مر و الرموز القادة لا يزالون في قبضة السجان الخليفي|| الوصلة الغير مغلقة للموقع هي bahrainonline.petrix.net

عرض النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قراءة في بيانات الثورة للإمام الحسين (ع) / بحث للأستاذ عبدالوهاب حسين لصالح التوعية

  1. #1

    افتراضي قراءة في بيانات الثورة للإمام الحسين (ع) / بحث للأستاذ عبدالوهاب حسين لصالح التوعية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قراءة في بيانات الثورة للإمام الحسين (عليه السلام )

    الموضوع : بحث لعبد الوهاب حسين .
    العنوان : قراءة في بيانات الثورة للإمام الحسين ( عليه السلام ) .
    المناسبة : الذكرى السنوية لشهادة الإمام الحسين ( عليه السلام ) .
    التاريخ : 22 / ذو القعدة / 1426هـ .
    الموافق : 25 / ديسمبر ـ كانون الأول / 2005م .
    ملاحظة : كتب هذا البحث لصالح جمعية التوعية الإسلامية ـ البحرين.



    هدف البحث : المساهمة في البلورة البحثية للمنهج الثـوري للإمام الحسين ( عليه السلام ) من خلال اكتشاف الجوانب الحركية وخلفياتها الفكرية والفقهية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية في بياناته ( عليه السلام ) ليكون منهجه الثوري في متناول الثوار المؤمنين .. وليس هدف البـحث التأسيس العلمي للـخطاب الإسلامي الثوري .
    ( بحث في المنهج وليس في الخطاب ) .

    مفهوم الثورة : الثورة خروج على نظام الحكم القائم في بلد معين ( وطنيا كان أو أجنبيا ) تشارك فيه قطاعات واسعة من أبناء الشعب ، تتبنى فلسفة واضحة المعالم ، وتسير وفق خط مبدئي ( قيم ومبادئ وطموحات وتطلعات حضارية ) يتبناه القائمون على الثورة ، وتهدف الثورة إلى تحقيق أهداف ومكاسب مادية ومعنوية إلى كافة المواطنين ، من شأنها أن تحدث تغييرا جوهريا في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في الدولة والمجتمع . ويحتاج حدوث الثورة إلى انتشار الوعي بين الجماهير ، وتوفر الإرادة السياسية لديها إلى التغيير ، وتوفر القيادة الحكيمة التي تمتلك الشجاعة والاستعداد إلى التضحية والسير قدما بالشعب إلى تحقيق أهدافه وطموحاته . ولا تكون الثورة صحيحة ومقبولة ( عقلا وشرعا ) إلا عندما تكون موجهة ضد نظام منحرف عقائديا ومستبد ، من أجل إقامة الحق وتحقيق التقدم والحرية والعدالة والفضيلة والرخاء والمساواة بين كافة المواطنين وعدم التمييز بينهم في الحقوق على أساس العرق أو الدين أو اللغة أو الجنس أو غير ذلك . والثورة قد تحدث بصورة فجائية أو تدريجية ، عنيفة أو سلمية ، إلا أنها لا تتبع الطرق الدستورية المقررة في الدولة التي تقوم فيها ، وينتج عن الثورة سقوط الدستور ، وانهيار النظام الحاكم ، ولكنها لا تمس شخصية الدولة والتزاماتها الدولية . فالثورة ليست ممارسة عنيفة ضد الأوضاع دون الأخذ بعين الاعتبار ظروف الساحة وكافة أبعادها في الحاضر والمستقبل ، وإنما تعني التركيز على الهدف ، وتنظر إلى القوة والرفق كأسلوبين طبيعيين لكل واحد منهما مكانه وشروطه التي ينبغي التأكد من ملاءمتها قبل الممارسة ، فلا تنازل عن موقف يحتاجه الهدف ، ولا ضعف عن المواجهة التي يفرضها التحدي ، ولا استخدام للقوة بدون مبرر . وللثورة مبرراتها المقبولة ( عقلا وشرعا ) لـدى القائـمين عليها .. منها : الانحراف الإيديولوجي للنظام عن عقيدة الشعب ، والفساد الإداري والمالي في الدولة ، وتفشي الظلم والفقر والحرمان والمشكلات الاجتماعية المزمنة ، والتفاوت الطبقي الفاحش بين أبناء الشعب ، والصراعات السياسية بين مختلف الأطراف ، والتمييز الديني والعرقي بين أبناء الشعب الواحد ، واستئثار القائمين على السلطة بالثروة وصناعة القرار في الدولة .. وابتعادهم عن الشعب ، وشيوع التذمر وعدم الرضا بين المواطنين . ويعبر العرب ( قديما ) عن الثورة بـ( الفتنة ) وفي الاصطلاح الشـرعي يـعبر عنها بـ( القيام ) و ( الخروج ) . وتعتبر الثورة الانجليزية عام ( 1688م ) والثورة الأمريكية عام ( 1776م ) والثورة الفرنسية عام ( 1789م ) والثورة الروسية عام ( 1917م ) والثورة الصينية عام ( 1949م ) والثورة الإسلامية الإيرانية عام ( 1997م ) من أشهر الثورات في التاريخ الحديث والمعاصر .

    التعريف بالإمام الحسين ( عليه السلام ) :

    الاسم : الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .
    أمه : فاطمة الزهراء بنت الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سيدة نساء العالمين ( عليها السلام ) .
    كنيته : أبو عبد الله .
    القابه : السبط ـ شهيد كربلاء .
    اليوم وتاريخ الولادة : الأحد ( 3 / شعبان / 4هـ ) .
    الموافق : ( 5 / فبراير ـ شباط / 626م ) .
    مكان الولادة : الحجاز ـ المدينة المنورة .
    اليوم وتاريخ الشهادة : الجمعة (10 / محرم / 61هـ ) .
    الموافق : ( 10 / أكتوبر ـ تشرين الأول / 680م ) .
    قاتليه : جيش الخليفة الأموي الثاني ( يزيد بن معاوية ) مع ثلاثة وسبعين من أهل بيته وأنصاره .
    مكان الشهادة والدفن : العراق ـ كربلاء المقدسة .

    أولاده : له ستة ذكور وثلاث بنات .. وهم :

    ( 1 ) : علي الأكبر ( استشهد في كربلاء ) وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي .
    ( 2 ) : الإمام علي السجاد ( زين العابدين ) وأمه شاه زنان ( معناه : ملكة النساء ) بنت يزجدر كسرى ملك الفرس .
    ( 3 ) : جعفر ، مات في حياة أبيه ، ولا خلف له ، وأمه قضاعية .
    ( 4 ) : عبد الله الرضيع ، قتل في واقعة كربلاء وهو رضيع ، جاءه سهم وهو في حجر أبيه فذبحه من الوريد إلى الوريد ، وأمه الرباب بنت أمريء القيس الكلبي .
    ( 5 ) : سكينة ، أمها الرباب بنت أمريء القيس الكلبي .
    ( 6 ) : فاطمة ، وأمها بنت إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله تيمية .
    ( 7 ) : رقية ، وهي المدفونة بالشام في سوق العمارة ، ولها ضريح يزار هناك .

    خلاصة سيرته الطاهرة : هو السبط الثاني للرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والإمام الثالث من أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) تولي الإمامة بعد شهادة أخيه الإمام الحسن ( عليه السلام ) مسموما على يد زوجته ( جعدة بنت الأشعف بن قيس ) بتحريض من الخليفة الأموي الأول ( معاوية بن أبي سفيان ) في يم الاثنين بتاريخ : ( 28 / صفر / 50 هـ ) الموافق : ( 28 / مارس ـ آذار / 670م ) ولما هلك ( معاوية بن أبي سفيان ) في يوم الجمعة بتاريخ ( 15 / رجب / 60هـ ) الموافق ( 23 / أبريل ـ نيسان / 680م ) امتنع الإمام الحسين ( عليه السلام ) عن بيعة أبنه ( يزيد ) بالخلافة ، وعلم أهل الكوفة بذلك ، فكاتبوا الإمام الحسين ( عليه السلام ) بالطاعة والثورة ضد يزيد ، وأرسلوا إليه الوفود بهذا الأمر ، فاستجاب لهم وسافر إلى العراق ، ولكنهم خذلوه تحت تأثير الترهيب والترغيب وحب الدنيا ، فقتله الجيش الأموي في كربلاء المقدسة في يوم الجمعة بتاريخ : (10 / محرم / 61هـ ) الموافق : ( 10 / أكتوبر ـ تشرين الأول / 680م ) وهي الفاجعة التي هزت الضمير الإسلامي والإنساني ، ولا زالت تهزهما ، وسوف تبقى تهزهما إلى يوم القيامة !!

    العناصر الأساسية لتشكيل الفاجعة : تتشكل الفاجعة من ثلاثة عناصر رئيسية تحدد نوعها المتميز في التاريخ الإسلامي والإنساني .. وهي :

    العنصر الأول ـ القاتل : جيش الخلافة الإسلامية .

    العنصر الثاني ـ المقتول : سبط الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسيد شباب أهل الجنة .

    العنصر الثالث ـ طريقة القتل وما بعده : أناس من المسلمين طبع الله ( عز وجل ) على قلوبهم فأنساهم ذكر الله ( تبارك وتعالى ) فهم لا يرون قيمة للحق والعدل والفضيلة ، تجمعوا في كربلاء المقدسة لقتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) تنفيذا لإرادة السلطة ، تحت تأثير الطمع والترهيب وحب الدنيا ، فقتلوه مع كافة أصحابه غريبا عطشانا بصورة ذات قساوة ووحشية بعيدة عن الروح والقيم الإنسانية ، وقتلوا بعض الأطفال والنساء من أهل بيته ، ورضوا جسده بحافر الخيل ، ورفعوا رؤوس القتلى فوق الرماح ، وحرقوا خيامه ، وسبوا نساءه وأطفاله ( وهم أهل بيت النبوة ) وأخذوهم ( على أسوء حال ) أسرى إلى قصر الخلافة في الشام !!

    من صفاته ( عليه السلام ) : الوفاء ، والشجاعة ، والحلم ، والكرم ، والتواضع ، وصلة الرحم ، وإكرام الضيف ، ونجدة المظلوم ، والاهتمام بالفقراء ، والأيتام ، والمساكين ، وتفقد أحوالهم ، وإسعافهم ، وقضاء حوائجهم .


    البيان الأول ـ فلسفة الثورة


    المناسبة : توديع الصحابي الثائر ( أبي ذر الغفاري ) سنة ( 30هـ / 650م ) وقد أخرجه الخليفة الثالث ( عثمان بن عفان ) من المدينة المنورة إلى منطقة الربذة ( على بعد ثلاثة أميال من المدينة ) بعد أن أخرجه ( معاوية بن أبي سفيان ) قبل ذلك من الشام ، بسبب ثورته على الانحراف والظلم والاستبداد والاضطهاد والتمييز بين المسلمين والفساد المالي في الدولة الإسلامية ، وقد فشل الخليفة ( عثمان بن عفان ) في إسكاته بكل وسائل الترهيب والترغيب ، فأمره بالرحيل إلى الربذة ، وكلف ( مروان بن الحكم ) بالإشراف على خروجه ، ومنع الناس من الخروج لوداعه ، فلم يخرج لوداعه غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وولديه : الحسن والحسين ( عليهم السلام ) وأخيه عقيل بن أبي طالب وتلميذه النجيب عمار بن ياسر ( رضي الله تعالى عنهما ) وقد حاول ( مروان بن الحكم ) منعهم من التوديع ، إلا أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) تقدم إليه وضرب بسوطه رأس راحلته قائلا : " تنح نحاك الله إلى النار " فرجع ( مروان بن الحكم ) شاكيا إلى الخليفة ( عثمان بن عفان ) وقام الأشخاص الأربعة بواجب التوديع ، وقد تكلم كل واحد منهم بكلام يتناسب مع المقام .. وكان كلام الإمام الحسين ( عليه السلام ) وهو في الثلاثين من عمره :

    نص البيان : " يا عماه : إن الله قادر أن يغير ما قد ترى ، والله كل يوم هو في شأن ، وقد منعك القوم دنياهم ، ومنعتهم دينك ، وما أغناك عما منعوك ، وأحوجهم إلى ما منعتهم ، فسأل الله الصبر والنصر ، واستعذ به من الجشع والجزع ، فإن الصبر من الدين والكرم ، وأن الجشع لا يقدم رزقا ، والجزع لا يؤخر أجلا " .
    ( أبو ذر الغفاري . السيد الأمين . ص 50 ) .

    أولا ـ بين يدي البيان : إن خروج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وولديه : الحسن والحسين ( عليهم السلام ) والصحابيين : عقيل بن أبي طالب وعمار بن ياسر ( رضي الله تعالى عنهما ) لوداع الصحابي الثائر أبي ذر الغفاري ( رضي الله تعالى عنه ) مع منع الخليفة عن توديعه ، يؤسس ( إسلاميا ) لقاعدتين مهمتين في العمل الإسلامي المعارض للسلطات المستبدة الظالمة في العالم الإسلامي .. والقاعدتين هما :

    القاعدة الأولى : أن الالتزام بالحق والحقوق والعدل والفضيلة ، مقدم على الالتزام بالقوانين المخالفة لها .

    القاعدة الثانية : أن القوانين المخالفة للحق والحقوق الثابتة ( دستوريا ) باطلة وليس لها حرمة قانونية .. وينبغي الخروج عليها في سبيل : إحقاق الحق ، وإقامة العدل ، ونشر الفضيلة ، واسترجاع الحقوق .

    ثانيا ـ قراءة في البيان : لقد لخص الإمام الحسين ( عليه السلام ) في هذه الكلمات القليلة ، النظرة الفلسفية لدى الثوار المؤمنين التي يستندون إليها في ثوراتهم على الظلم والاستبداد طوال التاريخ ، وعلى ضوء أنوارها القدسية ، نفهم حقيقة ثورته المباركة العظيمة ضد الخليفة الطاغية ( يزيد بن معاوية ) .

    ويتضمن البيان الكثير من الحقائق والأفكار .. وهي كالتالي :

    أولا ـ قوله ( عليه السلام ) : " يا عماه : إن الله قادر أن يغير ما قد ترى ، والله كل يوم هو في شأن " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : رؤية الله ( تبارك وتعالى ) للواقع الذي يعيشه الناس وهيمنته عليه وقدرته على تغييره .

    النقطة الثانية : الإشارة إلى عدم توقف الله ( تبارك وتعالى ) عن الخلق والإبداع ، مما يجعل تغير الأوضاع مأمولا ، وهذا من شأنه ( بالتأكيد ) أن يبعث الأمل في قلوب المستضعفين والثوار المؤمنين .

    قال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " الله تعالى كل يوم في شأن ، فإن من شأنه أن يغفر ذنبا ، ويفرج كربا ، ويرفع قوما ، ويضع آخرين " ( من وحي القرآن . فضل الله . ج 21 . ص 313 ) .

    ويدل هذا المقطع من البيان على أمور عديدة مهمة .. منها :

    الأمر الأول : أن الأحداث تجري بعين الله ( تبارك وتعالى ) وهو القادر ( وحده ) على أن يفعل ما يشاء .. وعليه : فإن الوضع الاستكباري والاستبدادي الظالم مهما عظم وكبر ، فإنه لا يدخل اليأس إلى قلوب المؤمنين ، لأن الله ( تبارك وتعالى ) ( عندهم ) أعظم منه وأكبر ، وأنه ( جل جلاله ) قادر على تغييره متى شاء . فالإنسان المؤمن والقوى الثورية المؤمنة تعيش ( دائما ) في ظل عقيدة التوحيدية العظيمة المباركة ، الأمل في تغيير الأوضاع الظالمة والمنحرفة ، ولا تيأس من تغييرها ، مهما عظمت وكبرت ، وعظم تجبر القائمون عليها وعظم طغيانهم ، وعظم بطشهم وتنكيلهم ، وعظمت وكبرت إمكانياتهم وقدراتهم المادية والبشرية ، وعظمت وكبرت وكثرت الصعوبات في وجه التغيير .

    ومن جهة ثانية : فإن الإنسان المؤمن ( نفسه وعمله ) والقوى الثورية المؤمنة هم بعين الله ( تبارك وتعالى ) ولن يصيبهم إلا ما كتبه الله ( رب العزة والكبرياء والجلال والعظمة ) عليهم ، فلا أحد يستطيع أن يضرهم أو ينفعهم إلا بإذن الله السميع العليم ( جلت وعظمت قدرته ) وهذا مما يشعر الإنسان المؤمن والقوى الثورية المؤمنة ( دائما ) بالاطمئنان إلى التسديد الإلهي لهم في التفكير والعمل ، وعدم خوفهم من القوى الاستكبارية والطاغوتية المستبدة والظالمة أثناء قيامهم بدورهم الجهادي التغييري في الحياة .

    الأمر الثاني : أن الهزيمة الظاهرية ( السياسية أو العسكرية ) للقوى الثورية المؤمنة ، أتباع الحق وأنصار العدل والحرية والفضيلة والكرامة ، لا تمثل نهاية المطاف في الصراع بين قوى الحق والباطل ، وقوى النور والظلام ، وقوى الخير والشر ، وقوى العدل والظلم ، وقوى الفضيلة والرذيلة ، وقوى الكرامة والمذلة . فالحق والعدل والنور والفضيلة والكرامة والحرية هي المنتصرة ( من الناحية الواقعية ) دائما وابدأ ، لأنها قادرة ( ذاتيا ) على الاستمرار والبقاء ومواصلة الصراع مع أضدادها ، وإن هزم أتباعها في معركة ( سياسية أو عسكرية ) في وقت معين .

    والخلاصة : لا ينبغي أن يدخل اليأس إلى قلوب القوى الثورية المؤمنة أتباع الحق ، وأنصار العدل والحرية والفضيلة والكرامة مهما قست الظروف عليهم ، وعليهم أن يستفيدوا من الأخطاء ، ويطـوروا التجربة الثورية والجهادية بتوفير الشروط الموضوعية للنصـر ( بصورة أفضل ) ويعيدوا الكرة تلو الكرة دون وهن أو ضعف أو سأم ، حتى يستطيعوا في نهاية المطاف أن يحققوا النصر الظاهري إلى جانب النصر الواقعي للحق والعدل والحرية والفضيلة والكرامة على وجه الأرض .

    قال الله تعالى : { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ . أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } .
    ( آل عمران : 139 ـ 142 ) .

    وقد أثبتت تجارب التاريخ الطويل : أن الحق هو المنتصر رغم تعرض أتباعه لهزائم كبيرة وخسائر فادحة ، بدليل سقوط دول الباطل والظلم والقهر والعدوان الواحدة تلو الأخرى ، والحق قائم وصامد وثابت وقادر على المقاومة مدى التاريخ ، وتزداد فرصه يوما بعد يوم لتحقيق النصر المطلق على دول الباطل والقضاء النهائي عليها .

    الأمر الثالث : أن تكليف المؤمنين والقوى الثورية المؤمنة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ( عز وجل ) والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة ، والدفاع عن المظلومين والمضطهدين والمستضعفين في الأرض ، وأن يبذلوا وسعهم في توفير الشروط الموضوعية المطلوبة لتحقيق النجاح وتحصيل أفضل النتائج .. وأهمها : القيادة الحكيمة ، والكفاءة في الأداء ، والانضباط التنظيمي ، والشجاعة ، والصبر ، والإخلاص ، والاستعداد التام لتقديم التضحيات اللازمة ، واختيار الظروف والتوقيت المناسب للمعركة .. غير أن النتائج في الحقيقة ليست بأيدهم ، وهم غير مسؤولين عنها بعد أن يستفرغوا وسعهم في تشخيص الواقع ، وأداء التكليف على أحسن وأكمل وجه ، فالنتائج بيد الله ( تبارك وتعالى ) وحده ، وليس على الإنسان المؤمن والقوى الثورية المؤمنة إلا أداء تكليفهم الشرعي في الحياة ، وأن يسلموا الأمر في النتائج إلى الله ( تبارك وتعالى ) وحده .. مع التأكيد : أن الصدق والإخلاص إلى الله ( تبارك وتعالى ) واستفراغ الوسع في توفير الشروط الموضوعية ، وتقديم التضحيات اللازمة .. هي : من أكثر العوامل تأثيرا لتحقيق النجاح وتحصيل أفضل النتائج .

    الأمر الرابع : أن أفضل النتائج هي النتائج التي تحافظ على وجود الدين والقيم المعنوية في المجتمع ، وعلى المصالح الجوهرية ( المادية والمعنوية ) للناس ، وقد تتطلب المحافظة عليها من الثوار المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) التضحية بأنفسهم ، وأموالهم ، وراحتهم ، وأمنهم ، واستقرارهم ، وما يملكون .. وأن عليهم أن يفعلوا ذلك بنفس راضية مطمئنة .

