ايضاً في نفس الوقت ) : اهدئي يا عزيزتي اهدئي الآن .. اجلسي .
الأم : ابعدوا هذه المرأة من أمامي إذن .
ابنة الزوجة: ( للمخرج الذي تقدم هو ايضاً في سرعة ) : مستحيل .. مستحيل على أمي أن تبقى هنا .
الأب : ( هو أيضا للمخرج ) : لا يمكن بقاء الاثنتين معاً .. ومن أجل ذلك ترى أن تلك لم تكن معنا عندما جئنا في أول الأمر .. لو جئنا معاً لكان في ذلك سبق للحوادث .
المخرج : لا يهم .. لا يهم .. كل هذا حتى الآن بمثابة تجربة .. سنحتاج لكل شيء .. حتى أستطيع أنا أن استخلص العناصر المهمة من كل هذا الخليط .
( يلتفت إلى الأم ويقودها إلى الجلوس من جديد في مكانها ) : تعالي .. تعالي يا سيدتي .. هدئي من روعك .. وتفضلي بالجلوس .
( في هذه الأثناء تتجه الابنة متقدمة إلى وسط المسرح من جديد .. متجهة إلى مدام باتشي ) .
ابنة الزوجة : هيا .. هيا إذن يا مدام .
مدام باتشي : ( مستاءة ) : أوه أشكركِ كثيرا .. لا أستطيع أن أفعل أي شيء طالما أن أمكِ موجودة هنا .
ابنة الزوجة : هيا .. هيا .. أدخلي السنيور العجوز الذي يريد أن يقضي وقتاً لطيفاً .
( تلتفت إلى الآخرين وتقول بلهجة آمرة ) :
نعم .. ينبغي أن يتم هذا المشهد .. يتم بدقة .. فهيا .. ( تلتفت إلى مدام باتشي ) : يمكنك أن تذهبي الآن عن هذا المكان .
مدام باتشي : آه .. إني ذاهبة .. بلا شك لا بد أن أمشي .
( تخرج في غضب .. وتعيد وضع الشعر المستعار وتنظر بفخر إلى الممثلين .. الذين يصفقون بتهكم .. ).

ابنة الزوجة : ( للأب ) : والآن ؛ أدخل أنت .. لا داعي لأن تدخل وتخرج مرة أخرى .. تعال هنا تظاهر بأنك دخلت .. ها أنا أقف هنا .. خافضة الرأس في خجل ـ أخرج صوتك وقل صباح الخير يا آنسة بتلك الطريقة الخاصة التي تعرفها كشخص دخل لتوِّه من الشارع .
المخرج : ( كان في هذه الأثناء قد نزل من على المسرح ) : يا لله ..! ولكن هل تقومين أنتِ بالإشراف على هذه المسرحية أم أشرف عليها أنا ؟.
( موجهاً كلامه إلى الأب الذي يبدو متردداً مضطرباً ) : نعم .. نفذ .. أذهب إلى هناك دون أن تخرج ثم عد مرة ثانية .
( الأب ينفذ مضطرباً شاحب الوجه جداً .. يبتسم عندما يتقدم من مؤخرة المسرح منهمكاً في حقيقة حياته التي تجددت .. يبتسم كأنه لا يعرف المأساة التي توشك أن تحدث له ـ يبدوا اهتمام الممثلين بالمشهد الذي سيبدأ ) .

المخرج : ( يهمس للملقن ) : وأنت انتبه لكي تبدأ في الكتابة الآن .

المنظــــــــــــر

الأب : ( يتقدم إلى الأمام .. ويقول في صوت مغاير) : صباح الخير يا آنسة .
ابنة الزوجة : ( خافضة الرأس .. تتكلم باحتقار وتحفظ ) : صباح الخير.
الأب : ( يتفحصها قليلاً من أخمص قدميها حتى يبلغ القبعة التي تخفي وجهها تقريباً .. عندما يرى أنها صغيرة السن جداً .. يصيح محدثاً نفسه محاولاً من ناحية أن يرضيها .. ومن ناحية أخرى ألا يزج بنفسه في مغامرة لا يؤمن جانبها ) : آه .. ولكني أقول .. هذه ليست المرة الأولى .. أليس كذلك ؟ المرة الأولى التي تأتي فيها إلى هنا .
ابنة الزوجة : ( بنفس الطريقة التي تكلمت بها من قبل ) : لا ياسيدي .
الأب : لقد جئت هنا عدة مرات من قبل إذن ؟
( تهز ابنة الزوجة رأسها علامة الإيجاب ) : أكثر من مرة ؟
الأب : ( ينتظر الإجابة قليلا ثم يعود إلى تفحصها من أخمص قدميها إلى القبعة .. ويبتسم ثم يقول ) : إذن هيا .. لا ينبغي أن تترددي .. أتسمحين لي بأن أخلق عنك قبعتك ؟
ابنة الزوجة : ( تمنعه من أن يفعل ذلك وتضطرب غير مستطيعة أن تخفي احتقارها ) : لا ياسيدي .. سأخلعها بنفسي .!!
( تخلع قبعتها ) .
( تتابع الأم المشهد مع ابنها ومع الصغيرين الآخرين اللذين يلتصقان على الدوام بها التصاقاً شديداً متجمعين في الناحية المواجهة للمثلين ـ تتابع الأم المشهد وهي متوترة الأعصاب تنتابها مشاعر مختلطة من الألم والاحتقار والقلق والفزع ـ تتابع حركات الابنة والأب .. ثم تقوم من آن لآخر بإخفاء وجهها براحة يدها وتتنهد ) .
الأم : رباه .. رباه ..!!
الأب : ( يستمر في مكانه فترة طويلة وقد حولته هذه الصرخة إلى قطعة من الحجر الأصم .. ثم يستمر متابعاً كلامه بنفس الطريقة ) :
هيا .. دعيني الآن آخذ قبعتك لأعلقها لك ( يأخذ القبعة من يدها ) : ولكن هذا الرأس الصغير الجميل يجب أن يرتدي قبعة أجمل من هذه بكثير ... ألا ترغبين أن تساعدينني على اختيار قبعة من بين قبعات المدام .. ألا تودين ؟
الممثلة الشابة : ( مقاطعة له ) : أوه لنأخذ حذرنا فالقبعات المعلقة هي قبعاتنا .
المخرج : ( بغضب شديد ) : أرجوك السكوت من فضلك ولا تحاولي الدعابة .. فنحن أمام هذا المشهد .
( يلتفت إلى ابنة الزوجة ) : استمري يا آنسة .
ابنة الزوجة : ( مستمرة في حديثها ) : لا .. شكراً ياسيدي ..
الأب : هيا لا تقولي لا .. قولي إنك قبلتِ ـ لكي ترضيني فقط .. لأني سأستاء جداً إذا رفضتِ .. وبذلك نرضي المدام أيضاً .. فهي تعرض القبعات لهذا الغرض .
ابنة الزوجة : ياسيدي أرجوك .. لا أستطيع حتى مجرد ارتداءها .
الأب : إنك تفكرين فيما سيقولونه لك عندما تدخلين المنزل .. وعلى رأسك قبعة جميلة جديدة .. أليس كذلك ؟ أتعرفين ماذا تقولين لهم في المنزل ؟
ابنة الزوجة : ( في ضيق فلم تستطع الاحتمال ) : لا ياسيدي ... ليس من أجل ذلك .. إني لا أستطيع أن أرتديها لأني .. كما ترى .. كان يجب أن تلاحظ ذلك من البداية ..!!!
( تشير إلى ثياب الحداد )
الأب : أنت محقة لأنك حزينة .. آسف .. حقيقة لقد أدركت ... أرجوكِ أن تقبلي عذري ، صدقيني إني في غاية الأسف .. صدقيني .
ابنة الزوجة : ( تبذل كل جهدها لكتمان ما تشعر به من قلق وغضب واحتقار) : كفى .. كفى ياسيدي .. يجب عليَّ حقاً أن أشكرك .. فليس هنا داع لأن تأسف هكذا وتحزن ... أرجوك ألا تفكر مرة أخرى فيما قلت .. وأنا أيضا كما تعرف ( تحاول أن تبتسم ): يجب أن أنسى أني أرتدي هذه الثياب .
المخرج : ( مقاطعاً ـ يصعد إلى المسرح ثم يوجه كلامه إلى الملقن ) : أنتظر .. أنتظر لا تكتب وتغاض عن هذه الفقرة الأخيرة ( ملتفتاً إلى الأب وابنة الزوجة ) حسن .. حسن جداً .
( إلى الأب فقط ) أنت بعد ذلك تستمر كما اتفقنا .
( إلى الممثلين ) الموقف الذي يقدم لها فيه القبعة موقف جميل .. ألا ترون ذلك ؟
ابنة الزوجة : ولكنكم ستشاهدون الآن ماهو أفضل ... لماذا لا نستمر ؟
المخرج : اصبري قليلاً .. لحظة واحدة .
( يلتفت ويوجه كلامه إلى الممثلين ) : طبعاً يجب معالجة هذا الموضوع بشيء من اللين .
الممثل الأول : نعم بشيء من الرقة .
المثلة الأولى : ليس ثمة صعوبة في ذلك إطلاقاً .
( إلى الممثل الأول ) يمكننا أن نجري التدريبات " البروفة " اليس كذلك ؟
الممثل الأول : فيما يختص بي .... سأذهب وأستعد للدخول .
( يخرج لكي يستعد للدخول من جديد من الباب الخلفي ).
المخرج : ( للممثلة الأولى ) : إذن انتبهي ... لقد انتهى المنظر بينك وبين مدام باتشي ـ وأتولى أنا كتابته فيما بعد .. تقفين هنا ... لا .. إلى أين أنتِ ذاهبة ؟
الممثلة الأولى : انتظر ..سوف أرتدي القبعة .
( تذهب وتأخذ قبعتها من على المشجب وترتديها ).
المخرج : حسن جداً .. والآن قفي هنا خافضة الرأس .
ابنة الزوجة : ( مسرورة ) : ولكنها لا ترتدي ثياب الحداد .
الممثلة الأولى : سأكون مرتدية ثياب الحداد وستناسبني أكثر منكِ .
المخرج : ( إلى ابنة الزوجة ) : أرجو أن تسكتي وتراقبي ـ ستجدين ما تتعلمين .
( يصفق بيديه ) : هلموا .. هلموا ـ دخول .
( ينزل من جديد من على خشبة المسرح حتى يرى من وجهة نظر المتفرجين كيف يبدو المشهد .. يفتح الباب الخلفي ويدخل الممثل الأول تبدو عليه سمات النشاط والحيوية التي يحاول أن يتظاهر بها رجل عجوز متأنق .. يبدو أداء هذا المشهد مختلفاً تماماً عن المشهد التي قامت به من قبل الشخصيات .. فيجب أن يبدو هذا المشهد مغايراً تماماً لما قبله وليس فيه أي تقليد ، ومن الطبيعي هنا ألا تتمكن ابنة الزوجة والأب من الإحساس بشخصيهما في الممثلة الأولى والممثل الأول اللذين يقومان بأداء دوريهما.. ومع ذلك فهما يسمعان نفس الكلمات التي قالاها تتردد على أفواه الممثلين فينعكس رد الفعل عليها في حركات غريبة تصدر منهما .. فأحياناً تبدو على وجهيهما ابتسامة .. وأحياناً يأتيان بإشارات تدل على الامتعاض .. وأحياناً يبديان معارضتهما بوضوح .. وفي النهاية تبدو عليهما الدهشة والعجب .. ويبدو عليهما كذلك أنهما يقاسيان بشدة .. يسمع صوت الملقن بوضوح ).