    قال الله تبارك وتعالى : { وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } ( آل عمران : 157 ) .

    وهذا لا يعني بأنهم لا يفكرون بصورة واقعية ، وإنما يعني تقديمهم لرضا الله ( تبارك وتعالى ) ومصلحة الدين ، والقيم المعنوية ، على المصالح المادية ، وتقديم المصالح العامة للدين والمجتمع على مصالحهم الخاصة والشخصية .. قربة إلى الله ( عز وجل ) .

    ونخلص من ذلك إلى ثلاث نتائج رئيسية .. وهي :

    النتيجة الأولى : أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة في حسابات الإنسان المؤمن والقوى الثورية المؤمنة في الحياة ، وأنهم يرون أن تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة يعود عليهم بنفع أكبر في الدنيا والآخرة .

    النتيجة الثانية : أن التضحيات وإن عجزت عن تغيير الواقع .. في وقت معين ، إلا أن النتائج الإيجابية التراكمية للتضحيات المستمرة ، سوف تؤدي حتما إلى إصلاح الواقع وتطويره { وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } بينما يؤدي العزوف عن التضحيات إلى تراكم الانحراف والفساد والظلم والاضطهاد والاستبداد والتخلف ، مما يؤدي بالإنسان إلى أن يعيش ذليلا مظلوما مقهورا ، ويدفع من إنسانيته وكرامته ومصالحه الجوهرية ثمنا أكبر بكثير من التضحيات التي تتطلبها الثورة والتغيير والإصلاح ، ويقع عليه من جراء السكوت والتقاعس الضرر البليغ في الدين والدنيا والآخرة . وهذا ما لا يدركه أصحاب النظرة المادية للحياة ، الذين تخضع حساباتهم للتحليل المادي في الربح والخسارة ، ولا يدركه ضعاف الإرادة والنفوس ، الذين لا يدركون الأبعاد الحقيقية للأوضاع ، ويقدمون مصالحهم الشخصية الآنية ( طائعين أو تحت تأثير الترهيب والترغيب ) على مصلحة الدين والقيم المعنوية والمصالح العامة للمجتمع ، كما لا يدركه أصحاب النظرة الآنية القصيرة الذين تتجمد عيونهم وعقولهم وقلوبهم على اللحظة القائمة ( فعلا ) بعيدا عن النظر إلى حركة التاريخ ، وتبدل الأوضاع ، وتغير موازين القوى في المجتمعات والدول .

    القرآن الكريم يؤكد لنا على أن موازين القوى في المجتمعات والدول تتغير وتتبدل ، فالقوي يمكن أن يتحول إلى ضعيف ، ويتحول الضعيف إلى قوي ، والمنهزم يمكن أن يتحول إلى منتصر ، ويتحول المنتصر إلى منهزم .. وهكذا .

    قال الله تعالى : { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } ( آل عمران : 139 ـ 140 ) .

    وقال الله تعالى : { غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } ( الروم : 2 ـ 5 ) .

    وهذا ما تثبته التجربة التاريخية المستوعبة ( كحقيقة ) لنا جميعا ، مما لا يجعل أي مجال للشك فيها .. ومع ذلك : نجد أمامنا منهجين في تعاطي القوى السياسية مع الحكومات المستبدة والقوى الاستكبارية .. والمنهجان هما :

    المنهج الأول : يرى أصحابه بأن تغيير ميزان القوى لا يأتي دفعة واحدة وإنما بالتدريج ، وذلك في ظل تطوير الشعوب المستضعفة لتجاربها في الثورة والمقاومة ، وتقديمها التضحيات المستمرة والمتواصلة التي من شأنها أن تزيد من قوة المستضعفين ونفوذهم بالتدريج ، وتنقص من قوة المستكبرين ونفوذهم بالتدريج ، حتى تحين ساعة تغير ميزان القوة ، التي يتحول فيها الضعيف إلى قوي ، والمنهزم إلى منتصر .

    وعليه : يصر أصحاب هذا المنهج على الرفض والثورة والمقاومة ، والسعي إلى تطوير التجربة الثورية والجهادية ، وتقديم التضحيات اللازمة حتى تحين ساعة النصر على الأعداء . وهذا هو المنهج القرآني الذي يعمل من خلاله الثوار المؤمنون ، وكان في طليعتهم الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيته الطيبين الطاهرين ( عليهم السلام ) حيث كان الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يأمر أصحابه ( في مكة ) بالصبر أمام جبروت واضطهاد قريش ، حتى حانت ساعة الانتصار والقضاء النهائي على الأعداء .

    المنهج الثاني : يجمد تفكير أصحابه على اللحظة وإدراك صعوبة الواقع فيها ، ويرون من خلالها عدم إمكانية التغيير ، وعبثية المقاومة والتضحية ، فيستسلموا ويقبلوا بالأمر الواقع صاغرين ، ويدعوا إلى القبول به تحت عنوان الدبلوماسية والحكمة والواقعية .. وأرى في هذا المنهج بأنه :

    أولا ـ غير واقعي : لأنه أغفل التجربة التاريخية برمتها .
    ثانيا ـ غير حكيم : لأنه قبل بالذل والصغار .
    ثالثا ـ مخالف للعقل والفطرة : لأنهما يرفضان القبول بالذل والصغار والهوان .
    رابعا ـ غير قرآني ومخالف للدين : لأنه يتصرف على خلاف الحقائق التي يطرحها القرآن الكريم وسير الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) .

    وباختصار شديد : هو منهج قصيري النظر ، وضعاف النفوس والإرادة ، وقليلي الخبرة والتجربة ، الذين يعملون على غير بصيرة ولا هدى ولا كتاب منير .

    النتيجة الثالثة : أن المصالح المعنوية مقدمة على المصالح المادية في حسابات الإنسان المؤمن والقوى الثورية المؤمنة في الحياة ، لأن إنسانية الإنسان وعزته وشرفه وكرامته وسعادته في الدنيا والآخرة تتوقف على ذلك .

    والخلاصة : أن الثوار المؤمنين والمجاهدين الأعزاء ، لا ينطلقون في جهادهم وثورتهم من مصالحهم المادية والشخصية ، وإنما ينطلقون من رضا الله ( تبارك وتعالى ) والمحافظة على الدين والقيم المعنوية والمصالح الجوهرية ( المادية والمعنوية ) إلى الناس ، وإن تطلب ذلك منهم التضحية بأنفسهم ، وأموالهم ، وراحتهم ، وأمنهم ، واستقرارهم ، وما يملكون ، وأنهم لا يتجاهلون النتائج المباشرة للحدث ، وإنما ينظرون إلى النتائج التراكمية الإيجابية للتضحية ، وإلى النتائج التراكمية السلبية للعزوف عنها أيضا .

    ثانيا ـ قوله ( عليه السلام ) : " وقد منعك القوم دنياهم ، ومنعتهم دينك ، وما أغناك عما منعوك ، وأحوجهم إلى ما منعتهم " .

    يتضمن هذا المقطع نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الإشارة إلى منطلقات الصراع والاختلاف الدائر بين أبي ذر ( رضي الله تعالى عنه ) والسلطة ، حيث ينطلق أبو ذر ( رضي الله تعالى عنه ) من خوفه على الدين والآخرة والعدالة الاجتماعية ، وخوف السلطة على الدنيا والثروة والنفوذ .

    النقطة الثانية : الغنى المعنوي لأبي ذر ( رضي الله تعالى عنه ) عما في أيدي السلطة من النفوذ والثروة ، وفقرهم المعنوي إلى مـا عنده من الإيمان والقيم السماوية والإنسانية العالية .

    ويدل هذا المقطع من البيان على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : أن نظام الحكم القائم على الرؤية المادية للحياة هو نظام عقيم وظالم ، وهو عبارة عن كتلة قذرة من المنافع المادية وشهوة الحكم وجنون العظمة ، تمتاز بالصلابة والعفونة .. وأن الحكام في ظل هذا النظام : ينظرون إلى الإنسان على أنه مجرد وسيلة لإشباع نزواتهم وطموحاتهم غير المشروعة إلى السلطة والثروة ، وهم لا يتنازلون عن ظلمهم وامتيازاتهم وصلاحياتهم ومصالحهم غير المشروعة .. إلا مكرهين ، وإنهم يمتلكون كامل الاستعداد لأن تجري الدماء أنهارا على وجه الأرض لكي يحتفظوا بالسلطة والثروة والامتيازات المحرمة .

    الأمر الثاني : لقد ربى الإسلام العظيم المؤمنين على الثورة والمطالبة بالحق والعدل والحرية والفضيلة والكرامة وكافة الحقوق ، فهم دائما في حالة استنفار ضد قوى الباطل والظلم والظلام والاضطهاد والاستبداد والتخلف والفساد ، وقد أعطى للمظلومين الحق في انتزاع حقوقهم من الظالمين ، وحرضهم على ذلك ، ليكون الجهاد أوسع باب من أبواب الجنة .. وأكثر الأعمال محبوبية إلى الله ( تبارك وتعالى ) .

    قال الله تعالى : { وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ . إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
    ( الشورى : 41 ـ 42 ) .

    وقال الله تعالى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } ( الحج : 39 ـ 40 ) .

    وقال الله تعالى : { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا . وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا . الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } ( النساء : 74 ـ 76 ) .

    وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : " أما بعد : فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فتحه الله لخاصة أوليائه ، وهو لباس التقوى ، ودرع الله الحصينة ، وجنته الوثيقة .. فمن تركه رغبة عنه : ألبسه الله ثوب الذل ، وشمله البلاء ، وديث بالصغار والقماء ، وضرب على قلبه بالأسداد ، وأديل الحق منه بتضييع الجهاد ، وسيم الخسف ، ومنع النصف " ( نهج البلاغة . ص 121 ) .

    الأمر الثالث : ينطلق الثوار المؤمنون في صراعهم مع السلطات الحاكمة المستبدة وسائر خصومهم السياسيين والعسكريين ، من حرص الثوار المؤمنين على دينهم والآخرة ، والالتزام بما يأمرهم الله ( تبارك وتعالى ) به من المحافظة على الحق والعدل والفضيلة والكرامة والمصالح الجوهرية إلى الناس . بينما ينطلق القائمون على السلطة المستبدة الظالمة وسائر الخصوم السياسيين والعسكريين للثوار المؤمنين ، من حرصهم على الدنيا وسعيهم النزق للاستئثار بالسلطة والثروة ، فيوقعهم ذلك في الظلم والرذيلة والاستبداد والاضطهاد والتعدي على حقوق الآخرين وظلمهم ، فيقع الصراع بينهم وبين الثوار المؤمنين .

    ومن النتائج المهمة لهذا الطرح : أن المؤمنين الصادقين قد يختلفوا مع بعضهم في الآراء والمواقف السياسية ، ولكن هدفهم من وراء الاختلاف هو رضا الله ( تبارك وتعالى ) والمصلحة العامة وليس المصالح الخاصة .. وعليه : فالمؤمنون لا يتحولون إلى خصوم وأعداء سياسيين ، فضلا عن أن يقع بينهم القتل والقتال ، لأن المؤمن لا يهدد المؤمن في دينه وآخرته ، ولا يسعى للإضرار بمصالحه المادية المشروعة ، والتنافس على المناصب والوجاهة والمصالح المادية يمكن حدوثه بين عامة المؤمنين لا خاصتهم ، إلا أنه لا يمكن أن يخرج عن دائرة ما هو مسموح به شرعا ، مما يمنعهم من تحويل هذا التنافس إلى عداء وخصومة وصراع وقتل وقتال بينهم .. فإذا حدث شيء من ذلك : فسوف يكون الإخلاص والالتزام بالدين وتوخي المصلحة العامة موضع تساؤل وشك لدى سائر المؤمنين .

    الأمر الرابع : أن الإنسان لم يخلق عبثا ، وإنما خلق لغاية وهدف ، وأن حياته تقوم على أصول واقعية ، تجعل من الإنسان الذي يراعيها ويتمسك بها ( تحت تأثير الدين والعقل والفطرة ) سعيدا في الدنيا والآخرة ، والإنسان الذي يخالفها ويخرج عليها ( تحت تأثير أهواء النفس وشهواتها ، وإتباع الشيطان ، والاستسلام لرغبات الطواغيت والمنحرفين ) شقيا في الدنيا والآخرة .. ويرى الإمام الحسين ( عليه السلام ) : أن أبا ذر من الصنف الأول ، وخصومه من الصنف الثاني .

    الأمر الخامس : أن الإنسان المؤمن الثوري المجاهد في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وخلاص العباد من الظلم والجور والاضطهاد والإذلال ، غني في نفسه وإنسانيته بربه ودينه وآخرته عن دنيا السلاطين وغيرهم من عبيد الدنيا وأعداء الإنسانية ، بينما خصومه وأعداؤه في حاجة ماسة ( كبشر ) إلى الدين والآخرة ، فقد كتب الله ( جل جلاله ) على الإنسان الموت ، فلن تدوم له الحياة الدنيا ، وسوف يفارقها أراد فراقها أم لم يرد ، وأن السلطة والثروة والجاه والمنصب والمكانة البعيدة عن الله ( تبارك وتعالى ) وعن دينه الحنيف والقيم الإنسانية الرفيعة ، لن تنفع أصحابها بشيء في الآخرة ، يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا جنود ، إلا من أتى الله بقلب سليم .. بل سوف تكون وبالا عليهم في يوم القيامة .

    قال الله تبارك وتعالى : { يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ . وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ . وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا . يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ . وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ . وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ . كَلَّا إِنَّهَا لَظَى . نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى . تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى . وَجَمَعَ فَأَوْعَى } ( المعارج : 8 ـ 18 ) .

    والخلاصة : أن تمسك الثوار المؤمنين بطريق الجهاد في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وخدمة الإنسانية ، ومقارعة الظلم والظالمين ، والدفاع عن المظلومين والمستضعفين والمضطهدين في الأرض ، خير لهم من السلطة والثروة والمكانة التي يتهالك عليها السلاطين وعبيد الدنيا وخنازير الشهوة .

    ثالثا ـ قوله ( عليه السلام ) : " فسأل الله الصبر والنصر ، واستعذ به من الجشع والجزع ، فإن الصبر من الدين والكرم ، وأن الجشع لا يقدم رزقا ، والجزع لا يؤخر أجلا " .

    بعد أن أسس الإمام الحسين ( عليه السلام ) للثوار المؤمنين السير في طريق الجهاد في سبيل الله ( عز وجل ) وخدمة الإنسانية وتحرير العباد من الظلم والإذلال والاضطهاد ، أوصاهم بأمرين وحذرهم من أمرين .

    أوصاهم أولا : بأن يسألوا الله ( تبارك وتعالى ) أن يمدهم بالصبر على السير في طريق ذات الشوكة ، طريق الجهاد والثورة ومقارعة الظلم والظالمين ، وأن يسعوا للحصول عليه من خلال تعلقهم بالله العزيز الجبار الرحيم بعباده المؤمنين .. والصلاة أفضل وسيلة .

    وقال ( عليه السلام ) : " فإن الصبر من الدين والكرم " لأن الله تعالى أوصى بالصبر ، ووعد أن يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب .

    قال الله تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ .. إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } ( الزمر : 10 ) .

    والصبر من كرم النفس العزيزة الأبية ، وهو سبيل إلى العطاء والجود بالنفس والنفيس في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وخدمة البشرية والحياة الإنسانية الكريمة .

    وأوصاهم ثانيا : بأن يسألوا الله ( جل جلاله ) النصر والظفر على الأعداء ، لأن النصر لا يأتي إلا من عند الله ( تبارك وتعالى ) وحده .. وليس بالأسباب المادية وغيرها .

    قال الله تعالى : { وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } ( آل عمران : 126 ) .

    وقال الله تعالى : { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } ( التوبة : 25 ) .

    وحذرهم أولا ـ من الجشع : وهو صفة تتصل بسلوك الشخصية حيال إشباع ذاتها ، وهو يعني أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : الحرص الشديد على المصالح المادية .
    الأمر الثاني : عدم اكتفاء الإنسان الجشع بنصيبه في الأشياء ، وإنما يتعداه للاستحواذ على نصيب الآخرين ونهب حقوقهم .
    الأمر الثالث : أن الإنسان الجشع لا يلتزم بالإشباع المشروع ، وإنما يتعداه إلى الإشباع غير المشروع .
    الأمر الرابع : أن الإنسان الجشع يحب أن يمدح بما ليس فيه من الخصال والأفعال .

    وللجشع صورتان أساسيتان .. وهما :

    الصورة الأولى : الحرص على الإشباع الزائد عن الحاجة .
    الصورة الثانية : الانغلاق على الآخرين .

    فالجشع : إنسان مريض ، خبيث النفس ، سيء الظن بالله ( تبارك وتعالى ) وبالمجتمع ، سيء السلوك ، متخلق بالباطل والظلم والرذيلة والفحش .. غير منتج وضار بالمجتمع .

    والخلاصة : أن الإنسان الجشع أبعد ما يكون في فكره وأخلاقه وسلوكه عن فكر وأخلاق وسلوك الثوار المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) ولا يمكن أن يكون واحدا منهم بأي حال من الأحوال .

    وقال ( عليه السلام ) : " أن الجشع لا يقدم رزقا " وذلك لأنه ليس للإنسان من الرزق إلا ما كتبه الله ( تبارك وتعالى ) له .

    قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالـب ( عليه السلام ) : " أعلموا أن عبدا وإن ضعفت حيلته ، ووهنت مكيدته ، أنه لن ينقص ما قدر الله له . وإن قوي عبد في شدة الحيلة ، وقوة المكيدة ، أنه لن يزداد على ما قدر الله له " ( ميزان الحكمة . ج4 . ص 107 ) .

    وهذا لا يعني الحث على التوقف عن طلب الرزق والتوسع فيه والاهتمام به من خلال الأسباب الطبيعية ( فذلك من التواكل المنهي عنه ) وإنما يعني التأكيد على أن الرزق لا يتوقف على سعة الحيلة وطلب العبد وجهوده فقط ، وإنما يتوقف على طلب العبد وجهوده بالإضافة إلى تقدير الله ( تبارك وتعالى ) له ( وهو التوكل ) مما يؤدي إلى إيجاد الأمل في قلوب المستضعفين وعدم يأسهم من فتح أبواب الرزق عليهم وتغير سوء حالهم .

    قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " لا تدع طلب الرزق من حله ، فإنه عون لك على دينك ، وأعقل راحلتك وتوكل " ( البحار . ج 71 . ص 137 ـ 138 ) .

    وحذرهم ثانيا ـ من الجزع : وهو الحزن والخوف وعدم الصبر على ما ينزل بالإنسان من الشر والبلاء . وهو يدل على الجبن ، وضعف النفس ، وقلة العقل والدين ، وغلبة الهوى ، وسوء الظن بالله ( تبارك وتعالى ) ويورث الهم والفشل ، ويقطع الأمل ، ويعظم الفجيعة ، ويحبط الأجر ، وهو سيد الانحراف ، ومفتاح كل شر .

    وقد أجمعت الاتجاهات النفسية بأكملها : على أن الصبر هو جوهر الإرادة الضابطة للسلوك ، لكي تكون الغلبة للعقل والدين والقيم ، وهو من خواص كمال الشخصية ، والوسيلة الأساس التي ينبغي أن يركبها الإنسان في مواجهة الشدائد والمحن ، وبدونه يضيع العقل والدين والتقوى ، وتتفاقم المشكلات ، ويتراكم الانحراف ، وتتحطم الشخصية ، وتفشل في تخطي الصعوبات وتحقيق أهدافها الكبيرة في الحياة .

    والخلاصة : أن الإنسان الجزوع أبعد ما يكون في فكره وأخلاقه وسلوكه عن فكر وأخلاق وسلوك الثوار المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) ولا يمكن أن يكون واحدا منهم بأي حال من الأحوال .

    وقال ( عليه السلام ) : " والجزع لا يؤخر أجلا " لأن الأجل ( المدة المحددة للشيء ) مقدر عند الله ( تبارك وتعالى ) فلا يموت الإنسان قبل أجله مهما كانت الأحداث وفعل المتربصون .. فالأجل حصن وحارس للإنسان قبل كل شيء .

    قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } ( آل عمران : 145 ) .

    وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " كفى بالأجل حرزا ، إنه ليس أحد من الناس ، إلا ومعه حفظة من الله يحفظونه أن لا يتردى في بئر ، ولا يقع عليه حائط ، ولا يصيبه سبع ، فإذا جاء أجله خلوا بينه وبين أجله " ( البحار . ج 78 . ص 64 ) .

    والخلاصة : أن التخلي من الجشع والجزع ، والتحلي بالصبر والكرم ، من الأمور الأساسية الجوهرية ، لكي يكون الإنسان من الثوار المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وخدمة الدين والإنسانية .


    البيان الثاني ـ شرارة الثورة


    المناسبة : لما هلك ( معاوية بن أبي سفيان ) في يوم الجمعة بتاريخ ( 15 / رجب / 60هـ ) الموافق ( 23 / أبريل ـ نيسان / 680م ) جلس أبنه ( يزيد ) على كرسي الخلافة الأموية ، وقد كتب إلى والي المدينة وهو ابن عمه ( الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ) يأمره أن يأخذ البيعة من أهل المدينة بوجه عام ، ومن حفيد الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسيد شباب أهل الجنة الإمـام الحسين ( عليه السلام ) وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر .. بوجه خاص ، أخذا عنيفا ليست فيه رخصة ، والحق بالكتاب قصاصة كتب فيها : " ومن أبى فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه " .

    فلما وصل الكتاب إلى الوليد : أرسل إليهم يطلب منهم الحضور إلى دار الإمارة في ليلة السبت ( 27 / رجب / 60هـ ) الموافق ( 5 / مايو ـ آيار / 680م ) وكان الإمام الحسين ( عليه السلام ) قد توقع الأمر واستشعر الخطر ، ولكنه أصر ( من بين الأربعة ) على مقابلة الوليد ، فاستدعى جماعة من أهل بيته وقال لهم : " إن الوليد استدعاني ، ولا آمن أن يكلفني أمرا لا أجيبه إليه ، فكونوا على الباب ، فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا علي لتمنعوه عني " وقد أمرهم بحمل السلاح . فلما دخل الإمام الحسين ( عليه السلام ) على الوليد وجد عنده ( مروان بن الحكم ) فنعى الوليد إليه معاوية ، فاسترجع الإمام الحسين ( عليه السلام ) ثم قرأ الوليد عليه كتاب يزيد ، فقال له الإمام الحسين ( عليه السلام ) : " أما البيعة : فإن مثلي لا يبايع سرا ، ولا يجتزأ بها مني سرا ، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة ، كان الأمر واحدا " فقبل منه ( الوليد ) ذلك ، غير أن الوزغ بن الوزغ ( مروان بن الحكم ) تدخل قائلا : " والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع ، لم تقدر منه على مثلها حتى تكثر القتلى بينكم ، ولكن احبس الرجل حتى يبايع أو تضرب عنقه " .

    فقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) : " يا ابن الزرقاء : أنت تقتلني أم هو ؟
    كذبت والله وأثمت " .

    ثم أقبل الإمام الحسين ( عليه السلام ) على الوليد .. وقال :

    نص البيان : " يا أمير : إنا أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة ، بنا فتح الله ، وبنا يختم ، ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحترمة ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون ، أينا أحق بالخلافة والبيعة " .
    ( البحار . ج 44 . ص 325 ) .

    وكان قد ارتفع صوته ( عليه السلام ) فدخل أبناؤه وأخوته وخلصوه .


    أولا ـ بين يدي البيان : وفيه نقطتان أساسيتان .. وهما :

    النقطة الأولى : لم يفاجأ الإمام الحسين ( عليه السلام ) بما جرى في دار الإمارة ، فقد كان متوقعا لديه ، واستعد من أجل مواجهته ماديا ومعنويا . ولم يكن موقفه ( عليه السلام ) مجرد ردة فعل انفعالية آنية على أطروحة ( مروان بن الحكم ) وإنما كان الموقف محسوبا ومخطط إليه ضمن إستراتجية عمل محددة . فالإمام الحسين ( عليه السلام ) كان متهيئا ومستعدا ومنتظرا لساعة الصفر ، لكي يطلق شرارة الثورة ضد النظام الأموي الظالم المستبد ، وجاء البيان في اللحظة المناسبة ، ضمن سياق تسلسل الأحداث وتطورات الأوضاع ( كما تدل على ذلك التفاصيل ) .

    ونخلص من ذلك إلى النتائج المهمة التالية :

    النتيجة الأولى : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) كأي قائد يمتلك الكفاءة المطلوبة للقيادة ، كان على درجة عالية من الملاحقة والمتابعة للأحداث على مستوى القراءة والفهم والتحليل الدقيق والكشف المكثف عن الأوضاع واستشراف المستقبل ، ورسم السيناريوهات المطلوبة للمواقف المتوقعة ، والحضور بروح المسؤولية ( الدينية والاجتماعية ) مع الحدث ، من خلال المواقف المطلوبة فعلا .. وليس المبررة ، والاستعداد الدائم للتكيف مع ما هو جديد ، وتقديم التضحيات اللازمة إذا تطلب الأمر .

    النتيجة الثانية : أن المواقف السياسية القوية تأتي ( غالبا ) في سياق سياسي وتاريخي مرصود بدقة ، وأنها لا تنفصل عنه ، وهذا يستدعي أن يكون القائد على قدر كبير من المتابعة ودقة التحليل واستشراف المستقبل ، ويمتلك الشجاعة الكافية لاتخاذ الخطوات والمواقف المطلوبة ( فعلا ) في الوقت المناسب لخدمة القضايا المصيرية في مشروع عمله بدون خوف أو تردد .

    النتيجة الثالثة : لقد كان البيان الذي أطلقه الإمام الحسين ( عليه السلام ) في دار الإمارة ، الحد الفاصل بين مرحلتين من حياته الجهادية كأحد أئمة المسلمين الذين يتحملون مسؤولية الأوضاع في الأمة الإسلامية ، فقد انتقل الإمام الحسين ( عليه السلام ) من مرحلة الاستعداد والترقب ، إلى مرحلة الفعل والحركة في ساحة المواجهة والتحدي .. وذلك : حينما أصبحت الظروف ملائمة والثورة مطلوبة .

    النقطة الثانية : لم يكن البيان مجرد خطاب سياسي استهلاكي ، فقد بدأ الإمام الحسين ( عليه السلام ) من فوره بالتحرك ، واستعد للخرج من المدينة متوجها إلى مكة المكرمة ، في أول خطوة على طريق الثورة المباركة ، كاشفا بذلك عن خاصية من أهم خصائص الخطاب الإسلامي الثوري .. وهي : إن الخطاب الإسلامي الثوري ، خطاب عمل ذو مصداقية عالية في التطبيق .

    وكان خروجه ( عليه السلام ) من المدينة متوجها إلى مكة ، في ليلة الأحد بتاريخ ( 28 / رجب / 60هـ ) الموافق ( 6 / مايو ـ آيار / 680م ) أي : بعد ليلة واحدة من البيان .

    وفي البحث عن المصداقية في الخطاب السياسي نجد أمامنا حالات أربع ينبغي علينا الوقوف عندها .. وهي :

    الحالة الأولى : تعمد الخطيب الكذب على الجماهير وخداعها ، فيقول ما يعلم بأنه سوف يخالفه في العمل ( اختيارا ) سرا وعلانية ، وهذا عمل قبيح ومدان عند الله ( جل جلاله ) والعقلاء من الناس .. وهو يدل على الغدر والخيانة والنفاق .

    الحالة الثانية : أن يكون مراد الخطيب الصدق والوفاء ، ثم تأتي الظروف التي تحيل بينه وبين الوفاء ( قسرا ) رغم شدة حرصه على الوفاء بما وعد به الناس وكامل استعداده للتضحية من أجل الوفاء بوعده ، وهذا الخطيب معذور عند الله ( جل جلاله ) وعند العقلاء من الناس .

    الحالة الثالثة : أن يكون مراد الخطيب الصدق والوفاء ، ثم تواجهه ظروف صعبة في وقت العمل تتطلب منه الصبر والتضحية ، فيتراجع ويلغي إرادته ( اختيارا ) تحت تأثير الضعف والخوف ، وهذا عمل قبيح ومدان عند الله ( جل جلاله ) والعقلاء من الناس ، وصاحبه مستحق للوم والتوبيخ ( إسلاميا ) وبعيد عن حقيقة الإيمان ، ومبغوض عند الله ( تبارك وتعالى ) والحالة تدل على نقص الكفاءة والتربية الصالحة .

    الحالة الرابعة : أن يكون مراد الخطيب الصدق والوفاء ، ثم يفي بما قاله مادام قادرا على الوفاء ، وإن تطلب منه الوفاء بذل التضحيات التي يقرها العقلاء من الناس . وهذا هو الخطاب الوحيد ذو المصداقية ، القادر على مواجهة الانحرافات والتحديات الصعبة في المجتمع ، وتغيير الإنسان والتقدم بالحياة العامة إلى الأمام وصياغتهما ( الإنسان والحياة ) إسلاميا ليكونا تجسيدا حيا للمشروع الإسلامي العظيم في أبعاده الفردية والمجتمعية ، وهذه الحالة هي الحالة التي تمثل خط الخطباء من الثوار المؤمنين الذي أراد اللـه ( تبارك وتعالى ) لهم السير فيه .

    قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ } .
    ( الصف : 2 ـ 4 ) .

    وقد روى علماء التفسير ( من المدرستين ) روايات كثيرة في سبب نزول الآية الشريفة المباركة المذكورة أعلاه .. خلاصتها : أن جماعة من المؤمنين كانوا يقولون : وددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به ، فأخبرهم الله ( تبارك وتعالى ) أن أفضل الأعمال إيمان لا شك فيه ، والجهاد في سـبيل الله ، فكـره أناس الجهاد ، وشـق عليهم ، وتباطؤوا عنه .

    وفي بعض الروايات : أن الله ( تبارك وتعالى ) أخبرهم عن الثواب العظيم لشهداء بدر فقالوا : ما دام الأجر هكذا ، فإننا سوف لن نفر في الغزوات المقبلة ، إلا أنهم فروا في غزوة أحد ولم يثبتوا ، وقد شج وجه الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكسرت رباعيته بسبب فرارهم .

    ومن خلال هذه الروايات تتضح لنا قيمة المصداقية في القول وفضلها ، والفرق الكبير بين التمني والوفاء .

    ونخلص من ذلك كله إلى النتائج المهمة التالية :

    النتيجة الأولى : أن الخطاب الإسلامي الثوري ، خطاب ذو مصداقية عالية ، فهو لا يأتي من فراغ ، ولا يأتي من أجل الاستهلاك والمناورات الكلامية واللعب السياسية الجوفاء ، وإنما هو ( حقيقة ) خطاب مدروس ، ومخطط له بعناية فائقة ، وأنه مسبوق بإستراتيجية واضحة وخطة عمل محددة ، وهو يدل عليهما ويعبر عنهما . فهو يحدد المواقف السياسية ويؤسس لها فكريا وسياسيا وأخلاقيا واجتماعيا على أضواء مشروع عمله الشامل ، ويمهد لها الطريق ، ويحشد إليها ، ويدافع عنها ويحميها من التشويه والانتقاص .. والجماهير الواعية : هي الجماهير التي لا تخدعها الكلمات البهلوانية الاستعراضية ، ولا الكلمات المنمقة المشبعة بفنون التمثيل والخداع والاستهلاك واللف والدوران ، فهي تنظر إلى المواقف على الأرض ، وإلى المحطات الرئيسية في السيرة الشخصية للخطيب ، وتعيش النقد والتقييم الواعي والواقعي للكلمات أو الخطب والخطوات السياسية التي تتخذ على الأرض ، لكي تحدد مصداقية الخطيب ، والقيمة العملية لخطابه ، فهذا ما تعلمناه من مدرسة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وثورته .

    النتيجة الثانية : أن المشروع الإسلامي مشروع واقعي حي متحرك على الأرض ، ومن أجله يأتي الخطاب الإسلامي ، ويؤسس للمواقف السياسية على أضوائه ، ومن خلال المواقف السياسية يتحول المشروع الإسلامي إلى واقع فعلي حي متحرك على الأرض .

    إني أأكد هنا : أن قيمة الخطاب تتمثل في تحويله إلى فعل ، وبدون ذلك يفقد الخطاب مصداقيته وقيمته العملية والسياسية ، ويتحول إلى عقبة وسبب من أسباب اهتزاز الواقع والفشل والضياع وإفساح المجال لتغلل القوى المضادة ودخولها على الخط لممارسة دورها في التشويش وتخريب التفكير وإقلاق الواقع .

    قراءة في البيان : لقد تضمن البيان الكثير من الأفكار والحقائق .. وهي كالتالي :

    أولا ـ قوله ( عليه السلام ) : " يا أمير "

    تدل هذه العبارة على تأدب الإمام الحسين ( عليه السلام ) في مخاطبة الآخرين ، فقد خاطب الوليد بلقبه الرسمي " يا أمير " وهذا يدل على التأدب ولا يعني إضفاء الشرعية على المنصب ، وقد كثر مثل هذا في سيرة الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) في مخاطبتهم للخلفاء وأصحاب المناصب الرسمية .. ولا يصح القول : بأن ذلك جاء في مجرى التقية ، لأن الإمام الحسين ( عليه السلام ) قد أعلن في هذا البيان عن موقف ثوري في غاية القوة والصلابة والتحدي .. وهو موقف ليس فيه أي مكان للتقية .

    ونخلص من ذلك إلى النتيجة التالية : أن الثورية الحقيقية لا تعني سوء الخطاب للآخرين ، وتجريد أصحاب المناصب من ألقابهم ، وإنما تعني قوة المواقف وصدقها ، والتزام الأدب والمبادئ الأخلاقية والذوق الإنساني الرفيع في خطاب الثورة وكامل فصولها .

    ثانيا ـ قوله ( عليه السلام ) : " إنا أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقطتين أساسيتين .. وهما :

    النقطة الأولى : الإشارة إلى أنه من أهل البيت الذين أذهب الله ( تبارك وتعالى ) عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .

    النقطة الثانية : أن أهل البيت ( عليه السلام ) هم حملة الرسالة والمدافعين عنها والقائمين عليها بعد الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

    وهذا يدل على أن الأمام الحسين ( عليه السلام ) لا يتحدث هنا عن انتمائه المادي لبيت النبوة ( الدم والقرابة ) وإنما يتحدث عن الامتداد الرسالي الذي يمثله لخط النبوة ، والانتماء الصادق لمدرستها الربانية العظيمة .. فكريا وروحيا وأخلاقيا وسياسيا .

    يريد الإمام الحسين ( عليه السلام ) أن يقول لنا : بأن موقفه الثوري من الحكم الأموي المستبد الظالم مبني على انتمائه الصادق إلى مدرسة النبوة العظيمة وتمثيلـه لـها ، وأنـه ( عليه السلام ) ملتزم بما يمليه عليه انتماؤه إليها من القيم الأخلاقية الرفيعة ، والمبادئ الإنسانية السامية ، والمواقف السياسية والثورية الصادقة ، ولن يحيد عنها ( قيد شعرة ) مهما كلفه ذلك من ثمن وتضحيات جسيمة .

    وعليه : فإن كل من ينتمي بصدق وإخلاص إلى هذه المدرسة الربانية العظيمة ، فهو يسير على نفس المنهج الذي سار عليـه الإمام الحسين ( عليه السلام ) سبط الرسول الأعظم الأكـرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسيد شباب أهل الجنة ، في الثورة على الانحراف والظلم والاستبداد والتخلف والفساد ، وتقديم التضحيات اللازمة في هذا السبيل ، وعدم الانحناء أمامها مهما كان الثمن .. مادام في دائرة التكليف .

    ثالثا ـ قوله ( عليه السلام ) : " بنا فتح الله ، وبنا يختم " .

    هذه العبارة تشير إلى بداية المسيرة الإسلامية الثورية ( في مرحلتها الأولى ) على يد الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ونهايتها ( في مرحلتها النهائية ) على يد الإمام القائم المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ليقول لنا : أن ثورته المباركة تأتي في السياق التاريخي لهذه المسيرة الثورية الربانية المباركة الطويلة ، وأنها تخدم نفس الأهداف ( تطهير الأرض من كل أشكال الباطل والظلم والاستبداد والتخلف والرذيلة ، وإقامة نظام اجتماعي عقائدي عادل ) وأنها تأتي بنفس القوة والثبات على المبادئ والاستعداد للتضحيات العظيمة . فهو على وعي كامل بتاريخ المسيرة الثورية الطويل ومتطلباتها ، وانه يمتلك مقومات السير فيها ، والاستعداد الكامل لتقديم التضحيات من أجل تحقيق أهدافها المباركة العظيمة .

    الجدير بالذكر : أن من شعارات أصحاب الإمام القائم المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) شعار : [ يا لثارات الحسين ] ( البحار . ج 52 . ص 308 ) .

    ونصل مما سبق إلى النتيجة التالية : أن صدق الانتماء لمدرسة النبوة العظيمة ، ولمسيرتها الثورية المباركة ، يفرض على المنتمي إليها : أن يكون على وعي بتاريخها ومتطلباتها التاريخية ، وأن يكون على كامل الاستعداد لتقديم التضحيات اللازمة لـتحقيق أهدافها المقدسة العظيمة .

    رابعا ـ قوله ( عليه السلام ) : " ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحترمة ، ومثلي لا يبايع مثله " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقطتين رئيسيتين .. وهما :

    النقطة الأولى : الإشارة إلى صفات ( يزيد بن معاوية ) .
    النقطة الثانية : رفض الإمام الحسين ( عليه السلام ) البيعة لـ( يزيد ) .

    ويدل هذا المقطع من البيان على أمور مهمة عديدة .. منها :

    الأمر الأول : أن الخليفة أو الحاكم في منطق الإسلام ( وهو منطق الفطرة والعقل ) يجب أن يتحلى بصفات معينة .. منها : الاستقامة والالتزام العملي بالدين ، وإقامة العدل بين الناس ، وإلا أصبح وجوده في الحكم مضر بالمجتمع والدين ، ويجب على كافة المسلمين عدم تمكين الفاسقين والظلمة من الحكم في المجتمعات الإسلامية .

    الأمر الثاني : أن إنسانية الإمام الحسين ( عليه السلام ) وصدق انتمائه للدين ، لا يسمحان له بمبايعة ( يزيد بن معاوية ) وتمكينه من الحكم في المجتمع الإسلامي ، وأنه ملتزم بذلك وفاعله مهما كلفه من تضحيات ٍ.

    قال الإمام الحسين ( عليه السلام ) لأخيه محمد بن الحنفية ( رضي الله تعالى عنه ) قبيل خروجه من المدينة المنورة : " يا أخي !! لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية " ( البحار . ج 44 . ص 329 ) .

    الأمر الثالث : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يشخص بأن مصلحة الدين والمجتمع تفرض عليه رفض البيعة لـ( يزيد بن معاوية ) ومقاومة حكمه ، وهذا هو تكليفه الديني ، وأنه سائر في هذا الطريق ، ومستجيب لهذا التكليف ، مهما كلفه ذلك من تضحيات .

    ونصل مما سبق إلى النتائج المهمة التالية :

    النتيجة الأولى : أن تكليف المسلمين هو عدم تمكين الفاسقين والظلمة من الحكم والقيادة في المجتمعات والدول الإسلامية .. ما وجدوا إلى ذلك سبيلا . هذا هو الأصل ، والاستثناء يحتاج إلى عذر واقعي نابع من الدين ، وليس عذرا وهميا نابعا من الخوف أو الطمع في الدنيا .

    النتيجة الثانية : ضرورة التأسيس الفكري ( إسلاميا ) للمواقف السياسية ، لأن التأسيس الفكري هو الذي يمنح للمواقف السياسية هويتها ، ويحدد قيمتها المعنوية ، ويتيح الفرصة لتقييمها بدقة وموضوعية ، وأن المواقف السياسية التي لا يتم التأسيس لها ، هي موقف فاقدة للهوية والقيمة المعنوية .. وتمثل شكلا من أشكال الضياع والعبث في الحياة .

    رابعا ـ قوله ( عليه السلام ) : " ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون ، أينا أحق بالخلافة والبيعة " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقطتين أساسيتين .. وهما :

    النقطة الأولى : الإشارة إلى عزم الإمام الحسين ( عليه السلام ) على الثورة ، ووضع سلطة ( يزيد بن معاوية ) على المحك من الناحية الشرعية والعملية .

    النقطة الثانية : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يقدم نفسه كبديل يحظى بالشرعية الدينية والقبول الشعبي له بالخلافة لدى المسلمين .