الممثل الأول : صباح الخير يا آنسة .
الأب : ( في الحال غير مستطيع أن يسيطر على أعصابه ) : لا .. لا .
( وعندما ترى ابنة الزوجة الممثل الأول أثناء تأديته لدوره تنفجر ضاحكة ).
المخرج : ( بغضب ) : اسكتي ... وهذه آخر مرة أنبهكِ فيها إلى عدم الضحك هكذا .. وإلا فإننا لن نفعل شيئاً إذا استمر الأمر على هذه الحال.
ابنة الزوجة : ( تبتعد عن المكان الذي يمثلون فيه ) : أرجو المعذرة ولكن هذا شيء طبيعي جداً يا سيدي فالآنسة ...
( تشير إلى الممثلة الأولى ) : وقفت في مكانها دون أن تتحرك أو ترتعد .. وإذا كانت فعلاً تريد أن تمثلني .... فإني أؤكد لك أني إذا سمعت أحداً يقول لي " صباح الخير يا آنسة " بهذه الطريقة وهذه اللهجة ، فسأنفجر ضاحكة في الحال كما ضحكت الآن تماما .
الأب : ( يتقدم هو أيضاً إلى الأمام قليلاً ) : نعم إن ما تقوله صحيح ...
طريقته ، اللهجة التي يتكلم بها ...
المخرج : أي طريقة ! وأي لهجة ! أرجوكم أن تنتحوا جانباً ودعوني أشاهد هذه التجربة .
الممثل الأول : ( يتقدم إلى الأمام ) : وأنا أقوم الآن بدور رجل عجوز .. يدخل منزلاً مشكوكاً فيه .
المخرج : نعم ... أرجو ألا تلتفت إلى هذا الرجل ... أستمر .. أستمر .. كان كل شيء يسير سيراً حسناً .

الممثل الأول : " صباح الخير يا آنسة ... "
الممثلة الأولى : " صباح الخير"
الممثل الأول : ( يقلد حركات الأب ويتفحص الممثلة الأولى .. يحملق فيها من تحت القبعة ثم يعرب بوضوح عن رضائه أولا .. ثم عن خوفه ) : آه ... أملي ألا تكون هذه هي المرة الأولى ...
الأب : ( لا يستطيع مقاومة التدخل لتصحيح ما قاله ) : ليس " أملي " ... أليس كذلك ؟ أليس كذلك ؟
المخرج : لافرق .. " أليس كذلك " أو " أملي " .. كله واحد .. أستمر ـ استمر هكذا ، أعتقد أنك لا يجب أن تكون جاداً إلى هذه الدرجة .. أرجوك أن تقف سأريك ما أعني أنتبه إلىّ .
( يصعد المخرج إلى خشبة المسرح ثم يدخل ويؤدي هو دور الممثل الأول حتى حركة الدخول ) :
المخرج : صباح الخير يا آنسة ...
الممثلة الأولى : صباح الخير ...
المخرج : آه ..ولكن ... أقول ...
( يلتفت إلى الممثل الأول ليجعله يلاحظ الطريقة التي ينظر بها إلى الممثلة الأولى من أسفل إلى قبعتها )
: دهشة .. خوف .. ورضاء ( ثم يستدير إلى الممثلة الأولى موجهاً كلامه إليها ) : ليست هذه المرة الأولى .. التي تحضرين فيها إلى هنا .. أليس كذلك ؟ ( يستدير مرة أخرى إلى الممثل الأول بنظرة فاحصة ) : وآضح ؟
( إلى الممثلة الأولى ) : ثم تقولين أنتِ : " لا ياسيدي "
( للمثل الأول من جديد ) : وباختصار ليكن ذلك .. ماذا أقول ؟ ... في مرونة .
( ينزل من فوق خشبة المسرح مرة أخرى ) .
الممثلة الأولى: " لا يا سيدي "
الممثل الأول : جئت من هنا من قبل ؟ أكثر من مرة ؟
المخرج : لا .. أنتظر لحظة ... يجب أن تعطيها الفرصة .
( يشير إلى الممثلة الأولى ) : لكي تومىء برأسها أن نعم " لقد جئت هنا من قبل ".
( ترفع الممثلة الأولى رأسها وتغلق عينيها بألم معربة عن امتعاضها ، وعنما يصيح المخرج قائلاً : " اخفضي رأسك " تومىء برأسها مرتين ).
ابنة الزوجة : ( غير مستطيعة أن تسيطر على نفسها ) : أوه يا إلهي .. ( تضح يدها على فمها لتكتم ضحكتها ).
المخرج : ( يتلفت إليها ) : ماذا حدث ؟
ابنة الزوجة : لا شيء .... لاشيء .
المخرج : ( للمثل الأول ) : إنه دورك .. إنه دورك استمر .
الممثل الأول : أكثر من مرة ؟ حسناً " إذن هيا ... لا ينبغي أن تترددي ـ هل تسمحين بأن اخلع عنك قبعتك ؟
( يقول الممثل الأول هذه الجملة بطريقة غريبة ويصاحبها بحركة ، وعند ما ترى ابنة الزوجة ذلك ، وكانت تضع يدها على فمها ، لا تستطيع أن تكتم ضحكتها وتحاول بيأس أن تمنع نفسها من الضحك دون جدوى وتخرج منها في النهاية ضحكة صاخبة تحدث هرجاً شديداً )
الممثلة الأولى : ( وقد استهزئ بها ، تستدير إليها في غضب بالغ ) :
أنا لن أقف هكذا لأكون أضحوكة هذه المرأة .
الممثل الأول : ولا أنا أيضا .. لنوقف كل شيء .
المخرج : ( يصرخ في ابنة الزوجة ) : كفى .. كفى .
ابنة الزوجة : حسناً ... معذرة .. معذرة .
المخرج : أنتِ قليلة الأدب ـ هو ذلك.. دعيه .
الأب : ( محاولا أن يتدخل ) : نعم يا سيدي أنت على حق ـ ولكن يجب أن تعذرها .
المخرج : ( يعود إلى الصعود على خشبة المسرح ) : كيف أعذرها ... إن سلوكها في غاية الانحطاط .
الأب : نعم ، ولكن صدقني أن التمثيل له تأثير غريب .
المخرج : غريب .؟! أية غرابة ..!! ماهو الغريب فيه ؟
الأب : إني يا سيدي معجب بممثليك .. هذا السيد ( يشير إلى الممثل الأول ) وهذه الآنسة ( يشير للممثلة الثانية ) ولكن الواقع ... الحقيقة ... الواقع أنهما ليسا نحن .
المخرج : بحق السماء ... كيف تريد أن يكونا أنتم ، إنهما ممثلان .
الأب : هما ... ممثلان والاثنان يجيدان تمثيل دورنا ، ولكن عندما يمثلان يبدوان لنا شيئاً آخر ، إنهما يريدان أن يكونا مثلنا وللأسف ليسا مثلنا بأية حال .
المخرج : ولكن كيف لا يكونان مثلكما ؟ مثل من هما إذن ؟
الأب : شيء من عندياتهم .. وليس من صميمنا .
المخرج : هذا شيء يحدث بالضرورة .. كما قلت من قبل .
الأب : أفهم ... أفهم ذلك ...
المخرج : إذن ... كفى.


المخرج : ( ملتفتا إلى الممثلين ) : سنراجع المسرحية بعد ذلك فيما بيننا كالعادة .. كان مما يضايقني دائما أن اجري التدريبات في حضور المؤلفين .. فالمؤلف لا يرضيه شيء على الإطلاق .
( إلى الأب وابنة الزوجة ) : والآن لنشترك معهم ، لنرى ما إذا كان في الإمكان أن تكف هذه الآنسة عن الضحك .
ابنة الزوجة : أوه ، أعدك أني لن أضحك مرة أخرى ، لن أضحك ثانية .. إن أجمل جزء في دوري سيأتي الآن .. أنتظر وسوف ترى .
المخرج : حسناً .. عندما تقولين أنت أرجو أن تنسي ما قالت لك الآن من أجلي أتفهم ؟
( ملتفتاً إلى الأب ) وهنا ينبغي أن تبدأ أنت في الحال أفهم .. آه أفهم ... ثم تسأل في الحال .
ابنة الزوجة : ( مقاطعة ) : وكيف ـ ماذا يسألني ؟
المخرج : يسألك لماذا ترتدين ثياب الحداد ؟
ابنة الزوجة : أوه كلا .. ليس الأمر كذلك ياسيدي .. أسمع عندما أخبرته بألا يفكر فيما أرتديه من ثياب الحداد .. أتعرف ماذا قال ؟ " حسناً دعينا نخلع الرداء على الفور "
المخرج : جميل .. رائع .. هل تريدين بذلك أن ينقلب المسرح رأساً على عقب ؟
ابنة الزوجة : ولكن هذه هي الحقيقة .
المخرج : ماهي الحقيقة التي تحدثينا عنها دائما ؟ إننا هنا في مسرح ... الحقيقة شيء جميل ولكن إلى حد معين .
ابنة الزوجة : وماذا تريد إذن ؟
المخرج : سترين ، سترين ، دعيني أتصرف أنا الآن .
ابنة الزوجة : لا .. يا سيدي ، إن اشمئزازي وجميع الأسباب التي جعلت مني إنسانة على هذه الصورة أسباب كل منها شر من الآخر ـ فهل تريد أن تستخرج من هذا قطعة عاطفية مثيرة ؟ ... فتجعله يسألني عن أسباب ارتدائي ثياب الحداد ، فأجيبه والدموع تتساقط من عيني ، بأن أبي توفى منذ شهرين ... لا .. لا ياسيدي العزيز ينبغي أن يقول ما قاله تماماً " حسناً دعينا إذن نخلع هذا الرداء على الفور " وأنا بكل ما أحمله في قلبي من حزن ... ولم يكد ينقضي شهران ، ذهبت إلى هناك .. أترى ؟ هناك خلف هذا الحاجز .. وبأصابعي هذه التي ترتعد من الخزي والعار ، علقت قميصي على المشجب .
المخرج : ( يجري يده في شعر رأسه ) : يا إلهي .... ما هذا الذي تقولين ؟
ابنة الزوجة : ( صائحة في عصبية ) : الحقيقة ... الحقيقة يا سيدي .
المخرج : نعم لا أنكر ، قد تكون هذه هي الحقيقة وأنا أفهم وأقدر كل مالقيتِ من أهول يا آنستي ، ولكن يجب أن تدركي أنتِ أيضاً أن كل ذلك لا يمكن أن يخرج كمشهد على المسرح .
ابنة الزوجة : أوه ... غير ممكن ؟!! إذن فشكراً جزيلاً ، لن أبقى هنا لحظة واحدة .
المخرج : لا .. انتظري .
ابنة الزوجة : لن أبقى لحظة واحدة .. لن أبقى هنا لحظة واحدة .. إن ما يمكن تمثيله على المسرح قد دبرتماه معاً أنتما الاثنان هناك ـ فشكراً جميلاً .. إني أفهم جيداً فهو يريد أن يمثل ...
( تقول ذلك بعنف ) : المشهد الذي يقدم لنا فيه مشاعره النفسية .. ولكني أريد أنا ن أقدم مأساتي ... مأساتي أنا .
المخرج : ( يهز كتفيه في ضيق ) : أوه .. أخيراً مأساتك أرجوكِ .. ألا يوجد إلا مأساتك فقط ؟ ـ هناك مأساة الآخرين .. مأساته .
( يشير إلى الأب ) ومأساة أمك .. ولا يمكن أن تظهر شخصية واحدة وتبرز جداً ، وتطغي على الشخصيات الأخرى .. وتسرق المشهد ، بل يجب أن يدخل الجميع في إطار متجانس واحد يقدم فيه فقط ما يصلح للتقديم .. وأنا أدرك أيضاً أن كلا منك يحمل بين طيات نفسه حياة كاملة يريد أن يخرجها إلى العالم أجمع ، ولكن هذا هو المشكل : القدرة على إخراج ما هو ضروري فقط في علاقته بالآخرين ، هذا القليل الذي نخرجه يجب أن يوضح كل ما بقى من جوانب الحياة التي تكمن في هذه الشخصية .. آه ، إن المشكلة لتصبح في غاية البساطة لو أن كل شخصية أمكنها في حوار صغير لطيف ودون أن تلجأ إلى محاضرة طويلة ، ودون أن تستعرض نفسها بكل ما يعتمل في جوانبها أمام الجمهور.
( بلهجة رقيقة ليقنعها ) : حاولي أن تسيطري على نفسك يا آنسة ، وصدقيني هذا في صالحك أيضاً ، إني أحذرك فإن كل هذا الغضب الشديد والا شمئزاز المبالغ فيه ... وبالأخص قد ذكرت ـ أرجو أن تعذريني لقولي هذا ـ إنك اختليت برجال آخرين قبله عند مدام باتشي ، وقلت كذلك إن هذا حدث أكثر من مرة .
ابنة الزوجة : ( تطأطئ برأسها .. لحظة من التأمل ، ثم تقول في صوت عميق ) : هذا صحيح ولكنك يجب أن تعرف أن كل هؤلاء الآخرين يتساوون تماما معه بالنسبة لي .
المخرج : ( لا يفهم ) : كيف الآخرين ؟! ماذا تعنين ؟!!
ابنة الزوجة : فبالنسبة لمن يرتكب المعصية ياسيدي لا يكون دائماً أول من سبب هذه السقطة هو المسئول عن كل ما يليها من معصيات ـ وبالنسبة لي أنا كان هذا هو السبب حتى قبل أن أولد أنا ، أنظر إليه وسترى أن كلامي صحيح .
المخرج : حسن جدا .. وهل يبدو هذا العبء الثقيل عليه من تأنيب الضمير شيئاً بسيطاً بالنسبة لك ؟ امنحيه الفرصة ليمثله أمامنا .
ابنة الزوجة : ولكن اسمح لي ، كيف يمكنه أن يمثل تأنيب ضميره " النبيل وآلامه المعنوية " ؟ إذا كنت تريد أن تخلصه من الفزع الذي ينبغي أن ينتابه من وجودها بين ذراعيه بعد أن دعاها لأن تخلع ثوب الحداد ، والحداد لم تمضِ عليه فترة طويلة ... إن الزمن لم يتكفل بالقضاء على أحزانها بعد ، والفزع من وجود تلك الطفلة التي كان يذهب ليراها ، وهي تخرج من المدرسة وقد تحولت إلى امرأة بل إلى امرأة ساقطة .
( تقول هذه الكلمات بصوت ممتلىء بالعاطفة ، عندما تسمع الأم هذا الحديث تبكي بشدة معبرة عن الأسى الذي ينتابها ، وأخيرا تنفجر في بكاء مرير ، يؤثر هذا البكاء على جميع من في المسرح ، فترة صمت طويلة ) .
ابنة الزوجة : ( بمجرد أن تهدأ الأم وتكف عن البكاء تقول في صوت حزين ) : نحن هنا في هذه اللحظة غير معروفين للجمهور.. وغداً ستقدمنا تشاء .. بعد أن تخرج مسرحيتك بالطريقة التي تروقك لك .. ولكن هل تريد مشاهدة مأساتنا كما حدثت حقيقة في حياتنا ؟
المخرج : نعم ... لا يمكنني أن أطب أكثر من ذلك ـ حتى يمكنني أن استعد من الآن بما يمكن الاستعانة به منها .
ابنة الزوجة : حسن ... أخرج هذه الأم من هنا إذن .
الأم : ( تنهض واقفة ويرتفع بكاؤها إلى صراخ شديد ): لا ... لا ... لا تطلب منهم أن يفعوا ذلك .... لا تسمح ياسيدي ... لا تسمع بذلك .
المخرج : هذا للتجربة فقط يا سيدتي .
الأم : إني لا أستطيع .. لا أستطيع .
المخرج : ولكن ما دام كل شيء قد حدث بالفعل .. أن موقفك الآن غير مفهوم .
الأم : إذا وجدت الآن أو تكرر حدوثه دائماً فإن عذابي لن ينتهي ياسيدي .. إني على قيد الحياة وموجودة دائماً في كل لحظة من لحظات عذابي ـ عذاب حي وموجود دائماً ؛ ولكن هذان الطفلان هناك هل سمعتهما يتكلمان ؟ لم يعد في استطاعتها الكلام ياسيدي ! وما زالا يتعلقان بي حتى يبقيا عذابي حياً وموجوداً .. أما فيما يختص بها أيها السادة ..
( تشير إلى ابنة الزوجة ، ابنتها ) : لم يعد لها وجود ... لقد فرت ، هربت مني وضلت سواء السبيل ... وإذا كنت أراها الآن هنا ، فلهذا السبب فقط يتجدد عذابي دائماً ، دائما ، دائماً عذاب حي وموجود .. العذاب ـ الذي قاسيته بسببها أيضاً ..!
الأب : ( بحزن ) : هذه هي اللحظة الأبدية كما أخبرتك ياسيدي فهي .
( يشير إلى ابنة الزوجة ) موجودة هنا لتمسك بي وتثبتني وتبقيني متأرجحا ومعلقاً إلى الأبد في مشنقة هذه اللحظة بالذات من الخزي والعار تصم حياتي ، إنها لا يمكنها أن تتخلى عن دورها ، وأنت يا سيدي ... لا يمكنك في الواقع أن تجنبني هذا العذاب .
المخرج : صحيح ولكني لم أقل إنني لن أخرج هذا المشهد ، لأنه في الواقع يكون نواة الفصل الأول حتى تحين اللحظة التي تفاجئك معها ( يشير إلى الأم ).
الأب : هذا صحيح ، هذا هو عقابي ياسيدي .. كل عواطفنا تبلغ قمتها في صرخاتها النهائية .
( يشير هو أيضا إلى الأم ).
ابنة الزوجة : إنه مازال يدوي هناك في أذني ، لقد دفعت بي تلك الصرخات إلى الجنون ، يمكنك أن تمثلني كما تريد ياسيدي .. هذا لا يهم ، حتى وأنا مرتدية ملابسي إذا أردت ، ولكن يجب أن تترك ذراعي على الأقل ... ذراعي عاريتين فقط ، لأني كما ترى ..
( تقترب من الأب وتضع رأسها على صدره ):
: إذا وقفت هكذا ، ورأسي مستند هكذا ، وذراعاي هكذا حول عنقه ، فقد رأيت في ذراعي عرقاً ينبض .. هذا العرق النابض الذي أثار فيّ الإحساس بالرعب فأغمضت عيني هكذا ودفنت رأسي في صدره
( تستدير إلى الأم ) اصرخي ... اصرخي يا أماه ..
( تدفن رأسها في صدر الأب وترفع كتفيها حتى لا تسمع صرخة الأم وتضيف في صوت مختنق من العذاب ) :
: اصرخي كما صرخت حينذاك !
الأم : ( تندفع إليها لتبعدهما عن بعض ) : لا يا بنيتي ! لا يا بنيتي !
( وبعد أن تبعد الابنة عن الأب ) : أيها الوحش ... أيها الوحش ...
إنها ابنتي ! ألا ترى أنها ابنتي ؟
المخرج : ( يتراجع عند الصرخة حتى الأضواء الكاشفة في أسفل المسرح .. بين تأثر الممثلين ) : رائع .. نعم رائع جداً .. ثم بعد ذلك ستار ، ستار !
الأب : ( يندفع إليه شاهقاً ) : نعم ، لأن هذا هو الذي حدث بالضبط ياسيدي !
المخرج : ( باقتناع وإعجاب ) : هنا دون شك ينبغي : ستار: ستار ، نعم في هذه اللحظة بالذات ...