    ولمزيد من الفائدة وتسليط الضوء على كلام سيد الشهداء في هذا المقطع من البيان ، نبحث بشيء من الاختصار في مصادر السلطة وأهم عناصرها الأساسية .

    إن السـلطة التي تتولى زمام القيـادة في الدولة ، تحتاج إلى عنصرين أساسيين تتألف منهما .. وهما :

    العنصر الأول ـ القوة : التي من خلالها تستطيع السلطة فرض إرادتها وتحقيق أهدافها في الدولة ، وبدونها تفقد السلطة مصداقيتها وواقعها كسلطة على الأرض ، بغض النظر عن شرعية الأساليب المتبعة للحصول عليها ، فقد تتبع الأطراف المتصارعة على السلطة أساليب مشروعة .. مثل : الإقناع ، وقد تتبع أساليب غير مشروعة .. مثل : الإغراء والتخويف والإرهاب .

    العنصر الثاني ـ الشرعية : والتي من خلالها يسوغ للسلطة إعمال إرادتها واستخدام قوتها لفرض النظام في الدولة ، وبدونها تتحول السلطة إلى ظاهرة استبداد وظلم يجب على أبناء الشعب مواجهتها بهدف القضاء على الاستبداد والظلم أو إزالة السلطة المستبدة وتبديلها بسلطة أخرى تتمتع بالشرعية .. لأن القبول بالسلطة المستبدة : من شأنه أن يقضي على الإرادة الحرة الواعية للشعب ، ويقضي على كرامته الإنسانية واستقلاله .

    ومصدر القوة هو : الإرادة الاجتماعية الغالبة في الدولة ، فمن يمتلك هذه الإرادة يستطيع أن يمتلك السلطة وأن يحافظ على ديمومتها ، ومن يفقدها لا يستطيع الوصول إلى السلطة أو المحافظة على ديمومتها .

    وعليه : فالسبيل إلى السلطة والمحافظة على ديمومتها هو الحصول على الإرادة الغالبة في المجتمع .. وذلك عن طريق : الهيمنة على مجموعة من الإرادات الفردية وتوجيهها توجيها يجعل منها إرادات متراكمة منسجمة تبلغ المستوى الذي تكون به الإرادة الغالبة ، ليكون من خلالها الوصول إلى السلطة ( بغض النظر عن شرعية أو عدم شرعية الأساليب المتبعة للحصول عليها ، وشرعية أو عدم شرعية الموازين التي تقوم عليها من جهة كونها متطابقة مع موازين الحق والعدل والفضيلة أو مخالفة لها ) .

    والمطلوب في الأصل : صدور السلطة عن الإرادة الشعبية الحرة الواعية ، والتعبير الصادق عنها ، والتبادل السلمي للسلطة في ظل الشرعية ورضا أبناء الشعب .

    أما مصدر الشرعية : فهو الله ( تبارك وتعالى ) ( وحده ) في الدين الإسلامي الحنيف ، والشعب في المذاهب الوضعية الأكثر شهرة ومقبولية .

    وبالرجوع إلى قول الإمام الحسين ( عليه السلام ) : " ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون ، أينا أحق بالخلافة والبيعة " نجد أنه ( عليه السلام ) يطرح خلافة ( يزيد بن معاوية ) للمحاكمة الشرعية والسياسية أمام الناس ، ويدعي عدم شرعيتها الدينية ، وعدم رضا الناس بها ، ويقدم نفسه ( عليه السلام ) كبديل شرعي ، ويدعي بأن الخيار لو ترك للناس ، فإنها لن تختار ولن تبايع غيره . فخلافة ( يزيد بن معاوية ) خلافة غير صحيحة بالمقاييس الشرعية والعقلائية ، وأنها مفروضة على الناس بالقوة على خلاف إرادتهم ومصلحتهم .. مما يعطي الشرعية للخروج عليها ومقاومتها بالسلم والقوة .


    البيان الثالث ـ منطلقات الثورة وأهدافها


    المناسبة : بعد أن أطلق الإمام الحسين ( عليه السلام ) شرارة الثورة في دار الإمارة ، استعد للخروج من المدينة المنورة متوجها إلى مكة المكرمة ، فخرج ومعه أهله وإخوته وبنو أخيه وبني عمومته وبعض الخواص من شيعته ، وترك فيها أخوه محمد بن الحنفية ليتتبع له تحركات القوم ويوافيه بأخبارهم .

    وكان خروجه ( عليه السلام ) ليلة الأحد بتاريخ : ( 28 / رجب / 60هـ ) الموافق ( 6 / مايو ـ آيار / 680م ) وقبل أن يخرج كتب وصيته لأخيه محمد بن الحنفية جاء فيها :

    نص البيان ( الوصية ) : " بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أوصى به الحسين بن علي إلى أخيه محمد بن الحنفية ، أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وان محمدا عبده ورسوله ، جاء بالحق من عنده ، وان الجنة حق ، والنار حق ، والساعة آتية لا ريب فيها ، وان الله يبعث من في القبور . وأني لم أخرج أشرا ، ولا بطرا ، ولا مفسدا ، ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أريد أن آمر بالمعروف ، وانهي عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب ، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين .

    هذه وصيتي إليك يا أخي ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب "
    ( البحار . ج44 . ص 329 ـ 330 ) .

    أولا ـ بيد يدي البيان : وفيه نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى ـ التعريف بالوصية : هي عبارة عن رسالة يكتبها الإنسان ويوجهها لمن يعنيهم أمره ، يعبر فيها عما يريد أن يعهده إليهم به من توجيهات ، أو ما يريد أن يؤدونه عنه من حقوق أو أعمال كالصلاة .. وهي من الأمور المهمة في الحياة : لما فيها من دلالة على اهتمام الإنسان بحقوق الآخرين وصلتهم في حياته وبعد موته ، وتبرئة ذمته من التبعات .. لتحصل له الراحة والسعادة في الآخرة .

    وتنقسم الوصية إلى قسمين .. وهما :

    القسم الأول ـ وصية تمليكية : كأن يوصي بتمليك مال أو دار أو تحرير رقبة أو إبراء ذمته من دين .

    القسم الثاني ـ وصية عهدية : كأن يوصي بالتقوى أو أداء بعض الواجبات أو الحقوق العامة أو الخاصة إلى ( تبارك وتعالى ) أو إلى الناس .

    ووصية سيد الشهداء الإمام الحسين ( عليه السلام ) هذه لأخيه محمد بن الحنفية ( رضي الله تعالى عنه ) من الصنف الثاني ( وصية عهدية ) .

    النقطة الثانية ـ حكم الوصية في الإسلام : تعتبر الوصية في الشريعة الإسلامية المقدسة واجبة على الإنسان المؤمن عندما تكون عليه واجبات لم يؤدها ، وحقوق لم يبرأ ذمته منها ، ومستحبة في وجوه البر التي يرغب أن تعمل .. ليعود ثوابها إليه .

    قال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة إلا ووصيته تحت رأسه " ( البحار . ج 103 . ص 194 ) .

    والذي يهمنا من وصية الإمام الحسين ( عليه السلام ) لأخيه ( محمد بن الحنفية ) في موضوع البحث ، هو القسم الثاني الذي يتعلق ببيان منطلقات وأهداف ثورته المباركة ضد نظام ( يزيد بن معاوية ) المستبد .

    النقطة الثالثة ـ توقيت إصدار البيان : يأتي توقيت إصدار البيان ( الوصية ) في سياق تسلسل منطقي وتاريخي في خطوات الثورة المباركة . فقد أطلق الإمام الحسين ( عليه السلام ) في البداية شرارة الثورة وبين مبرراتها الفكرية والدينية والسياسية ، وفي مرحلة تالية وبصورة مبكرة ( في أول خطوة عملية للتحرك : الخروج من المدينة ) أصدر هذا البيان ( الوصية ) الذي أوضح فيه حقيقة الثورة ومنطلقاتها وأهدافها ونفى أهم الإشكالات التي قد ترد عليها ، مما يدل على وضوح الرؤية لدى الإمام الحسين ( عليه السلام ) في الإدارة السياسية للثورة ، واتخاذ الخطوات المطلوبة في كل مرحلة من مراحلها ، بدقة وشجاعة وبدون تأخير .. وهذه من أهم صفات القائد الناجح .

    ثانيا ـ قراءة في البيان : يتضمن هذا البيان الكثير من الحقائق والأفكار .. وهي كالتالي :

    أولا ـ قول سيد الشهداء ( عليه السلام ) : " وأني لم أخرج أشرا ، ولا بطرا ، ولا مفسدا ، ولا ظالما " .

    لقد نفى الإمام الحسين ( عليه السلام ) في هذا المقطع من البيان عن ثورته المباركة الحالات أو الأوضاع السلبية التي تصيب ( عادة ) الثورات الزائفة في التاريخ .. والحالات هي :

    الحالة الأولى ـ لم أخرج أشرا : بأن يدعي ما ليس له بحق من السلطة أو الثورة ، أو أن يفرض هيمنته وإرادته على الناس بغير إرادتهم وضد مصالحهم ، بهدف الاستعلاء والاستئثار بالسلطة والثروة دونهم أو لغرض فرض أجندته الدينية والسياسية عليهم .

    قال الله تعالى : { فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ . أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ . سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ } ( القمر : 24 ـ 26 ) .

    فهو ( عليه السلام ) يؤكد : أن حركته قائمة على أساس الحق والعدل والفضيلة والخير لكافة الناس .

    الحالة الثانية ـ ولا بطرا : أي الخروج على غير بصيرة ولا هدا ولا كتاب منير .. أي : على أساس ضال يعتمد على نكران الحقائق وتزويرها وتزييفها ، من أجل الرياء والسمعة والزهو والصخب والدعاية الإعلامية وتضخيم الذات المتعفنة ، وغير ذلك من الأسس الباطلة التي تقوم عليها كثير من الثورات الزائفة في التاريخ .

    قال الله تعالى : { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } ( الأنفال : 47 ) .

    فهو ( عليه السلام ) يؤكد : أن خروجه قائم على بصيرة ورؤية واضحة واعتراف كامل بكل الحقائق الدينية والفكرية والتاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها ، ولأهداف جدية وجوهرية في وجوده ( كإنسان ) ووجود الأمة الإسلامية ( كخير أمة أخرجت ، تحمل رسالة سماوية عالمية عظيمة ) وبوسائل شرعية نظيفة .

    الحالة الثالثة ـ ولا مفسدا : بمخالفة الدستور السماوي ( القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ) والقوانين الإلهية المقدسة .

    فهو ( عليه السلام ) يؤكد : التزامه الكامل في ثورته المباركة ، بالدستور الإلهي في مبادئه وأهدافه ومقاصده وما يضمنه للناس من الحقوق والحريات ، والتزامه الكامل بالأحكام الشرعية التفصيلية ، من أجل تحقيق العدل والمساواة والفضيلة وإقامة الحق بين الناس ، بحيث لا يقع ظلم على أحد من الناس في المجتمع .

    الحالة الرابعة ـ ولا ظالما : بالتعدي على حقوق أبناء الشعب وسلب مكتسبات الأمة ، ولا بالتعدي على مقام الخلافة .. وفي هذا دليل : على عدم شرعية خلافة يزيد ، وجواز الثورة ضده .. وقد أوضح ( عليه السلام ) ذلك بالتفصيل في بيان الشرارة .

    ثانيا ـ قوله ( عليه السلام ) : " وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " .

    لقد كشف الإمام الحسين ( عليه السلام ) في هذا المقطع من البيان الهدف الرئيسي لثورته المباركة .. وهو الإصلاح ، وذلك من خلال إزاحة الحاكم المستبد عن سدة الحكم ، وتمكين القيادة الشرعية العادلة ذات الكفاءة من السلطة ، وتطبيق الشريعة الإسلامية المقدسة في كافة أنشطة الدولة : السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها ، من أجل إقامة كيان عقائدي يقوم على أساس التوحيد ، تتحقق فيه العدالة والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ، بحيث يحصل كل ذي حق على حقه بدون أن يبخس منه شيئا ، وتنتشر فيه الفضيلة ، ويشجع فيه على فعل الخير والمعرف لكافة الناس والمواطنين .

    ثالثا ـ قوله ( عليه السلام ) : " أريد أن آمر بالمعروف ، وانهي عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : لقد أوضح الإمام الحسين ( عليه السلام ) في هذا المقطع من البيان منطلقاته في ثورته المباركة .. وفي مقدمتها : الإخلاص لله ( تبارك وتعالى ) وأداء تكليفه الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

    ويدل هذا المقطع من البيان على أمور في غاية الأهمية .. منها :

    الأمر الأول : أن الكفاح المسلح هو أحد مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المشروعة .

    الأمر الثاني : قد يلزم المكلف التضحية بنفسه وما يملك من أجل القيام بهذه الفريضة العظيمة .. وقد سبق توضيح علاقة التضحيات بالإصلاح والثورة في قراءة البيان الأول .

    النقطة الثانية : لقد أوضح الإمام الحسين ( عليه السلام ) في هذا المقطع من البيان ، أن منهجه في الثورة ، هو نفس المنهج الذي سار عليه جده الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وخلاصة هذا المنهج هو :

    قول الله تبارك وتعالى : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } ( الفتح : 29 ) .

    رابعا ـ قوله ( عليه السلام ) : "، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين " .

    إن الإمام الحسين ( عليه السلام ) إذ يكشف عن حقيقة ثورته المقدسة العظيمة ضد نظام الطاغية ( يزيد بن معاوية ) ومنطلقاتها وأهدافها ومنهجها الذي هو في الحقيقة والواقع منهج الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومنهج أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فقد وضع بذلك الأساس الصحيح والمعيار الدقيق للقبول والرفض للثورة والنصرة والخذلان لها ، وعليه طالب الناس بتحديد موقفهم من ثورته في هذا المقطع من البيان .. وهو يتضمن نقاط عديدة منها :

    النقطة الأولى : أن منهجه وطريقه في الثورة ، هو منهج الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو طريق الحق الثابت الذي لا شك في صحته ( حسين مني وأنا من حسين ) فلا يسوخ للمسلم ( بما هو مسلم ) إنكاره أو خذلانه ، ويترتب على اللحاق به الخير والسعادة ، وعلى التخلف عنه الخسارة والشقاء ، فمن كان ملتزما بالحق ويرغب صادقا في إقامته على أرض الواقع ، ويبحث عن الخير والسعادة والعزة والكرامة للإنسانية ، فعليه أن يلتحق بالإمام الحسين ( عليه السلام ) في ثورته ، ومن تخلف عنه فإنه يخسر لا محالة .

    قال الله تعالى : { فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } .
    ( يونس : 32 ) .

    وقال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " السابقون إلى ظل العرش طوبى لهم " قيل : يا رسول الله !! ومن هم ؟ فقال : " الذين يقبلون الحق إذا سمعوه ، ويبذلونه إذا سئلوه ، ويحكمون للناس كحكمهم لأنفسهم " ( البحار . ج 75 . ص 29 ) .

    وهذا ما أراد الإمام الحسين ( عليه السلام ) توضيحه في وصيته لبني هاشم قبيل خروجه من المدينة .. قوله ( عليه السلام ) : " بسم الله الرحمن الرحيم . من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم .. أما بعد : فإنه من لحق بي منكم استشهد ، ومن تخلف لم يبلغ الفتح . والسلام " ( البحار . ج 44 . ص 331 ) .

    وهذا يدل على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : ثقة الإمام الحسين ( عليه السلام ) المطلقة بسلامة ثورته ونهجه فيها .

    الأمر الثاني : إصراره ( عليه السلام ) على الثورة وصبره وثباته في طريقها حتى آخر لحظة من حياته .

    الأمر الثالث : استعداده التام لتقديم التضحيات التي تحتاجها الثورة في تحقيق أهدافها المقدسة العظيمة مهما عظمت التضحيات وغلي الثمن .

    النقطة الثانية : انه ( عليه السلام ) سوف يمضي في الثورة إلى نهايتها ، ولن يمنعه من الاستمرار فيها قلة الناصرين له . وهذا الإصرار والاندكاك في الثورة من الشروط الأساسية للقيادة الثورية الناجحة .

    يقول الإمام الباقر ( عليه السلام ) : " لما حضرت أبي علي بن الحسين ( عليه السلام ) الوفاة ، ضمني إلى صدره .. ثم قال : ابني !! أوصيك بما أوصاني أبي حين حضرته الوفاة ، وبما ذكر أن أباه ( عليه السلام ) أوصاه به : أي بني !! اصبر على الحق وإن كان مرا " ( البحار . ج 70 . ص 184 ) .ٍ

    وهذا الموقف من الإمام الحسين ( عليه السلام ) يدل على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : اطمئنانه إلى نجاح ثورته في تحقيق أهدافها ، لأنها في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وهو الراعي الحقيقي لها .

    قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ . كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } ( المجادلة : 20 ـ 21 ) .

    لقد كان الإمام الحسين ( عليه السلام ) يعلم بأنه سوف يقتل مع أهل بيته وأصحابه في كربلاء .. بمعني : أنه لن ينتصر عسكريا ، ولكنه كان يعلم ( أيضا ) بأن استشهاده مع أهل بيته وأصحابه ، سوف يؤدي إلى إيقاظ ضمير الأمة ، وتجديد دماء الحياة فيها ، وفتح باب التصحيح والإصلاح وإحياء الدين من جديد في واقعها ومسيرتها ، وقد فضل الإمام الحسين ( عليه السلام ) هذا الانتصار المعنوي الدائم ، على الانتصار المادي المؤقت .

    الأمر الثاني : إخلاص الإمام الحسين ( عليه السلام ) وانه كان يعمل من أجل مصلحة الدين والمصالح العامة الجوهرية للمسلمين .. وليس من أجل مصالحه المادية الخاصة .

    لقد كان بوسع الإمام الحسين ( عليه السلام ) أن يبتعد عن خوض التجربة .. كما نصحه بذلك الناصحون ، أو أن يقف عند الحد الذي لا يهدد حياته ، ويوجد لنفسه مبررات الانهزام الفكرية والفقهية والسياسية ، فيتحدث مثلا عن غدر وخيانة أهل الكوفة ، وسوف يصدقه الناس ويعذروه ، ولكنه ( عليه السلام ) بأبي هو وأمي ونفسي أبا ، وواصل مشوار العشق حتى شرب الكأس إلى نهايته .

    في الحديث : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) في الليلة التي خرج في صبيحتها من المدينة المنورة قاصدا إلى مكة ، ذهب إلى قبر جده ليودعه ، فقام يصلي فأطال فنعس وهو ساجد ، فجاءه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو في منامه ، فأخذه وضمه إلى صدره وجعل يقبل بين عينيه .. ويقول : بأبي أنت ، كأني أراك مرملا بدمك بين عصابة من هذه الأمة ، يرجون شفاعتي ، ما لهم عند الله من خلاق . يا بني !! إنك قادم على أبيك وأمك وأخيك ، وهم مشتاقون إليك ، وإن لك في الجنة درجة لا تنالها إلا بالشهادة " .
    ( البحار . ج 44 . ص 313 ) .

    الأمر الثالث : بعد نظر الإمام الحسين ( عليه السلام ) في التحرك ، ودقة معايير التقييم لديه للأعراض والجواهر في النتائج ، وأنه يعرف حقيقة وقيمة ونتائج ما هو مقدم عليه .

    الأمر الرابع : أن الأمام الحسين ( عليه السلام ) كان يتحرك على ضوء إستراتيجية بعيدة المدى .. تتجاوز حياته الشخصية ، لتشمل حياة كافة شركائه من أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

    الأمر الخامس : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) كان يسعى لترسيخ ثقافة المقاومة والفداء في عقلية الأمة الإسلامية ، وقد أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة : أن بقاء أية أمة ورقيها وعزتها وكرامتها مرهون بالمقاومة والفداء .

    الأمر السادس : لقد أعطى الإمام الحسين ( عليه السلام ) درسا للقيادات الثورية ، بأن لا تقلق على حياتها ، فإن الشعوب التي تخوض غمار الثورة بصدق و|خلاص ، وتواصل طريقها دأبا بلا انقطاع ، يتحول وجودها إلى خزان قيادي ، يزودها بالقيادات المخلصة الصادقة التي تملأ ( على وجه السرعة ) كل فراغ يحدث فيها ، وتحبط كل محاولات الإطاحة بها .