( عند هذه الصيحة التي تنطلق من المخرج ، يسدل الستارـ بحيث يترك المدير والأب خارج الستار أمام الأضواء السفلى للمسرح ).


المخرج : ( ينظر إلى أعلى رافعاً يديه ) : أية غباوة ! إني اقصد أن المشهد ينبغي أن ينتهي هنا ... فتسدلون الستار حقيقة !
( يحدث الأب رافعاً أحد جانبي الستار ليعود إلى الدخول إلى خشبة المسرح ) : نعم ، نعم ، عظيم ! عظيم ! سيكون له تأثير رائع ـ ينبغي أن ينتهي الفصل الأول على هذا النحو .. أنا أضمن لك نجاح هذا الفصل الأول كل النجاح .
( يعود إلى الدخول مع الأب ) .
(( وعندما يفتح الستار مرة أخرى يكون الفنيون وعمال المسرح قد أزاحوا المنظر السابق ووضعوا مكانه حوضاً من أحواض الحدائق .. يجلس الممثلون في أحد جوانب المسرح في صف واحد ، وفي الجانب الآخر من المسرح تجلس الشخصيات الست .. يقف المخرج وسط المسرح واضعاً إحدى يديه وقبضتها مغلقة على فمه بشكل يوحي بأنه يفكر)).
( فترة صمت قصيرة ) :
المخرج : ( بهزة من كتفيه ) : والآن .. دعونا إذن نبدأ الفصل الثاني ... اتركوا .. اتركوا كل شيء لي كما اتفقنا من قبل فتسير الأمور على أحسن وجه !
ابنة الزوجة : دخولنا إلى منزله هو ( تشير إلى الأب ) رغم أنف هذا الشخص ! ( تشير إلى الابن ) .
المخرج : ( وقد نفد صبره ) : حسناً ! هذا شأني كما قلت .
ابنة الزوجة : على أن يبدو ضيقه بنا واضحاً .
الأم : ( تهز رأسها من مكانها ) : من أجل الخير الذي جنيناه ...
ابنة الزوجة : ( تلتفت إليها وتقول مقاطعة ) : لا يهم ... بقدر ما فعلوه لنا يكون تأنيب الضمير بالنسبة إليه .
المخرج : ( وقد نفد صبره ) : فهمت ، فهمت ! سأولي هذا الأمر عناية خاصة .. اطمئني .
الأم : ( وفي صوتها ترج ) : ولكن أرجوك يا سيدي أن يكون عملك بحيث يفهم الناس ـ لكي يطمئن قلبي ـ أنني حاولت بكل الطرق .
ابنة الزوجة : ( مقاطعة الأم وباحتقار مكملة الحديث ) : ... لقد حاولت بكل الطرق أن تهدئيني وأن تقنعيني بأن هذا الضيق بنا لم يكن موجوداً .
( للمخرج ) هيا أرضها ! ارضها ! فإن ذلك هو الواقع ! إني أتمتع متعة لا حد لها كما ترى ، كلما ازداد رجاؤها ولكلما حاولت أن تشق طريقها إلى قلبه حاول هذا إلانسان أن يزداد ابتعاداًً .. ياله من مزاج !
المخرج : على العموم نريد أن نشرع في هذا الفصل الثاني .
ابنة الزوجة : لن أتفوه بكلمة أخرى . ولكن يستحيل تمثيل هذا الفصل كاملاً في الحديقة كما تريد .
المخرج : ولم لا ؟
ابنة الزوجة : لا هو.
( تشير إلى الابن ) يغلق نفسه دائما في حجرته طوال اليوم .. مبتعداً عن الناس ! فضلاً عن أن دور هذا الولد المسكين التائه ينبغي أن يجري داخل المنزل ... كما قلت لك .
المخرج : لا بأس ، ولكن من الناحية الأخرى لعلك تدركين أنه لا يمكننا تعليق لا فتات نخبر بها المتفرجين عن المنظر .. أو نغير المنظر ثلاث أو أربع مرات كل فصل !
الممثل الأول : كانوا يفعلون ذلك في الأيام الغابرة .
المخرج : نعم ... عندما كان ذكاء المتفرجين لا يتعدى ذكاء هذه الطفلة.
الممثلة الأولى : والإيهام أيسر أمرا .
الأب : ( يهب واقفاً ) الوهم ؟ أرجوكم لا تقولوا الوهم ، لا تستخدمي هذه الكلمة ، إنها كلمة قاسية بالنسبة لنا بصفة خاصة .
المخرج : ( مندهشاً ) : ولماذا أخبرني ؟
الأب : نعم قاسية !... قاسية ! كان ينبغي أن تفهم .
المخرج : ماذا يجب أن نقول إذن ؟ لقد كنا نشير إلى الوهم الذي نخلقه هنا أمام المتفرجين.!
الممثل الأول : بتمثيلنا نحن .
الأب : إني أفهم ياسيدي .. ولكن أنت قد لا تفهمنا أرجو معذرتي .. لأن هذا كما ترى بالنسبة لك ولممثليك لا يتعلق إلا بلعب أدواركم وهذا صحيح .
الممثلة الأولى : ( وقد استهزئ بها ) : أي لعب ! لسنا هنا أطفالاً .. ونحن نؤدي أدوارنا جدياً .
الأب : لا أقول لا .. أقصد في الواقع أنكم تلعبون فنكم الذي ينبغي كما قال السيد أن يخلق وهماً كاملا للحقيقة .
المخرج : هذا حق تماماً !
الأب : والآن إذا كنت تعتقد أننا نحن كما نحن .
( يشير إلى الشخصيات الخمس الأخرى ) :
: ليس لدينا حقيقة أخرى عدا هذا الوهم !
المخرج : ( في دهشة ينظر حوله إلى الممثلين الذين بدت عليهم أيضاً علامات الدهشة والحيرة ) : وماذا تعني بذلك ؟
الأب : ( بعد أن نظر إليهم قليلاً وابتسامة باهتة على وجهه ) : نعم يا سادة ... أية حقيقة أخرى فالمسألة التي بالنسبة لكم ليست إلا إيهاماً تريدون خلقه ، هي على النقيض بالنسبة لنا ، هي واقعنا الوحيد .
( فترى صمت قصيرة يتقدم بعض الخطوات تجاه المخرج ، ثم يردف قائلا ) :
ولتعلم أن هذا ليس بالنسبة إلينا فقط ، فكر جيداً في الأمر.
( ينظر إلى عينيه ) هل تستطيع أن تخبرني من أنت ؟
( يقف مشيراً إليه بإصبعه ) .
المخرج : ( مضطرباً ، على وجهه شبه ابتسامة ) : ماذا ؟ من أنا ؟ أنا نفسي !
الأب : لنفرض أني قلت لك إن هذا ليس صحيحاً لأنك أنت هو أنا ؟
المخرج : سأجيبك بأنك مجنون ! ( الممثلون يضحكون )
الأب : لكم حق فيما تضحكون ..لأنكم هنا تمثلون .
( إلى المخرج ) يمكنك أيضاً أن تعترض لأنه في حالة اللعب فقط يصبح السيد ( يشير إلى الممثل الأول ) الذي هو نفسه ـ يصبح " أنا " في حين أنه العكس أنا هو أنا ... ها قد أوقعتك في الفخ .
( الممثلون يعودون إلى الضحك )
المخرج : ( متضايقاً ) : ولكنك سبق أن قلت هذا الكلام منذ قليل ! أنعيده مرة أخرى ؟