    إن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يقدم لنا ( في هذا المشهد ) الحد الفاصل بين نمطين من القيادات السياسية والثورية .. وهما :

    النمط الأول : يتمثل في القيادات التي تختصر الأمة والقضية في نفسها ، وتجعل من نفسها محور القضية أو الرسالة ، وتحيط نفسها بهالة من القدسية والأهمية ، وتجند كل الطاقات والإمكانيات لخدمتها والمحافظة عليها ، وتوهم الآخرين بأن مصير القضية أو الرسالة يتوقف على وجودها ومصيرها ، وأن الرسالة أو القضية تنتهي أو تضيع بفقدها .

    النمط الثاني : يتمثل في القيادات التي تجعل القضية أو الرسالة هي المحور ، وتكرس الجهود والإمكانيات لخدمتها والمحافظة عليها ، وأنها تنافس الآخرين وتسابقهم وتسبقهم وتتقدم عليهم في خدمتها والتضحية من اجلها .. وهذه ميزتها ، وتعتبر أن وجود القضية أكبر من وجود الأشخاص وفوقهم ، ولا تربط مصير القضية أو الرسالة بوجودها ، وتثق في قدرة القضية بحضورها وحيويتها على إنجاب القيادات ، وأن القضايا أو الرسالات التي تفشل في إنجاب القيادات لا تستحق أصلا البقاء .


    البيان الرابع ـ استجابة النداء


    المناسبة : لما نزل الإمام الحسين ( عليه السلام ) في مكة المكرمة ، كتب إليه أهل الكوفة أفرادا وجماعات كتبا كثيرة ، يطلبون منه القدوم إليهم ، لأنهم ( كما يقولون ) بغير إمام ، فهم لم يجتمعوا مع والي يزيد ( النعمان بن بشير ) في جمعة ولا جماعة ، وأنهم لا يريدون غير الإمام الحسين ( عليه السلام ) حاكما عليهم ، وأنهم جند له مجندة ، وكان من الذين كتبوا له : قادة سياسيون ووجهاء في الكوفة ، حتى بلغ عدد الكتب التي اجتمعت عنده ما يقرب من ( اثنا عشر ألف كتاب ) فكتب إليهم الكتاب التالي :

    نص البيان : " بسم الله الرحمن الرحيم . من الحسين بن علي ، إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين .. أما بعد : فإن هانئا وسعيدا ( هاني بن هاني السبيعي ، وسعيد بن عبد الله الحنفي ) قدما علي بكتبكم ، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم ، وقد فهمت كل الذي قصصتم وذكرتم .. ومقالة جلكم : أنه ليس علينا إمام ، فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق ، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي ، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم ، وأمركم ، ورأيكم ، فإن كتب أنه قد اجتمع رأي ملأكم ، وذوي الفضل والحجى منكم ، على مثل ما قدمت علي به رسلكم ، وقرأت في كتبكم ، أقدم إليكم وشيكا .. إن شاء الله . فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب ، والآخذ بالقسط ، والدائن بالحق ، والحابس نفسه على ذات الله .. والسلام " ( البحار . ج 44 . ص 334 ـ 335 ) .
    وقد دفع الكتاب إلى ابن عمه ( مسلم بن عقيل ) وبعثه إليهم ومعه ( قيس بن مسهر الصيداوي ) و ( عمارة بن عبد الله السلولي ) و ( عبد الرحمن بن عبد الله الازدي ) وأوصاه بوصاياه وفي مقدمتها تقوى الله ( عز وجل ) .

    وكان خروج ( مسلم بن عقيل ) من مكة بتاريخ ( 15 / رمضان / 60هـ ) الموافق ( 21 / يونيو ـ حزيران / 680م ) ووصل الكوفة بعد مشقة وتعب بتاريخ ( 5 / شوال / 60هـ ) الموافق ( 10 / يوليو ـ تموز / 680م ) وقد طوى في سفره عدة مراحل ( أي أن سفره لم يكن من مكة إلى الكوفة مباشرة ) ونزل في دار ( المختار بن أبي عبيد الثقفي ) وهو من خواص شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) وأوثق أهل الكوفة ومن أشجع رجالها .

    قراءة في البيان : لقد تضمن البيان الكثير من الحقائق والأفكار .. وهي كالتالي :

    أولا ـ قوله ( عليه السلام ) : " أما بعد : فإن هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم ، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم ، وقد فهمت كل الذي قصصتم وذكرتم .. ومقالة جلكم : أنه ليس علينا إمام ، فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الإشارة إلى كتب ورسل أهل الكوفة إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) وكان آخر الكتب التي حملها الرسولين إليه .. وهما : ( هاني بن هاني السبيعي ، وسعيد بن عبد الله الحنفي ) وخلاصة كتبهم : عدم اجتماعهم على خلافة ( يزيد بن معاوية ) وواليه على الكوفة ( النعمان بن بشير ) .

    النقطة الثانية : طلب أهل الكوفة من الإمام الحسين ( عليه السلام ) القدوم إليهم .

    النقطة الثالثة : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) في تشخيص أهل الكوفة هو إمام من أئمة الهدى ، من شأنه أن يجمعهم على الحق ويأخذ بهم في طـريق الرشـد والهداية إلى اللـه ( تبارك وتعالى ) .

    واستنادا إلى العقيدة والتجربة العملية والأخبار : لم يكن الإمام الحسين ( عليه السلام ) بأقل بصيرة بتاريخ أهل الكوفة وأحوالهم وشؤونهم من الذين حذروه من الذهاب إليهم ، ولا أقل علما بأحاديث الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التي استند إليها بعضهم في تحذيره منهم ، ومع ذلك لم يظهر في كتابه إلى أهل الكوفة الشك فيهم ، ولم يسأ الظن بهم ، ولم يجرحهم بكلمة واحدة ، وكان رده على كتبهم هادئا وجميلا وفي غاية الاتزان والشعور العميق بالمسؤولية الدينية والاجتماعية نحوهم .

    ونخلص من ذلك : أن القائد الرسالي لا يشكك في نوايا الناس ، لكي يتخذ من ذلك مبررا للتقاعس عن الجهاد والتخلي عن أداء دوره وتكليفه في المجتمع ، وإنما يبحث عن الفرص التي تتهيأ له ليقوم بدوره ويؤدي تكليفه الشرعي في المجتمع لخدمة الدين والإنسانية .

    ثانيا ـ قوله ( عليه السلام ) : " وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي ، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم ، وأمركم ، ورأيكم ، فإن كتب أنه قد اجتمع رأي ملأكم ، وذوي الفضل والحجى منكم ، على مثل ما قدمت علي به رسلكم ، وقرأت في كتبكم ، أقدم إليكم وشيكا .. إن شاء الله " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : إرسال مبعوثه الخاص إلى أهل الكوفة ، وهو ابن عمه ( مسلم بن عقيل ) .

    النقطة الثانية : تحديد المهمة التي سوف يقوم بها مبعوثه الخاص في الكوفة بدقة ، وهي استطلاع حالهم والتأكد من صدق موقفهم الذي كتبوا به إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

    النقطة الثالثة : أن مبعوثه الخاص إلى أهل الكوفة وهو ( مسلم بن عقيل ) هو ثقته ويمتلك الكفاءة المطلوبة لأداء المهمة .. وعليه : يمكنهم الانفتاح عليه بصورة كاملة ، ويصارحوه بكل ما لديهم .

    النقطة الرابعة : إذا جاء تقرير مبعوثه الخاص إليهم مطابقا لما جاء في كتبهم ، فإنهم سوف يقدم عليهم سريعا بدون تأخير .

    وتدل خطوة الإمام الحسين ( عليه السلام ) بإرسال مبعوثه الخاص إلى أهل الكوفة على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : أنها تثبت جدية الإمام الحسين ( عليه السلام ) وحذره وواقعيته في الاستجابة لطلب أهل الكوفة . فهو لم يتخلف عن الاستجابة ، ولم يذهب إليهم مباشرة ، وإنما بعث إليهم بوكيل خاص عنه ، ذو كفاءة عالية لأداء المهمة ، وأمره بأن يستطلع أمرهم ويكتب إليه بأحوالهم .. لكي يحدد موقفه النهائي حول طلبهم منه قدومه عليهم .

    الأمر الثاني : أنها تدل على مدى إخلاص الإمام الحسين ( عليه السلام ) وصدقه وإيمانه بقضيته ، ومدى استعداده للتضحية من أجلها . فهو ( عليه السلام ) يعلم أن المقام ليس مقام مكاسب ، وإنما هو مقام مخاطر وتضحيات ، حيث لم يتضح الواقع ( ظاهرا ) بعد ، ومع ذلك قدم واحدا من خيرة أهل بيته وأصحابه .. وهو ابن عمه ( مسلم بن عقيل ) .

    ومما قاله ( عليه السلام ) له : " إني موجهك إلى أهل الكوفة ، وسيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى ، وأنا ارجوا أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء ، فامضي ببركة الله وعونه .. فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها " .

    لقد أثبتت لنا التجارب التاريخية والمعاصرة : أن القيادات المبدئية التي تمتلك إخلاصا وإيمانا وصدقا في القضايا التي تتبناها وتدعوا إليها ، أنها تقدم نفسها والأقرباء في مقام التضحيات ، وتتأخر ، وتؤخر الأقرباء في مقام المغانم والمكتسبات . أما القيادات الوصولية والكاذبة والمنافقة ، فهي تؤخر نفسها والأقرباء في مقام المخاطر والتضحيات ، وتقدم نفسها والأقرباء في مقام المغانم والمكتسبات المادية .. واعتبر أن هذا وذاك : من معايير الحكم على التأهل المعنوي للقيادات .

    ثالثا ـ قوله ( عليه السلام ) : " فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب ، والآخذ بالقسط ، والدائن بالحق ، والحابس نفسه على ذات الله " .

    يكشف هذا المقطع من البيان عن أهم المواصفات المطلوب توفرها ( إسلاميا ) في الحكام ، ويدخل هذا المقطع في دائرة التأسيس الفكري والفقهي لتصحيح الموقف السياسي لأهل الكوفة في رفضهم لبيعة ( يزيد بن معاوية ) وتطلعهم لإمامة الإمام الحسين ( عليه السلام ) حيث لا تتوفر المواصفات المطلوب توافرها في الحاكم في ( يزيد بن معاوية ) وإنما تتوفر في الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

    الجدير بالذكر : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) بنى الموقف في رسالته إلى أهل الكوفة ، على التسليم بأهليته ( الشخصية ) إلى الخلافة وشرعية إمامته ، وعدم شرعية خلافة ( يزيد بن معاوية ) وجواز الخروج عليه وإقصائه عن الحكـم بالقوة ، وأنه ( عليه السلام ) يسعى ( من خلال مبعوثه : مسلم بن عقيل ) إلى توفير الإرادة الاجتماعية الغالبة ( البيعة ) بهدف السيطرة على الحكم ، وإقامة النظام السياسي العدل في مجتمع .

    وهذا المقطع من البيان يدل ( إسلاميا ) على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : جواز الخروج على الحاكم الظالم المستبد الذي لا يعمل بكتاب الله ( تبارك وتعالى ) وسنة الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا يحكم بين الناس بالعدل .

    يقول عبد القادر عودة : " من المتفق عليه أن عمل أولي الأمر صحيح طالما كان في حدود حقه . باطل فيما خرج على هذه الحدود . فإذا أتى أولوا الأمر بما يتفق مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية ، فعملهم تحق له الطاعة ، وإذا أتوا بما يخالف الشريعة فعملهم باطل وكل ما كان باطلا لا يصح العمل به ولا يجب له الطاعة " ( الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه . ص 24 ـ 25 ) .

    ويقول الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس : " والإسلام حين أوجب على الرعية أن تطيع ولاة الأمر فيها ، لم يجعل هذه الطاعة مطلقة من كل قيد ، ذلك لأن الطاعة المطلقة تؤدي إلى الحكم الفردي الديكتاتوري المستبد ، ومن ثم تمسخ شخصية الأمة وتتلاشى ، وهذا ما يأباه الإسلام ويرفضه رفضا قاطعا . لهذا فقد أوجب الإسلام على الرعية أن تطيع أولي الأمر فيها ضمن دائرة معينة ، وحدود معلومة ، وقيود وشروط لا بد منها " .

    ومن الشروط التي ذكرها :

    أولا : أن يكون ولي الأمر مطبقا للشريعة الإسلامية .
    ثانيا : أن يحكم بالعدل بين الناس .
    ثالثا : ألا يأمر الناس بمعصية .
    ( النظام السياسي في الإسلام . ص 71 ـ 75 ) .

    الأمر الثاني : أن الموقف الأولى للمسلم الحقيقي هو الثورة على الظلم والاستبداد ومواجهة الضغوط والتحديات التي تواجهه في حياته الإسلامية والاجتماعية ، وعدم الخضوع والاستسلام للأنظمة الظالمة والمستبدة والقبول بالأمر الواقع ، وخلافه استثناء يحتاج إلى تبرير عقلي واقعي وإلى رخصة شرعية من القيادة الإسلامية الشرعية العليا .

    الأمر الثالث : أن الأمة الإسلامية ( كأمة وأفراد ) مكلفة بطاعة الحاكم العادل ونصرة القيادة الإسلامية الشرعية في الثورة ضد الظلم والانحراف والاستبداد والفساد .

    والخلاصة : أن الأمة تتحمل مسؤولية الحاكم ، فإذا كان الحاكم عادلا ، فيجب عليها طاعته ، وإذا كان الحاكم جائرا ، فيجب عليها الوقوف إلى صف القيادة الشرعية العليا للثورة عليه والإطاحة به .. وعليه : فإن القيادة الإسلامية الشرعية العليا ( الأنبياء والأوصياء والفقهاء العدول ) تتحمل مسؤولية الحكم .. وأيضا : مسؤولية الثورة .


    البيان الخامس ـ تقرير المصير

    المناسبة : علم الإمام الحسين ( عليه السلام ) أن الخليفة الأموي ( يزيد بن معاوية ) قد أسند ولاية موسم الحج إلى ( عمرو بن سعيد بن العاص ) وجعل معه عسكرا كثيرا ، وأوصاه بأن يفتك بالإمام الحسين ( عليه السلام ) ولو كان متعلقا بأستار الكعبة ، فعزم على الخروج من مكة المكرمة قبل إتمام الحج ، كراهية أن تستباح به حرمة البيت الحرام ، ويضيع دمه هدرا ، فطاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ، واحل من إحرامه ، وجعلها عمرة . وكان خروجه في يوم الثلاثاء بتاريخ : ( 8 / ذي الحجة / 60هـ ) الموافق ( 10 / سبتمبر ـ أيلول / 680 م ) صباحا متوجها إلى العراق ، وخرج معه أهل بيته وأصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة وبعض شيعته ( من الحجاز والبصرة والكوفة ) الذين انضموا إليه أيام إقامته في مكة .. وقبل أن يخرج قام خطيبا في الناس فقال :

    نص البيان : " الحمد لله ، وما شاء الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وصلى الله على رسوله وسلم . خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلاة بين النواويس وكربلا ، فيملأن مني أكرشا جوفا وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم . رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول الله لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس ، تقر بهم عينه ، وينجز بهم وعده . ألا ومن كان فينا باذلا مهجته ، موطنا على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ، فإني راحل مصبحا .. إن شاء الله تعالى " . ( البحار . ج 44 . ص 366 ـ 367 ) .

    قراءة في البيان : يتضمن البيان الكثير من الحقائق والأفكار .. وهي كالتالي :

    أولا ـ قوله ( عليه السلام ) : " الحمد لله ، وما شاء الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وصلى الله على رسوله وسلم " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة تكشف عن منهجه الثوري ، وبالتالي عن منهج الثوار المؤمنين .. وهي :

    النقطة الأولى : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يرى بأن الخير فيما يختاره الله ( تبارك وتعالى ) لعباده .

    النقطة الثانية : أن لا شيء يقع في الحياة والوجود إلا ما يريده الله ( جل جلاله ) .

    النقطة الثالثة : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) في حالة تسليم مطلق لإرادة الله ( تبارك وتعالى ) ورضا تام كامل بقضائه وقدره .

    روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أن آخر الآيات في سورة الفجر .. قول الله تبارك وتعالى : { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبَادِي . وَادْخُلِي جَنَّتِي } ( الفجر : 27 ـ 30 ) نزلت في حـق جـده الإمام الحسين ( عليه السلام ) . ( النفس المطمئنة . دست غيب . ص 11 ) .
    وهذا يعني أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يمثل مصداقها الأتم .

    النقطة الرابعة : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يسير في الحياة على منهج الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهديه .

    قال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا ، حسين سبط من الأسباط " ( صحيح الترمذي.ج2. ص307 ) .

    ثانيا ـ قوله ( عليه السلام ) : " خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلاة بين النواويس وكربلا ، فيملأن مني أكرشا جوفا وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم "

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : حتمية الموت ، وأن أحسن الموت وأشرفه هو القتل في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وأنه من سعادة المؤمن ومواطن الأنس والبشرى والشكر لديه ، والقتل في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) في رؤية الإمام الحسين ( عليه السلام ) والثوار المؤمنين ، بالنظر إلى حتمية الموت الذي يحيط بالإنسان ، هو بمثابة القلادة التي الجميلة التي تحيط بعنق الفتاة ، والتي تضعها الفتاة في عنقها ( أساسا ) من أجل الزينة والجمال .

    وهذا القول يدل على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : شديد حب الإمام الحسين ( عليه السلام ) والثوار المؤمنين للشهادة في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) .

    الأمر الثاني : أن كل من يرفض الذل والهوان ويطمح إلى النصر على الأعداء ، لا يخاف الموت أو القتل .. وأن شعاره في الحياة : هو الشهادة .

    الأمر الثالث : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) في حالة تصميم تام على المضي في ثورته المباركة من أجل تحطيم النظام الطاعوتي المستبد وإحياء الدين .

    النقطة الثانية : شوق الإمام الحسين ( عليه السلام ) للقيا جـده الرسـول الأعظـم الأكـرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأمه وأبيه وأخيه الحسن ( عليهم السلام ) وعم أبيه الحمزة ، وعمه جعفر الطيار ، والشهداء من أصحاب جده وأبيه وأخيه ( رضوان الله تعالى عليهم ) في الفردوس الأعلى في الجنة .

    قال الله تعالى : { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا . مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا . لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا } .
    ( الأحزاب : 22 ـ 23 ) .

    وقال الله تعالى : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } .
    ( آل عمران : 169 ـ 171 ) .

    النقطة الثالثة : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يعلم بمصيره ، وهو القتل في سبيـل اللـه ( تبارك وتعالى ) ويعلم مكان وزمان مصرعه وما يجري عليه وعلى أهل بيته بعد المصرع .. ويؤكد على حتمية ذلك المصير .

    في الحديث : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) لما عزم على الخروج من المدينة ، أتته أم المؤمنين أم سلمة ( رضي الله عنها ) فقالت : يا بني لا تحزني بخروجك إلى العراق ، فإني سمعت جدك يقول : يقتل ولدي الحسين بأرض العراق ، في أرض يقال لها كربلاء .
    فقال لها : يا أماه : وأنا والله أعلم ذلك ، وإني مقتول لا محالة ، وليس لي من هذا بد ، وإني والله لأعرف اليوم الذي أقتل فيه ، وأعرف من يقتلني ، واعرف البقعة التي أدفن فيها ، وإني أعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي ، وإن أردت يا أماه أريك حفرتي ومضجعي .
    ثم أشار إلى جهة كربلاء ، فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره ، وموقفه ومشهده .. فعند ذلك بكت أم سلمة بكاءُ شديدا وسلمت أمره إلى الله .
    فقال لها : يا أماه : قد شاء الله ( عز وجل ) أن يراني مقتولا مذبوحا ظلما وعدوانا ، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشردين ، وأطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيدين ، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا ولا معينا " .
    ( البحار . ج44 . ص 331 ـ 332 ) .


    ويدل هذا المقطع من البيان على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : صبر الإمام الحسين ( عليه السلام ) وتلقيه للمصير المفجع المحتوم المعلوم له بكل تفاصيله المفجعة ، بنفس راضية مسلمة لأمر الله ( جل جلاله ) وخيرته . وقد تعلم الثوار المؤمنون الذين يرون مصارعهم على أيدي أعدائهم شاخصة بين أعينهم ، من الإمام الحسين ( عليه السلام ) الذي رسم لهم منهج الثورة ، الصبر والتسليم لأمر الله ( تبارك وتعالى ) وعدم الخوف من الموت ، وفرحهم بالشهادة كفرح الطفل بمحالب أمه .