الأب : لا ، لا ، إني لم أقصد ذلك في الواقع ـ بل إني أدعوكم إلى التخلي عن هذا اللعب ( ينظر إلى الممثلة الأولى كأنه يتنبأ ) هذا اللعب الفني ! الفني ! الذي أعتدت أن تمارسه هنا ؛ ومرة أخرى أعود فأسألك بمنتهى الجد .... من أنت ؟
المخرج : ( يلتفت إلى الممثلين في دهشة بالغة ممزوجة بالضيق ) :
ياله من رجل ذي وجه صفيق ـ رجل يدعي أنه شخصية روائية يجيء هنا ليسألني من أكون !!
الأب : ( محتفظاً بكبريائه دون تعجرف ) : لأن الروائية ياسيدي ، يمكنها أن تسأل دائماً إي إنسان من أنت ؟ لأن الشخصية الروائية لها في الواقع حياتها الخاصة وقسماتها المميزة لها ، ومن أجل ذلك هي دائما إحدى الحيثيات … بينما الإنسان العادي … وأنا لا أتحدث عنك شخصياً الآن … الإنسان بعامة يمكن أن يكون " لا شيء "
المخرج : قد يكون ! … ولكنك تسألني " أنا " ، أنا المخرج هل تفهم ؟
الأب : ( برقة في تواضع تام ) : من أجل أن أعرف فقط ياسيدي إذا ما كنت حقيقة كما أراك الآن .. فانظر مثلا ماذا كنت منذ زمن بعيد ، وتذكر ما كنت عليه في وقت من الأوقات … وبكل الأشياء الراسخة في أعماقك والتي كانت تحيط بك في ذلك الحين ـ وكانت هذه الأشياء واقعية بالنسبة لك ! حسناً ياسيدي إذا تذكرت هذه الأوهام التي لم تعد تسيطر عليك الآن ـ لم تعد تبدو لك كما كانت في الماضي ، ألا تعتقد أن تفقد ـ لا أقول خشبة المسرح التي تقف عليها هذه ، ولكن الأرض التي تحت قدميك عندما تفكر أن الحال إذا استمر هكذا ، فإن هذا الأنت الذي تشعر به الآن … كل حقيقتك كما هي اليوم ستصبح وهماً في الغد !
المخرج : ( وقد بدا عليه أنه لم يفهم ـ وقد ذهل بهذا اللون المتسع من التفكير) : حسناً حسناً .. ماذا تريد أن تستخرج من ذلك ؟
الأب : لاشيء ياسيدي … لقد حاولت أن أجعلك ترى أننا إذا لم تكن لنا ( يشير إلى نفسه وإلى الشخصيات التي معه ) : حقيقة أخرى غير هذا الوهم فأنت أيضا يجب أن تشك في حقيقة نفسك .. الحقيقة التي تتنفسها وتلمسها كل يوم … لأنها كحقيقة الأمس عرضة لأن تكتشف أنها وهم في الغد …
المخرج : ( قرر أن يهزأ به ) : جميل جداً ، وبذلك تريد أن تقول : أنك أنت ومسرحيتك التي أتيت بها لتمثلها لي أكثر حقيقة مني أنا ؟
الأب : ( بغاية الجد ) : دون أدنى شك ياسيدي .
المخرج : حقاً ؟!
الأب : كنت أعتقد أنك فهمت ذلك منذ البداية .
المخرج : أكثر حقيقة مني أنا ؟!!
الأب : هذا إذا كانت حقيقتك تتغير من اليوم إلى الغد …
المخرج : ولكن الكل يعرف أنها من الممكن أن تتغير… إنها في تغير دائم ككل الآخرين ! .
الأب : ( صارخا ) : كلا ، إن حقيقتنا لا تتغير ياسيدي ! أترى ؟ هذا هو الفارق ! لا تتغير… لا يمكن أن تتغير… ولا يمكن أن تكون شيئاً آخر إبداً … لأنها ثبتت هكذا " تلك " ـ إلى الأبد … شيء مرعب ياسيدي ! حقية صماء … إنها تجعلك ترتعد إذا اقتربت منا .
المخرج : ( فجأة تخطر له فكرة يتحرك قليلا ويقف في تحد أمامه ) :
أريد أن أعرف هل حدث على الإطلاق أن رأي أحد شخصية تخرج من دورها ، وتقترح وتشرح وتدافع عن نفسها على هذا النحو كما تفعل أنت ، هل تدلني على شيء مثل هذا ؟ إني لم أرى شيئاً مثل ذلك في حياتي !
الأب : لم ترى شيئاً مثل ذلك في حياتك لأن المؤلفين عادة يخفون تفاصيل عملهم . عند ما يرى المؤلف الشخصية تحيا حياة حقيقة أمامه ، لا يفعل شيئاً أكثر من مجرد تتبعها في كلماتها وحركاتها التي توحي هي بها في الواقع إليه ، وينبغي أن يريدها كما ترغب هي ، والويل إذا لم يحدث ذلك …فعندما تولد شخصية ، تكتسب في الحال استقلالا حتى عن مؤلفها نفسه … فربما يتخيلها الناس في مواقف لا تخطر على الإطلاق على بال المؤلف ـ أن يضعها فيها وتكتسب أيضاً معنى لم يخطر ببال المؤلف على الإطلاق أن يكسبها إياه .
المخرج : نعم … أعرف هذا !
الأب : حسناً … إذن لِمَ استولت عليك الدهشة عند ما رأيتها ؟ تخيل مدى التعاسة التي تصيب شخصية تولد حية … من خيال احد المؤلفين بعد أن حاول أن ينكر عليها حياتها ! وخبرني هل الحق في جانبه في حالة ما إذا تركت هذه الشخصية على هذا النحو ، حية دون حياة … ألا يكون من حقها أن تفعل مثلما نفعل نحن الآن أمامكم هنا بعد أن أطلنا عليكم كثيراً جداً ـ أن تقف هي أيضاً أمامه لكي تقنعه ولكي تحفزه ولكي تظهر أمامه ، مرة أنا ، ومرة هي ( يشير إلى ابنة الزوجة ) ومرة هذه الأم المسكينة …
ابنة الزوجة : ( تتقدم إلى الأمام كأنها في غيبوبة ) : هذا صحصح وأنا أيضاً … أنا أيضاً ياسيدي كنت أذهب لإغرائه عدة مرات في حجرة مكتبه الكئيبة ، عندما تبدأ الشمس في الغروب ، وهو جالس منعزل في مقعد وثير … لا يريد أن يزعج نفسه ليضئ مصباح الحجرة ، تاركاً الظلمة تغشاها ، ظلمة تستمد حياتها من وجودنا نحن الذين كنا نذهب لإغرائه .. ( تبدو كما لو كانت مازالت في حجرة المكتب يضايقها حضور كل هؤلاء الممثلين من حولها ) : ماذا عليكم لو ذهبتم جميعاًً ! وتركتمونا وحدنا ؟! .. أمي هناك مع ابنها هذا ـ وأنا مع هذه الطفلة ـ وهذا الولد هنا دائماً وحيداً ـ ثم أنا وإياه ( تشير ناحية الأب إشارة خفيفة ) : ثم أنا وحدي ـ أنا وحدي …في ذلك الظلام . ( تستدير فجأة كأنها تريد أن تقبض بيدها وتثبت الحلم الذي تراه ، الحلم الذي تراه خيالاً يتلألأ في الظلام ) : آآآآآآه … حياتي ! يا للمشاهد ! كم من مشاهد رائعة اقترحناها عليه ! ـ وأنا أغريته أكثر منهم جميعاً …