    الأمر الثاني : سعي الإمام الحسين ( عليه السلام ) لكسر حاجز الخوف وترسيخ ثقافة المقاومة والفداء في عقلية الأمة الإسلامية ، واستنهاض مخزونها الروحي ، استنادا إلى المسؤولية والتكليف الديني ، والعقل والفطرة والقيم الإنسانية الرفيعة ، من أجل إشعال الثورة للتخلص من الظلم والاستبداد والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان ، وإقامة نظام سياسي عادل ، يقوم على أساس التوحيد . إن السلطات المستبدة الظالمة تلجأ ( دائما ) إلى سياسة التخويف من أجل إيقاف مسيرات الشعوب نحو الحرية والعدالة والفضيلة ، وتنشر الدعاية التخويفية بين أبناء الشعوب المستضعفة لهذا الغرض الخبيث وغير الإنساني ، وتقع الكثير من القيادات الشعبية والتيارات السياسية تحت تأثير هذا الدعاية التخويفية ، فتستسلم وتقبل بالأمر الواقع ، وليس لذلك من مبرر إلا الخوف من الموت وعدم الرغبة في تقديم التضحيات اللازمة للثورة أو الإصلاح والتطوير في المجتمع والدولة ، فتمارس الرقابة الذاتية على نفسها ، وتشارك في الجهود الدعائية لترويج ثقافة التخويف تحت عنوان الدبلوماسية والحكمة ، ليتحول الخوف والحذر من عقاب السلطة إلى ثابت من ثوابت الدبلوماسية والحكمة لدى هذه الشريحة من السياسيين والقيادات الجبانة المرعوبة . إنها في الحقيقة تحمل ثقافة الخنوع والذل واليأس ، والشعور بالعجز أمام طغيان السلطات المستبدة وإمكانياتها في ممارسة القهر والاضطهاد لأبناء الشعوب ، والخوف من الموت وعدم الاستعداد إلى تقديم التضحيات اللازمة للتغير والإصلاح والتطوير .. وهي ( بحسب تقديري وفهمي ) ثقافة غير مبدئية ، ولا واقعية ، ولا دينية ، وتمثل أكبر عائق يقف في وجه الشعوب المستضعفة لمقاومة الاستبداد والظلم والاضطهاد والفساد وانتهاك حقوق الإنسان .

    ونصل على ضوء الثقافة الثورية التي بثها الإمام الحسين في عقل الأمة إلى بعض النتائج المهمة التالية :

    النتيجة الأولى : أن السبيل إلى تحطيم حاجز الخوف في قلوب أبناء الشعوب المستضعفة ، هو نشر الوعي الثوري المبدئي لديها ، وتوفر القيادة المبدئية الواعية والقوية ، التي تمتلك كامل الاستعداد لتقديم أعز التضحيات .. وفي مقدمتها : التضحية بالنفس والأحبة .

    النتيجة الثانية : أن السلطات المستبدة الظالمة ، لا تستطيع أن تقف في وجه الشعوب التي تتبلور لديها رؤية الرفض وتمتلك الحس الثوري الذي يتحول بصورة تلقائية إلى فعل . إن السلطات المستبدة الظالمة تستطيع أن تمارس القتل والإرهاب ، ولكنها لا تستطيع أن تمنع النصر وتحقيق العدالة ونشر الفضيلة إذا توفرت لدى الشعوب جرأة الرفض والانطلاق في الثورة أو الإصلاح .

    النتيجة الثالثة : إن الثقافة الدينية عامة ، والثقافة الدينية الإسلامية خاصة ، هي أقوى الثقافات وأقدرها ( إطلاقا ) على تربية الحس الثوري التحرري المنتج لدى الشعوب المستضعفة .. وعليه : ينبغي رعاية هذه الثقافة ونشرها بين الشعوب المستضعفة من أجل حصولها على الحرية والانعتاق ، وعدم التفريط ( قيد شعرة ) في الصبغة الإسلامية في حركات المعارضة : الإصلاحية والثورية في البلدان الإسلامية ، لأسباب دينية تعبدية ، وأسباب سياسية تتعلق بفرص نجاح الحركات في أهدافها .

    سؤال مهم : إذا كان الإمام الحسين ( عليه السلام ) يعلم بمصيره ، وهو القتل في كربلاء ، فلماذا أرسل ابن عمه ( مسلم بن عقيل ) إلى الكوفة ؟

    الجواب : لقد كان للإمام الحسين ( عليه السلام ) تكليفان .. وهما :

    الأول ـ التكليف الظاهري : ويعمل فيه بحسب الظاهر من الأمور . فأهل الكوفة قد أظهروا الولاء والانقياد له والطاعة لأمره ، وأمام هذا الظاهر ليس له عذر ( وهو من أئمة الهدي المكلفين بهداية البشرية ) في عدم الاستجابة لهم ، وتخليصهم من مخالب الضلال والاستبداد والاضطهاد والظلم اليزيدي ، وتجميعهم على الحق ، وهدايتهم إلى الله ( تبارك وتعالى ) وتطبيق أحكام الله ( عز وجل ) وإقامة النظام الإسلامي العادل فيهم ، بحجة ما جبلوا عليه من الغدر والخيانة ، فتكون لهم الحجة عليه يوم القيامة ، وهذا خلاف وجوده كحجة لله ( تبارك وتعالى ) على الخلق ، وتكليفه بهداية البشرية إلى صراط الله المستقيم ، وإقامة نظام اجتماعي عادل ، يقوم على أساس التوحيد وتطبيق أحكام الله ( تبارك وتعالى ) العادلة فيهم .

    قال الله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا . وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا . رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } ( النساء : 163 ـ 165 ) .


    وقال الله تعالى : { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى } ( طه : 134 ) .

    وقال الله تعالى : { وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ } ( الأنعام : 155 ـ 157 ) .

    الثاني ـ التكليف الواقعي : ويعمل فيه بحسب علمه ( اللدني ) وما أخبره به جده وأبيه ، في الإقدام على الموت صابرا محتسبا ، وتعريض أهله وعياله وأطفاله للأسر والفجائع العظيمة كذلك ، من أجل فضح الباطل الذي كان عليه الخلفاء الأمويين ، وإثبات الحق الذي عليه أئمة الحق من أهل البيت الطيبين الطاهرين ( عليهم السلام ) وإنقاذ المسلمين من مخالب الضلال والظلم والاستبداد والشر والاضطهاد الأموي ، وهدايتهم إلى الحق وتمهيد الطريق إلى حكومة ولي الله الأعظم العادلة في الأرض .

    ثالثا ـ قوله ( عليه السلام ) : " رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة مهمة في المنهج الثوري للإمام الحسين ( عليه السلام ) التي يرسم من خلالها منهج الثوار المؤمنين .. منها :

    النقطة الأولى : الالتزام المطلق للأئمة من أهل البيت ( عليه السلام ) بأمر الله ( تبارك وتعالى ) ونهيه ، وأنهم معصومون ، وإرادتهم ( دائما وأبدا ) من إرادة الله ( عز وجل ) ومعها . فليس لهم إرادة في التشريع أو العمل على خلاف إرادة الله ( عز وجل ) وأن إرادة الله ( تبارك وتعالى ) تتحد ( دائما وأبدا ) مع إرادتهم . وهذا يدل على التزام الثوار المؤمنين ( دائما وأبدا ) بشريعة الله ( تبارك وتعالى ) والقيم الإسلامية الرفيعة ، فلا يخالفون أمر الله ( تبارك وتعالى ) ونهيه في شيء من تفاصيل عملهم الثوري .

    النقطة الثانية : أن التزام الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) والثوار المؤمنين الدائم والمستمر بأمر الله ( تبارك وتعالى ) ونهيه في عملهم الثوري ، يحتاج إلى الصبر والتضحية ، وأنهم شرطوا لله ( تبارك وتعالى ) ذلك ، وعلم منهم الإجابة فقبلهم وقربهم وباركهم .. وأنه يوفيهم أجورهم بغير حساب .

    قال الله تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ .. إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } ( الزمر : 10 ) .

    رابعا ـ قوله ( عليه السلام ) : " لن تشذ عن رسول الله لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس ، تقر بهم عينه ، وينجز بهم وعده " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان على نقاط عديدة مهمة .. منها :

    النقطة الأولى : أن منهج الإمام الحسين ( عليه السلام ) من منهج جده الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وانه لن يشذ عنه أبدا مهما كلفه ذلك من تضحيات .

    النقطة الثانية : أن سير الإمام الحسين ( عليه السلام ) على منهج جده الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الدنيا ، يؤدي إلى الكون معه في الآخرة ، وهذا ينطبق على الثوار المؤمنين الذين يوفون بالتزاماتهم في الثورة الإسلامية .

    قال الله تعالى : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } .
    ( آل عمران ـ 169 ـ 171 ) .

    النقطة الثالثة : أن سير أهل البيت ( عليهم السلام ) والثوار المؤمنين على منهج الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يؤدي إلى فرحه وسروره بهم ، ويؤدي إلى إنجاز الأهداف الرسالية للدين الإسلامي الحنيف في الحياة ، وأن تمام ذلك يقع على يد الإمام القائم المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) في آخر الزمان .

    خامسا ـ قوله ( عليه السلام ) : " ألا ومن كان فينا باذلا مهجته ، موطنا على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ، فإني راحل مصبحا .. إن شاء الله تعالى " .

    بعد أن أسس الإمام الحسين ( عليه السلام ) عقائديا وسياسيا وأخلاقيا إلى السلوك الثوري الاستشهادي ورغب فيه ، وكشف عن منهجه الذي هو منهج الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعاقبة الثوار المؤمنين السائرين على هذا المنهج الرباني المقدس العظيم ، وأنهم مجموعون مع الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حضيرة القدس ، دعا الناس إلى نصرته والسير معه في طريق الثورة على النظام الأموي المستبد الظالم ، مؤكدا على أن مصير من يلحق به هو الشهادة وليس المغانم المادية .

    ويدل هذا المقطع من البيان على أمور مهمة عديدة .. منها :

    الأمر الأول : أن السير في طريق الثورة ونصرة الحق والعدل والفضيلة تتطلب من الثوار الصدق والإخلاص والعمل الدؤوب المستمر والتضحية بكافة أشكالها .

    الأمر الثاني : ضرورة المحافظة على الصبغة العقائدية في العمل السياسي والثوري الإسلامي وعدم التفريط فيها قيد شعرة .. وذلك للأسباب التالية :

    السبب الأول : إبراز التمسك بالمنهج والقيم الإسلامية في العمل .
    السبب الثاني : لكي يبارك الله ( تبارك وتعالى ) عملهم ، ويفتح لهم أبواب النصر .
    السبب الثالث : لكي يكونوا مستحقين للثواب في الآخرة .
    السبب الرابع : توظيف المخزون الروحي للمحافظة على تماسك الجماعة وقوتها وصلابة مواقفها .. وعليه : زيادة فرص نجاحها كما أثبتت التجارب .

    الأمر الثالث : ضرورة التأسيس ( إسلاميا ) من الناحية الفكرية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية للأنشطة والمواقف السياسية والثورية الإسلامية . وقد سبق القول : بأن المواقف السياسية والثورية الغير مؤسس لها ، هي مواقف بدون هوية ، وتمثل شكلا من أشكال العبثية والضياع في الحياة .

    الأمر الرابعة : ضرورة الشفافية والمكاشفة بحقائق الأمور في المواقف والأوضاع بين القائد والجماهير ، فلا يصح من القائد أن يعطي نصف الحقيقة ويخفي النصف الآخر ، إلا إذا تعلق الأمر بأمن القضية وسلامتها ، فالحقيقة ملك عام للجماهير وليس للقائد وحده ، وعلى مدى المكاشفة ووضوح الحقيقة لدى الجماهير ، يتم التمييز بين الإتباع الواعي المحمود ، والإتباع الأعمى المذموم ، والمكاشفة تدل على صدق القائد ووضوح الرؤية الكاملة لديه ، وغيابها قد يشكل نموذجا للخيانة ودليلا على عدم وضوح الرؤية لدى القائد ، والإتباع بدون المكاشفة ووضوح الحقيقة يدل على السذاجة والضياع ( قطعا ) ولا يتلاءم مع كرامة الإنسان وحريته ، وتعتبر الشفافية والمكاشفة بين القيادة والجماهير ، سمة جوهرية من سمات المنهج الإسلامي الثوري .

    إن تصريح الإمام الحسين ( عليه السلام ) بالمصير المحتوم الذي ينتظره ( وهو القتل ) يكشف عن أمر في غاية الأهمية في المنهج الإسلامي للثورة ، وهو الوضوح والصراحة مع الجماهير ، لكي يكون إتباعها للقائد عن وعي وبصيرة وإرادة حرة واعية ، وليس عن تقليد أعمى أو قهر يتنافي مع كرامة الإنسان وحريته ، وهذا يعطي الثورة مصداقيتها ، ويجعلها مطابقة لتعاليم ومبادئ وقيم الإسلام العظيم . فالإمام الحسين ( عليه السلام ) لم يوعد الناس ويمنيهم بالمغانم والمكاسب المادية من وراء الثورة ، لكي يتبعوه ويحقق بهم أكثرية عمياء ينتصر بها على خصمه ( يزيد بن معاوية ) وإنما صارحهم بأن مصيره ومصير كل من يتبعه هو القتل في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وهذه الصراحة والشفافية هي مما يمتاز به المنهج الإسلامي السياسي والثوري عن غيره من المناهج ، التي تعتمد الكذب والغموض والمراوغة والخديعة وغيرها من الصفات الرذيلة كأسلوب في العمل ، وذلك لأن العمل والنظم السياسية المادية ، مرتبطة بالدنيا ومنافعها ، وغلبة الأهواء والرغبات على الحق والعدل والفضيلة ، وغلبة المصالح الشخصية والخاصة على المصالح العامة للدين والمجتمع والدولة .. وعليه : فإن التوسل بالكذب والخديعة والتملق أمر طبيعي لدى أتباع هذه المناهج ، حيث لا يعقل أن تكون الوسيلة لهدف يخلو من النبل والشرف .. متصفة بالنبل والشرف . بينما المنطلق في العمل الإسلامي ( الثوري والسياسي ) هو الإخلاص لله ( تبارك وتعالى ) والغاية منه تحصيل رضاه ( جل جلاله ) وتثبيت دعائم الأخلاق والفضيلة ، والقضاء على الظلم والجور والفساد ، وتأسيس مجتمع عقائدي يقوم على أساس التوحيد ، الأمر الذي تتحقق به السعادة للإنسان في الحياة الدنيا والآخرة .. وعليه : فإن الوسائل يجب أن تكون شريفة ونبيلة ومتوافقة مع الحق والعدل ، لأن الحق لا يمكن أن ينتصر بالباطل ، وأن انتصار الحق بالباطل ، هو انتصار للباطل وليس للحق . فليس في الإسلام غير الحق والعدل والصدق والفضيلة والنبل والشرف والخير .

    قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : " الطالب بالشر مغلوب ، المحارب للحق محروب " ( غرر الحكم ) .


    البيان السادس ـ التبصير وإقامة الحجة


    المناسبة : في طريق الإمام الحسين ( عليه السلام ) من مكة المكرمة إلى العراق ، نزل في منطقة شراف ، وهناك طلع عليه ( الحر بن يزيد الرياحي ) مع ألف فارس ، وكانت لديه مهمة عسكرية كلفه بها ( ابن زياد ) وهي إجبار الإمام الحسين ( عليه السلام ) على الدخول إلى الكوفة . وكان ( الحر الرياحي ) يتعامل مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) بأدب ولباقة . وبعد صلاة الظهر بإمامة الإمام الحسين ( عليه السلام ) خطب فيهم .. فحمد الله ( تبارك وتعالى ) وأثنى عليه وصلى على النبي محمد وآله وقال :

    نص البيان ـ القسم الأول : " أيها الناس : إنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله ، يكن أرضى لله عنكم ، ونحن أهل بيت محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم ، والسائرين بالجور والعدوان ، فإن أبيتم إلا الكراهية لنا ، والجهل بحقنا ، وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم ، وقدمت علي به رسلكم ، انصرفت عنكم " ( البحار . ج 44 . ص 377 ) .

    قراءة في البيان ـ القسم الأول : تضمن هذا القسم من البيان الكثير من الحقائق والأفكار .. وهي كالتالي :

    أولا ـ قوله ( عليه السلام ) : " أيها الناس : إنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله ، يكن أرضى لله عنكم " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : تختلف أنظمة الحكم في الأرض ، وأن رضا الله سبحانه وتعالى يكون في إتباع النظام الإلهي الحق .. وهو النظام الذي يدعو إليه الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

    النقطة الثانية : أن الله سبحانه وتعالى ، قد جعل على نظام الحكم الإلهي ، أئمة هدى يدعون إليه ويطبقون أحكامه .. والمطلوب من الناس : معرفتهم وطاعتهم .

    النقطة الثالثة : أن التمسك بأئمة الهدى القائمين على نظام الحكم الإلهي ( في عصر الظهور والغيبة ) يحتاج إلى التقوى ومخالفة الهوى ومقاومة الترهيب والترغيب من أئمة الجور ، وعدم الخضوع لهم ، فإن من يتبع الهوى ، لا يتبع أئمة الهدى ، ومن يخضع للترهيب والترغيب من أئمة الجور .. قد ينحرف عنهم فكريا وسياسيا .

    ثانيا ـ قوله ( عليه السلام ) : " ونحن أهل بين محمد ( صلى الله عليه وآله ) أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم ، والسائرين بالجور والعدوان "

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : أن أهل البيت ( عليهم السلام ) هم أئمة الهدى الذين جعلهم الله تعالى على رأس نظام الحكم الإلهي ، وهم أهل لذلك بما يتحلون به من الصفات .. مثل : العلم الكامل بالشريعة ، والكفاءة في التدبير ، والشجاعة ، والعفة ، والكرم . أما ( يزيد بن معاوية ) فليس له الحق ( إسلاميا ) في تولي الحكم الإسلامي ( لا بالنص ولا بالتفويض من الأمة ، ولا هو يتحلى بالصفات المطلوبة في الحاكم ) وأن توليه للحكم يقوم على أساس القوة وفرض الأمر الواقع .. وهو أمر باطل شرعا وعقلا .

    النقطة الثانية : أن ( يزيد بن معاوية ) بالإضافة إلى عدم شرعية حكمه ، فإنه حاكم ظالم ومفسد في الأرض ، وأن ظلمه ليس نابعا من مجرد المخالفة للأحكام الشرعية ، وإنما بسبب طبعه الخبيث وأخلاقه الفاسدة .. وعليه : لا يوجد أساس عقلي ولا ديني ولا عملي للقبول ببقائه في الحكم ، وتفضيله على الإمام الحسين ( عليه السلام ) بل على العكس من ذلك : توجد كل المبررات العقلية والدينية والعملية للثورة عليه وإقصائه عن الحكم ، وإن السكوت على حكمه مخالف للعقل والفطرة والدين ، وهذا ما لا ينبغي أن تفعله الشعوب الحية أبدا .

    ثالثا ـ قوله ( عليه السلام ) : " فإن أبيتم إلا الكراهية لنا ، والجهل بحقنا ، وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم ، وقدمت علي به رسلكم ، انصرفت عنكم " .

    يتناول الإمام الحسين ( عليه السلام ) في هذا المقطع من البيان جانبا ( عمليا ) يقيم من خلاله الحجة البالغة على خصومه . فبعد أن أوضح لهم الأسس العقلية والدينية والعملية لأحقيته بالحكم والداعية إلى إقصاء ( يزيد بن معاوية ) وتقديمه عليه .. قال لهم : إذا كنتم لا تريدون الالتزام بهذه الأسس العقلية والدينية والعملية الداعية إلى إقصاء ( يزيد بن معاوية ) من الحكم وتقديمي عليه ، فإنكم قد قدمتم إلي الدعوة للحضور إلى العراق ، فإن كان رأيكم في ذلك قد تغير ، فدعوني أرجع من حيث أتيت .

    فرد عليه الحر : " إني لست من هؤلاء ( يعني الذين كتبوا إليه ) وإني أمرت أن لا أفارقك إذا لقيتك .. حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد " .

    فرد عليه الإمام الحسين ( عليه السلام ) : " الموت أدنى لك من ذلك " وهذه هي حقيقة النفوس الأبية الكريمة ( دائما ) في مواجهة التحديات وعمليات الإهانة والإذلال والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان .

    وبعد أخذ ورد .. قال الحر : " إني لم أؤمر بقتالك ، وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة .. فإذ أبيت : فخذ طريقا نصفا بيني وبينك ، لا يدخلك الكوفة ، ولا يردك المدينة ، حتى اكتب إلى الأمير ( عبيد الله بن زياد ) فلعل الله أن يرزقني العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك " .. وعليه اتفق الطرفان .

    وفي منطقة البيضة خطب الإمام الحسين ( عليه السلام ) فيهم ثانية ، فحمد الله ( تبارك وتعالى ) وأثنى عليه .. وقال :

    نص البيان ـ القسم الثاني : " أيها الناس : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد قال في حياته : من رأي منكم سلطانا جائرا ، مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهده ، مخالفا لسنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغير عليه بقول ولا فعل ، كان حقا على الله أن يدخله مدخله .. وقد علمتم أن هؤلاء القوم : قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلوا حرام الله ، وحرموا حلاله ، وأنا أحق بهذا الأمر لقرابتي من رسـول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد أتتني كتبكم ، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم ، أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فإن وفيتم لي بيعتكم ، فقد أصبتم حظكم ورشدكم ، ونفسي مع أنفسكم ، وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم ، فلكم بي أسوة . وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم ، وخلعتم بيعتكم ، فلعمري ما هي منكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم ، والمغرور من اغتر بكم ، فحظكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيعتم ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم ، والسلام " ( البحار . ج 44 . ص 382 ) .

    قراءة في القسم الثاني من البيان : يتضمن هذا القسم من البيان الكثير من الحقائق والأفكار .. وهي كالتالي :

    أولا ـ قوله ( عليه السلام ) : " أيها الناس : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد قال في حياته : من رأي منكم سلطانا جائرا ، مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهده ، مخالفا لسنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغير عليه بقول ولا فعل ، كان حقا على الله أن يدخله مدخله " .

    لقد تجاهل ( الحر الرياحي ) الأسس الدينية والعقلية والعملية التي طرحها سيد الشهداء الإمام الحسين ( عليه السلام ) الداعية لإقصاء يزيد عن الحكم ، وتقديـم سبط رسـول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الإمام الحسين ( عليه السلام ) كبديل عنه .. وتمسك بأمرين ذا بعد شخصي وهما :

    الأمر الأول : أنه لم يكن من الذين كتبوا للإمام الحسين ( عليه السلام ) .
    الأمر الثاني : التكليف العسكري له من القيادة السياسية التي بايعها .

    وهذا يدل على غياب التأسيس الفكري والقيمي للمواقف السياسية ، مما يغيب المعايير الصحيحة لحكم عليها ، وهذا ما يفعله الطواغيت والحكام المستبدون ( دائما ) بهدف التضليل وتحصيل الدعم الأعمى من الشعوب المستضعفة لمواقفهم الاستبدادية الظالمة ، وهو مخالف ( بالطبع ) للمنهج الإسلامي العظيم ، الذي يسعى دائما إلى التأسيس الفكري والقيمي للمواقف ، لكي يعطي للمواقف السياسية هويتها ، ويتيح للناس فرصة التقييم الدقيق والصحيح إليها .

    لهذا نجد أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) قد لجأ إلى أمر مباشر ، وهو حديث من الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يأمر فيه المسلمين بالثورة على الحاكم المنحرف عن الدين ، والذي يسير في الناس بالظلم والعدوان ، ومن لم يفعل ذلك منهم ، فإنه يغضب الله ( عز وجل ) وأن مصيره إلى النار ، وهذا يدخل ضمن التنويع في قواعد التأسيس للمواقف .

    فقد أشار الإمام الحسين ( عليه السلام ) بصورة مباشرة إلى جانبين .. وهما :

    الجانب الأول : التحريض المباشر على الثورة استنادا إلى فتوى شرعية عن الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهي ملزمة لكل مسلم .

    الجانب الثاني : التخويف بالعذاب في الآخرة لمن يخالف الفتوى أو التكليف الشرعي .

    وهذا يدل على أمور في غاية الأهمية ، ينبغي علينا أن نتعلمها من المنهج الثوري للإمام الحسين ( عليه السلام ) .. منها :

    الأمر الأول : سعي الإمام الحسين ( عليه السلام ) لإعادة بناء نظام المعرفة وتشكيل وعي الأمة ، وتطهير عقلها من الأفكار القاتلة للثورة ، والداعية لمهادنة الظلم والطغيان وقوى الاستكبار ، وليبعث فيها روح الحياة من جديد ، فتحطم القيود والأغلال التي تمنعها من النهوض والانطلاق في المسار الصحيح لصناعة تاريخها الرسالي المشرق ، مستفيدا مما يختزنه التراث الإسلامي العظيم من قوة التأثير ، ليقدم لها معالجات جذرية للسكون المميت في حياتها كأمة تريد أن تشق طريقها بين الأمم كخير أمة أخرجت للنـاس ، وقـد حرص الإمام الحسين ( عليه السلام ) على أن تلتحم في معالجاته وتأسيساته الفكرية والسياسية ، معطيات الكتاب والسنة ( الوحي ) مع البراهين العقلية ، والحكمة العملية ، والقيم الأخلاقية ، والمشاعر الفطرية للإنسان .

    الأمر الثاني : أن المواقف النبيلة من الإمام الحسين ( عليه السلام ) مع خصومه والصبر عليهم ، والنفس الطويل في معالجة أوضاعهم بشكل يتجلى فيه الإيثار والتضحية والحرص الشديد على هدايتهم ، يدل على عدم وجود عداوة شخصية بينه ( عليه السلام ) وبين خصومه ( وهذا حال كافة الثوار المؤمنين ) فهو لا يريد لهم الشر ، وإنما يريد لهم الخير والهداية ، وأن خصومته هي في الحقيقة مع أطروحاتهم ومواقفهم المنحرفة عن الحق والعدل والخير والفضيلة .. وليست مع أشخاصهم . وهذا الحال أو الموقف من الإمام الحسين ( عليه السلام ) مع خصومه ، ليس بسبب الضعف أو الخوف من الموت ، وليس من أجل المصالح المادية والدنيوية ، وإنما لأنه ( عليه السلام ) يحمل رسالة سماوية تريد الخير للناس جميعا ، وهو يمتـلك كامـل الاسـتعداد لأن يضحي بنفسه وما يملك من اجلها .. وهذا ما أثبتته التجربة بما لا يدع أي مجال للشك عند أحد من العقلاء المنصفين .

    ونتوصل من خلال هذا المقطع من البيان إلى النتائج المهمة التالية :

    النتيجة الأولى : أن التكليف الأولي ( الموقف الأصل ) للمسلم هي الثورة على الباطل والظلم والاستبداد والاضطهاد والفساد ، لأن الإسلام العظيم يريد تحقيق السعادة للإنسان ، فلا بد له أن يحارب العوامل المضادة لها . وهو يستقبح الباطل والظلم والاستبداد والاضطهاد والفساد في الأرض ، فلا بد له أن يحارب الظالمين والمستبدين والمفسدين ، ولا يمكنه أن يقبل من المسلمين الرضا بهم ( اختيارا ) في مجتمعاتهم . ولهذا فالإسلام يرفض النظم التي تقوم على أساس الباطل والقهر والاستبداد ودعا إلى مجابهتها ، وقد عظم قيمة الشهادة ، ورفع من شأن الشهداء في سبيل الحق والعدل والفضيلة والحرية ، واستقبح السكوت عن الباطل والظلم والفساد والاستبداد .. واعتبر الساكت شيطان أخرس .

    أما العلماء المسلمون : فيعتبرون الثورة على الظلم والانحراف ميل فطري لدى الإنسان السوي ، وحكم عقلي أقرته الشريعة الإسلامية المقدسة ، والثورة في الإسلام جزء من التكليف الشرعي للإنسان المؤمن ، من أجل إقامة الحق ، وإشاعة العدل والسلام والخير والفضيلة في المجتمع ، ومن يتخلى من المسلمين عن هذا التكليف ( بدون عذر ) فإن مصيره إلى النار وبئس القرار .. مع التأكيد على ثلاثة أمور أساسية وهي :

    الأمر الأول : أن ممارسة هذا التكليف ( الثورة ) تحتاج إلى غطاء شرعي ، ووجود الحاكم الشرعي ضروري منذ اللحظة الأولى ( بحسب فتوى بعض الفقهاء ) .

    الأمر الثاني : أن التعاطي المرحلي مع النظام الظالم ، ينبغي أن يكون على حذر ، بحيث لا يستغل لصالح النظام المستبد الظالم ، ولا يسمح بإطالة عمره وتدعيم أركان وجوده .

    الأمر الثالث :ٍ أن السكوت على الظلم يحتاج إلى عذر وتبرير عقلي واقعي وإلى رخصة شرعية من القيادة الإسلامية الشرعية العليا .

    النتيجة الثانية : أن البيعة لا تعطي الشرعية ، وأن قيمتها حينما تأتي مع الشرعية ، وتفيد الوقوف العملي إلى صفها ، وهي غير ملزمة ، ولا قيمة لها مع عدم توفر الشرعية .

    النتيجة الثالثة : أن ما احتج به ( الحر ) لا يلغي مسؤوليته الدينية والاجتماعية في الثورة على ( يزيد ) ونصرة الإمام الحسين ( عليه السلام ) لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

    ثانيا ـ قوله ( عليه السلام ) : " وقد علمتم أن هؤلاء القوم : قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلوا حرام الله ، وحرموا حلاله ، وأنا أحق بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : أن التجربة العملية للمسلمين مع حكم ( يزيد بن معاوية ) تشير إلى انحرافه في نفسه عن الدين ، وإظهاره للفساد والظلم في المجتمع ، مما يوجب ( شرعا وعقلا ) الثورة عليه .. وإن زعم القائمون على السلطة وأبواقهم المأجورة ( كما هي العادة في كل زمان ومكان ) خلاف ذلك .

    يقول ( عبيد الله بن زياد ) في خطاب له في مسجد الكوفة ، يحرض فيه أهل الكوفة على حرب الإمام الحسين ( عليه السلام ) : " أيها الناس : إنكم بلوتم آل أبي سفيان ، فوجدتموهم كما تحبون .. وهذا أمير المؤمنين ( يزيد ) قد عرفتموه : حسن السيرة ، محمود الطريقة ، محسنا إلى الرعية ، يعطي العطاء في حقه ، وقد أمنت السبل على عهده ، كذلك كان أبوه معاوية في عصره ، وهذا ابنه ( يزيد ) يكرم العباد ويغنيهم بالأموال ، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة ، وأمرني أن أوفرها عليكم ، وأخرجكم إلى حرب الحسين ، فاسمعوا له وأطيعوا " ( مقتل الحسين . المقرم . ص 237 ) .

    النقطة الثانية : أن البديل عن ( يزيد ) في الحكم ، هو الإمام الحسين ( عليه السلام ) نظرا لقرابته من الرسول الأعظم الكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فهو الأعلم بدينه ، والأكثر أمانة عليه ، والأصدق في تطبيق منهجه ، والقيام بالعدل في أمته ، وقد أوصى الله ( تبارك وتعالى ) الأمة برعاية أهل بيت النبوة .

    قال الله تعالى : { تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ . ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } ( الشورى : 22 ـ 23 ) .

    ثالثا ـ قوله ( عليه السلام ) : " وقد أتتني كتبكم ، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم ، أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فإن وفيتم لي بيعتكم ، فقد أصبتم حظكم ورشدكم ، ونفسي مع أنفسكم ، وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم ، فلكم بي أسوة . وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم ، وخلعتم بيعتكم ، فلعمري ما هي منكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم ، والمغرور من اغتر بكم ، فحظكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيعتم ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الإشارة إلى ما جاءه من الكتب والرسل من أهل الكوفة ، وهذه النقطة قد تكرر ذكرها في بيانات ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وهي تدل على عدة أمور أساسية .. منها :

    الأمر الأول : أهمية تكرار بعض الحقائق لترتيب الأثر المطلوب في النتيجة .

    الأمر الثاني : التأكيد على أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) معذور ( عقلا وشرعا ) في قدومه إلى الكوفة ، وهذا يفرض التعاطف معه من قبل كل إنسان غيور ، ولو بالتوصل إلى الحلول الوسطى .. وعدم القبول بقتله فضلا عن المشاركة فيه .

    الأمر الثالث : التأكيد على خيانة الذين تخلوا عن نصرته بعد مراسلته ، مما يساعد أصحاب الضمائر على التعاطف معه ونصرته ضد هؤلاء الخونة ، وهذا يدخل ضمن التأسيس الاجتماعي والقيمي للمواقف .

    النقطة الثانية : الإشارة إلى النتائج الإيجابية للوفاء بالبيعة ( في دائرتها الشرعية ) والنتائج السلبية لنقضها ، وتحذيرهم من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة .

    النقطة الثالثة : تذكيرهم بتاريخهم السيئ في نقض البيعة مع أبيه وأخيه وابن عمه ( مسلم بن عقيل ) وهذا يدل على سوء طبعهم وخيانتهم ، وكان قد تجنب قبل ذلك الإشارة إلى هذا الموضوع ، ولكن مع تكرار الخيانة ، رأى الإشارة إليها وإلى دلالتها الأخلاقية وعواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة .. بهدف الردع عنها .

    قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ( الأنفال : 27 ) .

    وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : " إياكم والخيانة ، فإنها شر معصية ، فإن الخائن لمعذب بالنار على خيانته " ( ميزان الحكمة . ج3 . ص 195 ) .

    وقال ( عليه السلام ) : " غاية الخيانة خيانة الخل الودود ونقض العهود " .
    ( نفس المصدر . ص 198 ) .

    النقطة الرابعة : تأكيده ( عليه السلام ) على أن خيانتهم له ونقضهم لبيعته ، لن يحمله على التراجع عن الثورة ، فقد حزم حقائبه للسير في طريقها ، وهو مصمم على المضي فيها حتى نهايتها .. وحتى يحكم الله بينه وبين القوم الظالمين وهو خير الحاكمين .

    النقطة الخامسة : الإشارة إلى العلاقة التي سوف تربطه بهم كقائد ، فسوف يكون متواجدا معهم في المحن والأزمات الصعبة والأوضاع الخطيرة كواحد منهم ، يتحسس آلامهم وهمومهم ويخدم قضاياهم ، وسوف يربط مصيره بهم ، ولن يتخلى عنهم .. لأن القيادة في وجهة نظره تهدف : إلى خدمة الناس وسعادتهم ، والقضاء على الظلم والتخلف والاستبداد والفساد قربة إلى الله ( تبارك وتعالى ) وليس السيادة من أجل رضا النفس والسيطرة على ثروات الشعوب ونهبها .

    إن هذه العلاقة بين القيادة والقاعدة : تعتبر الأسلوب الأكثر تأثيرا في تحريك الأمة في كافة القضايا الكبيرة والمصيرية في حياتها ، وضمان ديمومة الثورة والدولة ونجاحهما في تحقيق أهدافهما ، وأن تبقى الثورة والدولة في خدمة عامة الناس ولا سيما المستضعفين منهم ، وتحصين الشعوب والثوار من اختراق القوى المضادة لهما ، وأن أي نظام سياسي لا يقوم على أساس إرادة الناس وخدمة مصالحهم ، ويحظى بتأيدهم له .. لا يمكن أن يكتب له البقاء والنجاح .

    قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في عهده لمالك الأشتر : " وأشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبة لهم ، واللطف بهم ، ولا تكن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم .. فإنهم صنفان : إما أخ لك في الدين ، وإما نظير لك في الخلق ، يفرط ( يسبق ) منهم الزلل ، وتعرض منهم العلل ، ويؤتى على أيديهم ( السيئات ) في العمد والخطأ ، فأعطهم عفوك وصفحك ، مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ، فإنك فوقهم ، ووالي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولاك " ( نهج البلاغة ) .

    يقول آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله ( أمد الله تعالى في ظله المبارك ) : " إن القيادة التي تعتبر نفسها جزءا من الجماهير هي القيادة التي يمكن أن تنفع الجماهير وتغيرها . أما القيادة التي تعتبر نفسها فوق الجماهير فهي قيادة لا تستطيع أن تفهم الجماهير " .
    ( صراع الإرادات . سليم الحسني . ص 73 ) .


    البيان السابع ـ ساعة المواجهة


    المناسبة : نزل سيد الشهداء الإمام الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء المقدسة في يوم الخميس بتاريخ ( 2 / محرم / 61هـ ) الموافق ( 2 / أكتوبر ـ تشرين الأول / 680م ) وفي يوم الجمعة ، العاشر من المحرم ، سنة إحدى وستين ( 10 / محرم / 61هـ ) الموافق ( 10 / أكتوبر ـ تشرين الأول / 680م ) أحاط الجيش الأموي وقوامه ( ثلاثون ألف مقاتل ) بقيادة ( عمر بن سعد ) بسبط الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام ) فلما نظر إليهم ، رفع يديه بالدعاء .. وقال :

    " اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة . كم هم يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك ، وشكوته إليك ، رغبة مني إليك عمن سواك ، فكشفته ، وفرجته . فأنت ولي كل نعمة ، ومنتهى كل رغبة " .

    ثم دعا براحلته فركبها ونادى بصوت عال يسمعه جلهم .. فقال :

    نص البيان ـ القسم الأول : " أيها الناس : اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي ، وحتى أعذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري ، وصدقتم قولي ، وأعطيتموني النصف من أنفسكم ، كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم علي سبيل ، وإن لم تقبلوا مني العذر ، ولم تعطوا النصف من أنفسكم ، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ، ثم لا يكون أمركم عليكم غمة ، ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ، إن وليي الله الذي نزل الكتاب ، وهو يتولى الصالحين .

    عباد الله : اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر ، فإن الدنيا لو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد ، لكانت الأنبياء أحق بالبقاء ، وأولى بالرضا ، وأرضى بالقضاء ، غير أن الله خلق الدنيا للفناء ، فجديدها بال ، ونعيمها مضمحل ، وسرورها مكفهر ، والمنزل تلعة ، والدار قلعة ، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى ، واتقوا الله لعلكم تفلحون .

    أيها الناس : إن الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال ، متصرفة بأهلها حالا بعد حال ، فالمغرور من غرته ، والشقي من فتنته ، فلا تغرنكم هذه الدنيا ، فإنها تقطع رجاء من ركن إليها ، وتخيب طمع من طمع فيها ، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم ، وأعرض بوجهه الكريم عنكم ، وأحل بكم نقمته ، فنعم الرب ربنا ، وبئس العبيد أنتم ، أقررتم بالطاعة ، وآمنتم بالرسول محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم ، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم ، فتبا لكم ولما تريدون ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم ، فبعدا للقوم الظالمين .

    أيها الناس : انسبوني من أنا ، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا ..
    هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟
    ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول مؤمن مصدق لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بما جاء به من عند ربه ؟
    أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟
    أو ليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي ؟
    أو لم يبلغكم قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لي ولأخي : هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟
    فإن صدقتموني بما أقول ( وهو الحق ) والله ما تعمدت الكذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا ( جابر بن عبد الله الأنصاري ) و ( أبا سعيد الخدري ) و ( سهل بن سعد الساعدي ) و ( زيـد بن أرقـم ) و ( أنس بن مالك ) يحبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لي ولأخي .
    أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟!


    فقال له ( شمر بن ذي الجوشن ) : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول !
    فقال له ( حبيب بن مظاهر ) : والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا ، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول .. فقد طبع الله على قلبك .

    فقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) : فإن كنتم في شك من هذا القول ، أفتشوكن أني ابن بنت نبيكم ؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم .
    ويحكم : اتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟
    أو مال لكم استهلكته ؟
    أو بقصاص من جراحة ؟


    فأخذوا لا يكلمونه ..
    فنادى : يا ( شبث بن ربعي ) ويا ( حجار بن أبحر ) ويا ( قيس ين الأشعث ) ويا ( زيـد بن الحارث ) ألم تكتبوا إلي أن أقدم ، قد أبنعت الثمار ، واخضر الجنان ، وإنما تقدم على جند لك مجندة ؟

    فقالوا : لم نفعل !!
    فقال : سبحان الله .. بلى والله لقد فعلتم .

    أيها الناس : إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض !!

    فقال له قيس ابن الأشعث : أولا تنزل على حكم بني عمك ؟
    فإنهم لن يروك إلا ما تحب ، ولن يصل إليك منهم مكروه .

    فقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) : أنت أخو أخيك !! أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل ؟
    لا والله : لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفر فرار العبيد .

    عباد الله : إني عذت بربي وربكم أن ترجمون . وأعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب " ( البحار . ج45 . ص 6 ـ 7 ) .