الأب : حقاً … وربما يرجع إليك الذنب في أنه رفض أن يهبنا الحياة التي طلبناها ، لقد كنت في غاية الإسراف ، ومنتهى الوقاحة … لقد بالغت أكثر مما يجب !
ابنة الزوجة : ماذا تقول ؟ إذا كان هو الذي أراد أن أكون على هذا النحو ! ( تقترب من المخرج وكأنها تسر له ) : أعتقد أن السبب في ذلك كان على الأرجح يا سيد هو الضيق ، أو ازدراؤه للمسرح الذي يحب الجمهور أن يشاهده ويقبل عليه .!!!


المخرج : هيا .. هيا .. بحق السماء .. هيا نطرق الوقائع يا سادة .
ابنة الزوجة : يبدو أن لدينا من الوقائع الشيء الكثير … فعند دخولنا إلى منزله قلت أنت نفسك ( تشير إلى الأب ) … قلت أنت نفسك إنه لا يمكنك أن تعلق لا فتات أو تغير المنظر كل خمس دقائق .
المخرج : صحيح .. حق حق … ليس في وسعنا ذلك … إن كل ما يمكننا عمله هو أن نركز كل شيء في مشهد واحد مستمر دقيق ـ وليس بالطريقة التي تريدينها أنتِ .. حيث ترغبين في رؤية أخيك الصغير ، وهو يعود من المدرسة ويتجول في أرجاء الحجرة كالشبح .. يغلق على نفسه الأبواب ويتأمل أشياء ـ قلت … ماذا قلت عنها ؟
ابنة الزوجة : إنه يذوي يا سيدي ، يذوي تماماً .
المخرج : لم أسمع على الإطلاق هذه الكلمة .. حسناً : " يظهر فقط من بريق عينيه " أليس كذلك ؟ أليس ذلك ما قلته ؟
ابنة الزوجة : نعم ياسيدي … ها هو ذا ( تشير إلي الولد الصغير حيث يقف بجوار أمه ) .
المخرج : ( بسخرية ) أهلاً … وبعد ذلك تريدين في نفس الوقت أن تعلب هذه الطفلة في الحديقة تغمرها السعادة .. أحدهما في المنزل ، والآخر في الحديقة … أهذا شيء ممكن ؟!
ابنة الزوجة : نعم … في الشمس ياسيدي .. سعيدة .. إن جزائي الوحيد هو حبورها في تلك الحديقة ، بعيدة عن البؤس والفقر في تلك الحجرة المرعبة حيث كنا ننام نحن الأربعة أنا وهي ـ أنا ـ تصور ذلك الرعب : جسدي الملوث الدنئ ملتصق بها … وهي تحتضنني بذراعيها الحبيبتن البريئتين ، كانت تجري مندفعة نحوي بمجر أن تلمحني في الحديقة .. ثم تمسك بيدي بين يديها .. لم تكن تهتم بالزهور الكبيرة .. كانت تبحث عن الأزهار الصغيرة حتى تريني إياها ، وتغمرها سعادة ما بعدها سعادة .
( وإذ تقول ذلك تتمزقها الذكريات ، فتصدر عنها صيحة يأس طويلة ، فتسقط رأسها بين يديها اللتين تمتدان على المنضدة في ارتخاء .. يغلب التأثر الشديد على الجميع لرؤيتها هكذا ، المخرج يقول لها بطريقة أبوية ليريحها ) :
المخرج : سنصنع الحديقة ، سنصنع الحديقة ، لا تخشي شيئاً .. وسترين أنك ستسرين منها .. ونجمع باقي المناظر هناك .
( ينادي أحد العمال باسمه ) : أحضر منظراً لبعض الأشجار .. شجرتين صغيرتين أمام هذا الحوض .
( يسقط من أعلى المسرح منظر شجرتين صغيرتين يسرع عامل المسرح ليثبته بالمسامير في القوائم ) .
المخرج : ( لابنة الزوجة ) : يكفي هذا الآن لمجرد إعطاء فكرة .
( ينادي أحد العمال باسمه ) : احضر منظراً للسماء .
عامل المسرح : ( من أعلى ) ماذا ؟
المدير: السماء .. منظر للمؤخرة يستقر خلف هذا الحوض . ( تسقط من أعلى المسرح شاشة بيضاء ).
المخرج : لا أريدها بيضاء بل في لون السماء .. حسناً ، اتركها سأعد المنظر بنفسي فيما بعد ( ينادي على الكهربائي ) : أطفئ جميع الأنوار ، وزودنا بضوء قمري أزرق على الجوانب من المصباح الكشاف ، وأزرق على الستار … نعم هكذا .. يكفي هذا .
( يعد طبقاً لأوامر المخرج ، ضوء قمري له تأثير غريب على المنظر يدفع الممثلين إلى الكلام والحركة كأنهم في الليل في حديقة في ضوء القمر ).
المخرج : ( لـ ابنة الزوجة ) : هاكِ أنظري ! والآن بدلا من أن يختفي الشاب خلف أبواب الحجرة يمكنه أن يتجول في الحديقة ويختبئ خلف الأشجار ؛ ولكن أتعرفين أنه سيكون من الصعب الحصول على طفلة صغيرة تحسن القيام بهذا الدور معك … عند ما تريك الأزهار ( يستدير إلى الفتى ) تقدم إلى الأمام أنت ، دعنا نجرب المشهد عملياً .
( الفتى لا يتحرك )
المخرج : تقدم .. تقدم
( يجذبه إلى الأمام ويحاول أن يجعله يرفع رأسه ولكن رأسه يعود إلى السقوط بعد كل محاولة ) : حقاً إنها كارثة … حتى ذلك الولد … ولكن كيف هذا .. رباه إن كل ما يطلب إليه أن يتفوه ببضع كلمات . ( يتقدم منه ويضع يداً على كتفه ويقوده خلف إحدى الأشجار) : والآن تقدم .. تقدم قليلا … دعني أرى .. اختبئ قليلا هنا .. نعم هكذا … والآن حاول أن تطل قليلاً برأسك … تجول بنظرك .
( ينتحي جانباً ليرى تأثير المنظر ، ويفعل الولد ما قيل له بالكاد بين قنوط الممثلين الذي يتأثرون غاية التأثر ) : رائع …. رائع جداً …
( إلى ابنة الزوجة ) لنفرض أن الفتاة الصغيرة تفاجئه وهو يطل برأسه من خلف الشجرة ثم تجري نحوه … ألا يجعله ذلك ينطق بكلمة واحدة أو كلمتين ؟
ابنة الزوجة : ( تنهض واقفة ) : لا تأمل أن ينطق بكلمة ، على الأقل مادام هذا الشخص موجودا هنا .. ينبغي أن تبعد أولا هذا الشخص . ( تشير إلى الابن ).
الابن : ( يتجه بإصرار نحو السلالم ) : إني على استعداد وفي غاية السعادة لألبي طلبكم ولا شئ أحب إلى من ذلك .
المخرج : ( يمسك به في الحال ) : لا … إلى أين تذهب ؟ .. أنتظر.
( تنهض الأم في يأس ، وباضطراب بالغ معتقدة أن الابن سيغادر المكان حقاً ، فترفع يدها بطريقة تلقائية محاولة أن تمنعه من الذهاب دون أن تتحرك من مكانها ).
الابن : ( بعد أن وصل إلى أضواء المسرح السفلى ـ للمخرج الذي يمنعه ) : ليس لي دور أؤديه هنا ، فدعني أنصرف .. دعني أنصرف .
المخرج : كيف تقول " ليس لي دور أؤديه هنا " ؟
ابنة الزوجة : ( بهدوء وبتهكم للمخرج ) : لا تمنعه من الذهاب … فلن يذهب .
الأب : يجب أن يمثل هذا المشهد الفضيع أمام أمه في الحديقة .
الابن : ( في الحال في خيلاء وإصرار ) : أنا لا أمثل شيئاً .. وقد أعلنت ذلك منذ البداية . ( للمخرج ) دعني أنصرف .
ابنة الزوجة : ( تجري نحو المخرج ) : هل تسمح لي ياسيدي ؟
( تخفض يد المدير التي يحاول بها أن يمنع الابن من مغادرة المكان ) : دعه !
( ثم تتجه نحو الابن بمجر أن يتركه المدير) :
حسناً ... أذهب إذن ..!
( الابن يبقى في مكانه حيث هو … في اتجاه السلالم وكأن قوة غريبة تمنع من مغادرة المكان فلا يستطيع نزول السلم ، ثم يسير ببطء عبر الممر المجاور لأضواء المسرح السفلى وذلك بين قلق الممثلين ويأسهم .. يتجه مرة أخرى إلى سلم خشبة المسرح الثاني ، لكنه يبقى هناك دون أن يتمكن من النزل ، ابنة الزوجة التي كانت تراقبه بعينيها في هذه الأثناء تنفجر ضاحكة ) .

ابنة الزوجة : لا يستطيع ؛ أنظر! لا يستطيع ! ينبغي أن يبقى هنا بالقوة .. لا مفر من ذلك ! إنه مقيد إلينا بأغلال … إذا كنت أنا التي تعودت الفرار عندما يقع ما لا بد من وقوعه أفر لأنني أكرهه … لأني لم أعد أطيقه ولا أطيق رؤيته أمامي أكثر من ذلك ـ إذا كنت أنا مازلت باقية أحتمل منظره وأطيق صحبته ـ فتصور أن يتمكن من الرحيل ، هو الذي ينبغي أن يبقى هنا ـ هذا الأب الجميل وتلك الأم اللذان ليس لديهما أطفال آخرون .
( ملتفة إلى الأم ) : انهضي .. أنهضي يا أمي … تعالي …
( إلى المخرج ومشيرة إلى الأم ) : إنها نهضت لتمنعه من الذهاب .
( إلى الأم كأنها تجذبها بقوة سحرية ) : تعالي … تعالي …
( ثم للمخرج ) : تصور أي قلب يكمن في جنباتها كي تظهر هنا لممثليك ما تعانيه ، ولكن رغبتها للبقاء معه رغبة ملحة للغاية … هاك ألا ترى … إنها تريد أن تعيش معه مرة أخرى في هذا المشهد .
( في هذه الأثناء تكون الأم قد ذهبت لابنها ولم تكد الابنة تنتهي من حديثها حتى تؤمئ الأم برأسها علامة على موافقتها على ما قالته الابنة )
الابن : لا … لا … إنكم لن تجبروني على هذا … أنا ، لا ، إذا لم أستطع الذهاب فسأبقى هنا ولكني أؤكد لكم أني لن أشترك معكم في أي مشهد .
الأب : ( للمخرج منفعلاً ) : يمكن أن تجبره ياسيدي .
الابن : لا يمكن أن يجبرني أحد .
الأب : سأجبرك أنا على ذلك .
ابنة الزوجة : انتظروا .. انتظروا .. أولاً وقبل كل شيء يجب أن تذهب الفتاة الصغيرة إلى الحوض !
( تذهب لتأخذ الطفلة الصغيرة .. تركع على ركبتيها أمامها وتأخذ وجهها بين يديها ) : يا صغيرتي الحبيبة المسكينة … إنك تنظرين حائرة بعينيك الواسعتين الجميلتين ! لا بد أنك تتساءلين أين أنت ! أننا على خشبة المسرح يا حبيبتي ! ما هو المسرح ؟ أنظري ! إنه مكان يلعبون فيه لعباً جاداً .. حيث يمثلون المسرحيات … ونحن الآن نقوم بتمثيلية على نحو جاد … أتعرفين ! وأنت أيضا ( تحتضنها ، وتقربها من صدرها ، وتهدهدها قليلا ) : يا حبيبتي الصغيرة ؛ يا حبيبتي الصغيرة … ويالها من تمثيلية فضيعة بالنسبة لك … أي شيء مروع دبروه لك . الحديقة والحوض … نعم … أشياء مصطنعة … وأسوأ ما في الأمر يا عزيزتي أن كل ما هنا زائف ! ولكن ربما تحبين هذا الحوض المقلد أكثر من الحوض الحقيقي لتتمكني من اللعب ، ولكن لا ! سيكون لعباً للآخرين ، اما لك … فلا ، وأنتِ مخلوق صادق اعتدتِ أن تلعبي في حوض حقيقي جميل أخضر كبير به أعواد كثيرة تلقى ظلالها في الماء ، ويسبح عدد كبير من صغار البط مخترقا هذه الظلال ، لا شك أنك ترغبين في أن تمسكي ببطة منها …
( تصرخ صرخة تثير الرعب في الجميع ) : لا ياروزيتا يا حبيبتي … لا : إن أمك لا تهتم بك … وكل ذلك بسبب الولد الخنزير هناك ـ إني أشعر كأن كل الشياطين تسيطر على رأسي .
(تكون في هذه الأثناء قد تركت الطفلة الصغيرة وتلتفت بنفس الانحناءة للفتى ) : هذا الشخص … ماذا تفعل هنا وأنت متخاذل هكذا دائما ـ ستكون غلطتك أيضاً إذا غرقت هذه الطفلة … بسبب الطريقة التي تتصرف بها … كأني لم أدفع الثمن للجميع حين جئت بكم إلى هذا المنزل !
( تمسك بذراعه لكي تجعله يخرج إحدى يديه من جيبه ) : ماذا في جيبك ؟ ماذا تخفي ؟ أخرج يدك .
( ترفع يده من جيبه بشدة ويبدو الذعر على الجميع عندما يرون أن الصبي كان يحمل مسدساً ، تنظر إليه قليلا كأنها راضية عن ذلك ثم تقول بلهجة مكتئبة ) : هيه … من أين أتيت به ؟
( الصبي في دهشة بالغة ويأس بالغ .. لا يجيب بشي ويحملق بعينيه في الفضاء ).
مجنون ! إذا كنت مكانك ما قتلت نفسي بل كنت أقتل واحدا منهما أو كليهما … الأب ـ أو ـ الابن .
( تخفيه خلف شجرة " السرو " حيث كان يرقب قبل ذلك ، ثم تأخذ الفتاة الصغيرة من يدها وتسير بها إلى الحوض وتضعها بداخله وتجعلها ترقد بحيث تظل مختفية ، وأخيرا تسير على ركبتيها وتدفن رأسها بين يديها معتمدة على حافة الحوض ) .
المخرج : حسن جداً .
( إلى الابن ) : وفي نفس الوقت …
الابن : ( بغضب ) : ماذا تعني بقولك " وفي نفس الوقت " ؟.. أوه .. ليس صحيحاً ياسيدي ! ليس بيني وبينها أي مشهد .
( يشير إلى الأم ) : دعها تقص كيف حدث بالفعل .
( الممثلة الثانية والممثل الشاب ينفصلان عن مجموعة الممثلين ويحملقان في الابن والأم ليشاهدا ما سيحدث بينهما حتى يؤدياه بدقة فيما بعد ) .
الأم : نعم هذا صحيح ياسيدي … في هذا الوقت ذهبت أنا إلى حجرته .
الابن : في حجرتي … هل سمعت ؟ لم يكن في الحديقة .
المخرج : لا أهمية لذلك بالمرة ! فكما قلت سنجمع المناظر في مشهد واحد متناسق .
الابن : ( يشعر الآن أن الممثل الأول يحملق فيه ) : ماذا تريد أنت ؟
الممثل الشاب : لاشيء .. كنت أنظر إليك فقط .
الابن : ( ملتفتاً إلى الجانب الآخر وإلى الممثلة الثانية ) : وأنتِ ماذا تفعلين كذلك كي تقلدي دورها ؟. ( يشير إلى الأم ).
المخرج : هو ذلك تماماً ! هو ذلك تماما .. ويجب أن تكون شاكراً لهما هذا الانتباه .
الابن : آه نعم شكراً .. ولكن ألم تفهم حتى الآن أنك لن تتمكن من تمثيل هذه المسرحية ؟ فليس هناك أي أثر لنا فيك … وطيلة هذا الوقت كان لعب ممثليك في شكل سطحي فقط . هل تعتقد أننا يمكننا أن نعيش أمام مرآة لا تكتفي فقط بتجميدنا على صورة معينة بل تعكس علينا صورة لا نعرفها نحن أنفسنا على الإطلاق ؟
الأب : هذا صحصح ! إنه على حق ! وأنت مقتنع بذلك !
المخرج : ( إلى الممثل الشاب والممثلة الثانية ) : حسناً … ابتعدا عنهما .

الابن : لا فائدة … لن يتقمص شخصيتي أحد .
المخرج : اسكت أنت الآن ، ودعني أصغي إلى أمك ( إلى الأم ) كنت تقولين يا سيدتي إنك ذهبتِ إلى حجرته ؟
الأم : نعم يا سيدي ذهبت إلى حجرته فلم أعد أحتمل الكتمان أكثر من ذلك ، أردت أن أحدثه عن الآلام التي كانت تثقل قلبي … ولكن بمجرد أن رآني قادمة …
الابن : لم يحدث أي مشهد ـ لقد اندفعت خارجاً من الحجرة ، لقد اندفعت خارجا من الحجرة حتى لا يحدث أي مشهد بينك على الإطلاق … أفهمت ؟
الأم : صحيح … هذا ما حدث .. هذا ما حدث ! .
المخرج : ولكن يجب أن يكون هناك مشهد بينك وبينها .. لا بد من ذلك .
الأم : أما عن نفسي ياسيدي فأنا على استعداد ، وهذا إذا أرشدتني عن طريقة يمكنني أن أتحدث بها إليه لحظة واحدة وأروي له كل ما ينوء به قلبي .
الأب : ( يذهب إلى الابن في غضب جامح ) : ستفعل ذلك … ستقوم بالدور من أجل أمك !... من أجل أمك .
الابن : ( أكثر عناداً ) : لن أقوم بشي بالمرة .
الأب : ( يمسك به من خناقه ) : اسمع الكلام .. اسمع الكلام .. الا ترى كيف تسترضيك ؟ أليس لديك ذرة من الشعور بالبنوة ؟
الابن : ( يمسك به أيضاً ) : لا .. لا .. انهوا هذا الموضوع نهائياً .
( هياج عام في المسرح …. الأم مرتاعة تحاول أن تتدخل لتفرق بينهما ).
الأم : أرجوكم .. أرجوكم .
الأب : ( دون أن يترك الابن ) : يجب أن تطيع .. يجب أن تطيع .
الابن : ( يتشاحن معه وأخير يلقى به أرضا فيسقط قرب درجات السلم بين فزع الجميع ) : ما هذا الجنون الذي طرأ عليك ؟ ألا تخجل من أن تستعرض خزيك وعارنا أمام الجميع .. أنا لن أسمح بتقمص شخصيتي لأحد .. لن يتقمص شخصيتي أحد ! إن موقفي يعبر عن رغبة مؤلفنا جميعاً الذي لا يريد أن يقدمنا على المسرح .
المخرج : ولكن ما دمتم قد حضرتم إلى هنا .
الابن : ( يشير إلى الأب ) : هو وليس أنا .
المخرج : ألست أنت هنا أيضاً ؟.
الابن : هو الذي أرادني أن أحضر … وجرنا جميعاً معه ، وتبرع أيضاً أن يتم طهو الفكرة هناك بالاشتراك معك غير مقتنع بما حدث بالفعل ؛ كما لو كان ما حدث لا يكفي ، بل استرسل في إضافة أشياء لم تحدث أبداً .
المخرج : ولكن قل ـ قل أنت على الأقل ما حدث بالفعل .. قصه على … هل اندفعت أنت خارجاً من الحجرة دون أن تذكر شيئاً ؟
الابن : ( بعد لحظة تردد ) : نعم … دون أن أذكر شيئاً وذلك حتى لا يحدث أي مشهد .
المخرج : ( يحثه على الكلام ) : ثم بعد ؟ ماذا فعلت ؟
الابن : ( بين انتباه الجميع ـ يتقدم بضع خطوات على خشبة المسرح ) : لا شيء … بينما كنت أعبر الحديقة … ( يتوقف عن الكلام مذهولا مكتئبا ) .
المخرج : ( مستمراً في حثه على الكلام متأثراً لتحفظه ) : … بينما كنت تعبر الحديقة ..
الابن : ( في غضب يخفي وجهه بذراعه ) : ولكن لماذا تريد أن تجبرني على الكلام ياسيدي ، هذا مريع .
( الأم ترتجف وتصدر عنها تنهدات مخنوقة عند ما تنظر إلى الحوض ).
المخرج : ( ببطء ملاحظاً المكان الذي تنظر إليه الأم .. يلتفت إلى الابن وقد بدأ يفهم ثم يقول ) : الفتاة الصغيرة ؟
الابن : ( ينظر أمامه في صالة المتفرجين ) : هناك في الحوض …
الأب : ( على الأرض يشير إلى الأم بصوت ملؤه الشفقة ) : وكانت تتعقبه ياسيدي .
المخرج : ( للابن بقلق ) : وحينئذ ماذا فعلت ؟
الابن : ( ببطء ـ مستمر في النظر أمامه ) : جريت واندفعت نحوها لكي أنتشلها … وفجأة توقفت … وهناك خلف الشجرة لمحت شيئاً تجمد له الدم في عروقي : الولد .. الولد الذي كان يقف هناك … جامداً … وبريق الجنوب يشع من عينيه يحملق في الحوض في أخته الصغيرة وهي تغرق .
( تسمع ابنة الزوجة التي كانت طوال ذلك الوقت منثنية فوق حافة الحوض لتخفي الفتاة الصغيرة تجيب في صوت كأنه رجع الصدى يأتي من الأعماق ) .
( فترة سكون ) : فتقدمت منه عندئذ … ثم
( دوي طلقة مسدس خلف الأشجار حيث الفتى مازال مختفياً ) ,
الأم : ( تصرخ صرخة حادة مندفعة خلف الشجرة مع ابنها وجميع الممثلين .. هرج عام في المسرح ) : ولدي .. ولدي .
( ثم خلال الهرج يعلوا صوتها على صوت الآخرين ) : النجدة النجدة .
المخرج : ( يحاول بين كل هذا الضجيج أن يجد لنفسه مكاناً بين الممثلين المجتمعين حول مكان الصبي الصغير في حين يحمل الفتى من رأسه ورجيله .. وينقله إلى الخارج خلف الستار الأبيض ) : هل جرح ؟ جرح حقا .
( الجميع عدا المخرج ، والأب الذي مازال على الأرض بالقرب من السلم ، يختفون خلف الستار الذي يمثل منظر السماء ويمكن سماعهم يتناقشون ويتعجبون في انفعال شديد ـ ثم يدخل الممثلون بعضهم من أحد الجوانب ، والبعض من الجانب الآخر) .
الممثلة الأولى : ( تدخل من الجانب الأيمن متألمة للغاية ) : لقد مات ! يا للولد المسكين ! مات ! يا للفضاعة .

الممثل الأول : ( يدخل من الناحية اليسرى للمسرح ضاحكاً ) : وكيف مات .. هذا وهم ـ وهم لا تصدقي .
الممثلون الآخرون : وهم ؟ بل حقيقة .. حقيقة .. مات حقيقة .
ممثلون آخرون : لا … تمثيل .. تمثيل .
الأب : ( يقف صارخاً فيهم ) : أي تمثيل ؟ .. حقيقة يا سادة .. حقيقة !
( يختفي هو أيضا في يأس خلف الستار) .
المخرج : ( في قمة هياجه ) : وهم ! حقيقة ! اذهبوا إلى الجحيم جميعكم ـ أضئ الأنوار .. الأنوار …. الأنوار .
( يغمر المسرح فجأة ضوء شديد ساطع ، يتنفس المخرج كأن حملا ثقيلا قد أزيح من على كاهله ؛ يقف الجميع تائهين في حيرة ) .
المخرج : لم يحدث لي شئ مثل ذلك من قبل .. لقد أضاعوا علىّ يوماً بأكمله . ( ينظر إلى ساعته ) انصرفوا .. انصرفوا .. ماذا يمكن أن تؤدوه الآن ؟ الوقت متأخر جدا لعمل التدريبات .. إلى اللقاء مساءً .
( بمجرد خروج الممثلين وهم يحيونه ) : عامل الكهرباء .. أطفى الأنوار .
( لم يكد يفرغ من إصدار أوامره حتى يصبح المسرح في ظلمة حالكة )
المخرج : لعنة الله عليك .. أترك لي مصباحا صغيرا حتى أستطيع أن أرى موضع قدمي .

( يظهر في الحال كما لو كان قد أضئ خطأ ـ خلفت الستار الذي يمثل السماء كشاف أخضر وتنعكس على الستار ظلال كبيرة للشخصيات الست ـ عدا الفتى والطفلة ـ عندما يراهم المخرج يفر هاربا من على خشبة المسرح ، في نفس الوقت يطفأ الكشاف خلف المنظرـ يعود المسرح الآن إلى الضوء الأزرق القمري الذي كان يغمره من قبل .
تبدأ الشخصيات الست في الخروج من الناحية اليمنى خلف الستار الأخضر في بطء شديد إلى مقدمة المسرح .. يخرج الأب أولا تتبعه الأم مادة ذراعيها نحوه .. ثم يخرج الأب من الناحية اليسر للمسرح ، بعد أن يتقدموا إلى منتصف المسرح يقفون في منتصف الطريق كأنهم في غيبوبة أو كأنهم في حلم .
وأخيراً تخرج ابنة الزوجة من الناحية اليسرى وتجري برشاقة تجاه السلالم المؤدية إلى الصالة ، وعندما تصل قدمها إلى أول درجة من السلالم ، تقف فجأة في ذهول لحظة لتنظر إلى الثلاثة الآخرين ثم تنفجر في ضحكة جنونية .. ثم تعدو هابطة السلم .. تجري عبر الممر بين الكراسي .. تتوقف مرة أخرى وتضحك من جديد ناظرة إلى الثلاثة الذين يقفون فوق المسرح ، ثم تختفي من القاعة ومازالت ضحكاتها تدوي بين أرجاء المسرح بأجمعه .. (( فترة صمت )) قصيرة ، ثم يسدل ستار النهاية .


منقول للفائدة