    يتضمن هذا القسم من البيان الكثير من الحقائق والأفكار .. وهي كالتالي :

    أولا ـ قوله ( عليه السلام ) : " أيها الناس : اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي ، وحتى أعذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري ، وصدقتم قولي ، وأعطيتموني النصف من أنفسكم ، كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم علي سبيل ، وإن لم تقبلوا مني العذر ، ولم تعطوا النصف من أنفسكم ، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ، ثم لا يكون أمركم عليكم غمة ، ثم اقضوا إلي ولا تنظرون { إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } ( الأعراف : 196 ) .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : طلبه ( عليه السلام ) منهم أن يسمعوا له ولا يستعجلوا قتاله ، وان الهدف من ذلك هو عظتهم وبيان عذره في القدوم إليهم ، ويرى بأن وعظهم حق لهم عليه ، وانه يدخل في دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

    ويدل هذا الموقف على عدة أمور .. منها :

    الأمر الأول : مدى الشفقة والرحمة التي يحملها الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى عامة الناس .. حتى خصومه وأعدائه ، والتعامل معهم يمسؤولية كبيرة ، مثله كمثل جده الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

    قال الله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } ( آل عمران : 159 ) .

    وقال الله تعالى : { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ . فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } ( التوبة : 128 ـ 129 ) .

    الأمر الثاني : أنه لا خصومة شخصية بينه وبين الذين برزوا لقتاله ظلما وعدوانا ، وأنه يتعامل معهم من خلال الحكم الشرعي والقيم السماوية والإنسانية العالية ، وأن الموقف الصعب الذي يقف فيـه معهم ، لا ينسيه تكليفه الشرعي بوجوب وعظهم وإرشادهم ونصيحتهم قبل قتاله معهم .

    قال الله تعالى : { وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ( الأعراف : 164 ) .

    الأمر الثالث : صدقه فيما طرحه عن العلاقة التي تربطه بهم كقائد رسالي عظيم .

    النقطة الثانية : الإشارة إلى أنهم بين موقفين .. وهما :

    الموقف الأول ـ الاستجابة له : وفيه الإنصاف منهم ، وسعادتهم في الدنيا والآخرة .
    الموقف الثاني ـ عـدم الاستجابة له : وهو ظلم منهم وخيانة ، وشقاء لهم في الدنيا والآخرة .

    النقطة الثالثة : أن موقفه هذا منهم ، ليس خوفا من الموت ، وإنما هو استجابة لتكليف رسالي وإنساني مقدس .

    قال ( عليه السلام ) : " الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم ، يحوطونه ما درت معايشهم ، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون " .

    وقال ( عليه السلام ) مخاطبا أصحابه : " أما بعد : فقد نزل بنا من الأمر ما قد ترون ، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ، ولم يبقى منها إلا صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل . إلا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء الله ، فإني لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برما " ( البحار . ج 44 . ص 381 ) .

    النقطة الرابعة : أن وليه وناصره في موقفه هو الله ( تبارك وتعالى ) وانه لا ناصر لهم من الله ( عز وجل ) في الدنيا والآخرة .

    قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ . أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا . ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ } ( محمد : 7 ـ 11 ) .

    ثانيا ـ قوله ( عليه السلام ) : " عباد الله : اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر ، فإن الدنيا لو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد ، لكانت الأنبياء أحق بالبقاء ، وأولى بالرضا ، وأرضى بالقضاء ، غير أن الله خلق الدنيا للفناء ، فجديدها بال ، ونعيمها مضمحل ، وسرورها مكفهر ، والمنزل تلعة ، والدار قلعة ، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى ، واتقوا الله لعلكم تفلحون " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الوصية بتقوى الله تعالى والحذر من الدنيا .

    وهذا يدل على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : التأكيد على ما جاء في بيان فلسفة الثورة ، من أن الصراع بين الثوار المؤمنين وخصومهم .. يقوم على أساس : حرص الثوار المؤمنين على الدين والآخرة ، بينما حرص خصومهم على الدنيا وما فيها من السلطة والثروة والجاه والنفوذ .

    الأمر الثاني : أن تقوى الله تعالى تردع المتقين عن الظلم والعدوان من أجل الدنيا أو تحت تأثير الترهيب والترغيب .

    الأمر الثالث : أن كل موقف في الحياة له صلة بالتقوى . فموقفهم من قتاله ونصرة ( يزيد بن معاوية ) أو العكس .. له صلة مباشرة بالتقوى ، وعليهم أن يحددوا موقفهم على هذا الأساس .

    الأمر الرابع : أن الإعراض عن التقوى يؤدي إلى شقاء الإنسان وليس سعادته ، ويأتي على حساب إنسانيته وكرامته .

    قال الله تبارك وتعالى : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } ( طه : 124 ) .

    النقطة الثانية : الإشارة إلى عدم بقاء الإنسان في الدنيا ، وأنه راحل عنها بالموت إلى الآخرة .. وعليه : فإنها لا تستحق أن يفضلها الإنسان على الآخرة .

    النقطة الثالثة : الإشارة إلى تقلب أحوال الإنسان في الدنيا . من الصحة إلى المرض ، ومن الغنى إلى الفقر ، ومن النصر إلى الهزيمة ، ومن العز إلى الذل .. وعليه : فإن الإنسان العاقل لا يركن إليها ، ولا يغتر بها .

    النقطة الرابعة : الوصية بالـتزود إلى الآخرة ، وبيـان أن خـير الـزاد للآخـرة التقـوى .. ويترتب على ذلك : مراجعتهم لموقفهم من قتاله على أساس التقوى ، ومن البديهي ( بحسب كل الاعتبارات ) أن قتاله ونصرة ( يزيد بن معاوية ) مخالف للتقوى .

    النقطة الخامسة : أن فوزهم أو خسارتهم ، سعادتهم أو شقائهم في الدنيا والآخرة ، يتوقف على مدى التزامهم بالتقوى في المواطن والمواقف كلها ، وعليهم أن يأخذوا ذلك بعين الاعتبار في موقفهم من قتاله ونصرة ( يزيد بن معاوية ) .

    ثالثا ـ قوله ( عليه السلام ) : " أيها الناس : إن الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال ، متصرفة بأهلها حالا بعد حال ، فالمغرور من غرته ، والشقي من فتنته ، فلا تغرنكم هذه الدنيا ، فإنها تقطع رجاء من ركن إليها ، وتخيب طمع من طمع فيها " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الإشارة إلى حقيقة الدنيا ، وأنها دار فناء وليست دار بقاء ، ولهذا فإنها تتقلب بأهلها من حال إلى حال ، وهذا دليل فنائها وزوالها .. ويترتب عليه : ضرورة وجود الآخرة ، وإلا أصبح الخلق كله عبثا .

    قال الله تعالى : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } ( المؤمنون : 151 ـ 161 ) .

    النقطة الثانية : التحذير من الركون إلى الدنيا ، لأن الركون إليها من الغرور الذي لا يقوم على أساس صحيح من العقل والدين ( بحسب الحقيقة الثابتة لها ) وهو يكشف عن ظلمة في القلب والنفس ، وحماقة في التفكير .

    قال الله تعالى : { إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ( يونس : 24 ) .

    وقول الله تعالى : { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } .
    ( الحديد : 20 ) .

    النقطة الثالثة : أن الركون إلى الحياة الدنيا وأتباع أعداء الله ( تبارك وتعالى ) استنادا إليه ينتهي ( بالبداهة ) إلى الخسارة النوعية في الآخرة ، وهو خلاف فطرة الإنسان الذي جبل على دفع الضرر عن نفسه .

    قال الله تعالى : { أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا . قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا . ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا } .
    ( الكهف : 102 ـ 106 ) .

    رابعا ـ قوله ( عليه السلام ) : " وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم ، وأعرض بوجهه الكريم عنكم ، وأحل بكم نقمته ، فنعم الرب ربنا ، وبئس العبيد أنتم ، أقررتم بالطاعة ، وآمنتم بالرسول محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم ، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم ، فتبا لكم ولما تريدون ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم ، فبعدا للقوم الظالمين " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : تشخيص أن موقفهم مخالف للتقوى ، وانه يعرضهم لغضب الله ( جبار السماوات والأرض ) عليهم ( وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض ) ويؤدي لأن يعرض الله ( تبارك وتعالى ) بوجهه الكريم عنهم ، وهذه خسارة فادحة لا يتهاون فيها الإنسان العاقل السوي ، ولا يرضاها لنفسه ، مما يعني أنهم بعيدين عن رحمة الله ( تبارك وتعالى ) وفي معرض انتقامه منهم في الدنيا والآخرة .. نعوذ بالله العظيم من ذلك .

    يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في دعاء كميل : " يا رب وأنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها ، وما يجري فيها من المكاره على أهلها ، على أن ذلك بلاء ومكروه قليل مكثه ، يسير بقاؤه ، قصير مدته ، فكيف احتمالي لبلاء الآخرة ، وجليل وقوع المكاره فيها ، وهو بلاء تطول مدته ، ويدوم مقامه ، ولا يخفف عن أهله ، لأنه لا يكون إلا عن غضبك وانتقامك وسخطك ، وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض .. يا سيدي : فكيف بي وأنا عبدك الضعيف ، الذليل ، الحقير ، المسكين ، المستكين " .

    وقال ( عليه السلام ) في نفس الدعاء : " فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربي ، صبرت على عذابك !! فكيف أصبر على فراقك ؟ وهبني يا إلهي صبرت على حر نارك !! فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك ؟ " ( دعاء كميل ) .

    النقطة الثانية : أن الله ( تبارك وتعالى ) هو نعم الرب ، لأنه خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا ، وسخر له الشمس والقمر والنجوم والأرض والبحار ، وأنعم عليه بالطيبات من الرزق الحلال ، من المأكل والمشرب والمسكن والأثاث والأنعام ومتعة الجنس والأبناء وغيرها من زينة الحياة الدنيا ، وبعث إليه الرسل مبشرين ومنذرين ليرشدوه إلى طريق الهداية والصواب في الحياة ، وليبلغ أعلى مراتب القرب من الله ( تبارك وتعالى ) وأكمل السعادة في الآخرة .. إلا أن أهل الكوفة : بحربهم للإمام الحسين ( عليه السلام ) ونصرتهم لـ( يزيد بن معاوية ) بئس العبيد ، لأنهم أقروا بألسنتهم بالطاعة لله ( عز وجل ) والإيمان بالرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ثم يرتكبون إثما عظيما ( ليس بعده إثم ) وهو قتلهم لذرية الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع سبق الإصرار .. وهذا يوجب ( قطعا ) غضب الله ( عز وجل ) عليهم .

    قال الله تعالى : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ( النساء : 93 ) .

    النقطة الثالثة : أن حربهم للإمام الحسين ( عليه السلام ) هو من عمل الشيطان ، وهو بئس الاختيار ، لأنه يؤدي بهم إلى الخسران والهلاك في الدنيا والآخرة .

    أما في الدنيا : فلأن دولة ( يزيد بن معاوية ) لن تحقق لهم الحياة الإنسانية الكريمة .. وذلك للأسباب التالية :

    السبب الأول : لأنها تقوم على الباطل وحب الدنيا ، فهي لن تغذي إنسانيتهم ، ولن توصلهم إلى السعادة الممكنة لهم بحسب خلقهم وتكوينهم وفطرتهم التي فطرهم الله ( تبارك وتعالى ) عليها .

    السبب الثاني : لأنها تقوم على الظلم والجور والفساد ، فهي لن تحقق لهم ما يطمحون إليه من العزة والكرامة والحرية والسعة في الرزق والأمن والرفاه .

    السبب الثالث : لأنها تأتي على حساب الآخرة .

    أما في الآخرة : فلأن مصيرهم إلى النار وبئس القرار .

    وهذا القول من الإمام الحسين ( عليه السلام ) يدل على أنهم لن يصلوا إلى مآربهم وما يطمحون إليه في الدنيا .

    النقطة الرابعة : الحوقلة . وفيها دلالة على قلة حيلته ( عليه السلام ) في هدايتهم بعد أن طبع الله ( جل جلاله ) على قلوبهم ، واستحوذ عليهم الشيطان الرجيم ، فأنساهم ذكر اللـه ( تبارك وتعالى ) والآخرة .

    قال الله تعالى : { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } .
    ( القصص : 56 ) .

    وقال الله تعالى : { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } .
    ( الزخرف : 40 )

    وفي هذه النقطة دلالة على مدى الخطر الذي يحدق بالإنسان الذي ينظر إلى الأمور بمنظار مادي ، ويتخذ المواقف في الحياة على هذا الأساس ، وهو على خلاف ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان المؤمن في التفكير .. وأن منهج الثوار المؤمنين يبعدهم عن ذلك بعدا كبيرا .

    النقطة الخامسة : تقريره ( عليه السلام ) بأن إصرارهم على قتاله ونصرة ( يزيد بن معاوية ) هو بمثابة الارتداد ( العملي ) بعد الإيمان ( النظري ) وقد حمله ذلك على الدعاء عليهم .

    قال الله تعالى : { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ( القصص : 50 ) .

    وقال الله تبارك وتعالى : { وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } ( هود : 59 ـ 60 ) .

    وهذا يدل على أمور عديدة مهمة .. منها :

    الأمر الأول : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) معذور في قتالهم .
    الأمر الثاني : أنهم مستحقون للعذاب في الآخرة بسوء اختيارهم .

    خامسا ـ قوله ( عليه السلام ) : " أيها الناس : انسبوني من أنا ، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا ..
    هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟
    ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول مؤمن مصدق لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بما جاء به من عند ربه ؟
    أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟
    أو ليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي ؟
    أو لم يبلغكم قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لي ولأخي : هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟

    فإن صدقتموني بما أقول ( وهو الحق ) والله ما تعمدت الكذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا ( جابر بن عبد الله الأنصاري ) و ( أبا سعيد الخدري ) و ( سهل بن سعد الساعدي ) و ( زيـد بن أرقـم ) و ( أنس بن مالك ) يحبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لي ولأخي .
    أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟!

    فقال له ( شمر بن ذي الجوشن ) : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول !
    فقال له ( حبيب بن مظاهر ) : والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا ، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول ، فقد طبع الله على قلبك .

    فقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) : فإن كنتم في شك من هذا القول ، أفتشوكن أني ابن بنت نبيكم ؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم .

    ويحكم : اتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟
    أو مال لكم استهلكته ؟
    أو بقصاص من جراحة ؟
    فأخذوا لا يكلمونه " .


    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة قدمها الإمام الحسين ( عليه السلام ) في مقام الاحتجاج على الذين برزوا لقتاله ، وطالبهم بالتفكر فيها ، والاستناد إليها في تقرير موقفهم من قتاله ، والنقاط تقع في دائرة التنويع الذي يحرص عليه الثوار المؤمنون في التأسيس لمواقفهم ، وقطع الحجة على خصومهم .. والنقاط هي :

    النقطة الأولى : نسبه الشريف .. فهو : ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أول الناس إيمانا برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولهذا النسب حرمته لدى كل مسلم ملتزم بإسلامه .

    النقطة الثانية : دور أهل بيته ( الحمزة وجعفر ) في نصرة الدين ، والدفاع عن المظلومين والمضطهدين ، وهذا يتطلب من كل مسلم وإنسان شريف ، أن يحفظ هذا الجميل ويرده لأهل هذا البيت .. وحفظ الجميل من أخلاق وشيم كل إنسان نبيل وشريف .

    النقطة الثالثة : أنه سيد شباب أهل الجنة ، وهذا يعني أنه لا يدعوا إلى باطل أو ضلال ، وأن من يتعمد قتاله في النار .

    النقطة الرابعة : أنه الوحيد ابن بنت نبي الباقي على وجه الأرض . ولهذا قيمته المعنوية الكبيرة ، لدى كل الذين يؤمنون بالنبوة ودورها في هداية الناس وخدمة الإنسانية ويحفظون حقها عليهم .. وهذا وحده كافي لحرصهم على بقاء الإمام الحسين ( عليه السلام ) لو كانوا مؤمنين .

    النقطة الخامسة : أنهم لا يطالبونه بدم ، ولا مال ، ولا قصاص .

    وكل هذه النقاط تقطع عليهم الحجة ، ولا تترك لهم العذر في قتاله .. فلم يجيبه ، وأصروا على قتاله وقتله ظلما وعدوانا . وذلك لأن الله ( تبارك وتعالى ) قد ختم على قلوبهم فهم لا يفقهون .. كما يدل على ذلك قول ( الشمر بن ذي الجوشن ) ورد العبد الصالح ( حبيب بن مظاهر ) عليه .

    قال الله تبارك وتعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا } ( الكهف : 57 ) .

    سادسا ـ قوله ( عليه السلام ) : " فنادى : ( يا شبث بن ربعي ) ويا ( حجار بن أبحر ) ويا ( قيس ين الأشعث ) ويا ( زيد بن الحارث ) ألم تكتبوا إلي أن أقدم ، قد أبنعت الثمار ، واخضر الجنان ، وإنما تقدم على جند لك مجندة ؟
    فقالوا : لم نفعل !!
    فقال : سبحان الله .. بلى والله لقد فعلتم " .


    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : تذكيرهم بكتبهم ورسلهم إليه ، وقد تكرر منه هذا التذكير في الكثير من بياناته ، ولهذا أهميه في التأسيس ـ كما سيتضح في قراءة الأقسام التالية من هذا البيان ـ والتكرار يدل على أمور عديدة ، ذكرت في قراءة القسم الثاني من البيان الخامس .. منها :

    الأمر الأول : أهمية التكرار في ترتيب الأثر المطلوب في النتيجة .
    الأمر الثاني : التأكيد على عذره في القدوم إلى العراق .
    الأمر الثالث : كشف خيانة الذين خذلوه .

    وقد ترك ذلك التكرار تأثيره الإيجابي الكبير في ( الحر بن يزيد الرياحي ) وآخرين ( روي أن عددهم ثلاثون شخصا ) وحملهم على التوبة والوقوف إلى صف الإمام الحسين ( عليه السلام ) ضد الذين خانـوه وغـدروا به .

    النقطة الثانية : نكرانهم أنهم كتبوا للإمام الحسين ( عليه السلام ) وهذا يدل على خبثهم ، وإصرارهم على قتاله ونصرتهم لـ( يزيد بن معاوية ) حبا في الدنيا ، وإيثارها على الآخرة .

    النقطة الثالثة : إصراره على أنهم كتبوا إليه ، وتأكيده لذلك بالقسم ، مما يدل على صدقه وكذبهم ، وصحة منهجه وخطأ منهجهم ، وأنهم من أشر خلق الله ( تبارك وتعالى ) .

    سابعا ـ قوله ( عليه السلام ) : " أيها الناس : إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض !!
    فقال له قيس ابن الأشعث : أولا تنزل على حكم بني عمك ؟
    فإنهم لن يروك إلا ما تحب ، ولن يصل إليك منهم مكروه .

    فقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) : أنت أخو أخيك !! أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل ؟
    لا والله : لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفر فرار العبيد " .


    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : إظهار رغبته بالعودة عنهم إلى مأمنه ، ليس خوفا من القتل ، وإنما لعدة أمور .. منها :

    الأمر الأول : عدم رغبته في قتالهم ، وإن كانوا مستحقين لذلك بسوء اختيارهم ، ليمنحهم فرصة التوبة ، ولكي لا يدخلوا النار بسببه ، لأنه كجده الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) رحمة للعاملين ، وهذا هو شعور الثوار المؤمنين ( دائما ) يريدون الخير والسعادة إلى كافة الناس .. ولا يريدون لهم الشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة .

    قال الله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ( الأنبياء : 107 ) .

    الأمر الثاني : إقامة الحجة التامة البالغة عليهم ، لألا يكون لهم على الله ( تبارك وتعالى ) وعليه حجة يوم القامة .. وهو حجة الله تعالى عليهم .

    قال الله تعالى : { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } ( النساء : 165 ) .

    النقطة الثانية : طلبهم منه النزول على حكم يزيد ، وتبريرهم السخيف لذلك ، بأنه لن يرى من يزيد إلا خيرا ، وكأن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يقاتل ويعمل من أجل الحياة الدنيا وزينتها ، وهذا الموقف منهم يدل على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : أن مواقف أعوان الظلمة تفتقر إلى التأسيس المنطقي من كافة الجوانب .
    الأمر الثاني : أن مواقفهم تقوم على أساس المصالح المادية قصيرة النظر .
    الأمر الثالث : أن منطقهم تبريري بحت ، وأنه يفتقر إلى الحجة والبرهان .
    الأمر الرابع : أنهم مستعدون تحت تأثير الطمع المادي لارتكاب كل جريمة مهما عظمت في حساب القيم والمنطق الإنساني .

    النقطة الثالثة : رده ( عليه السلام ) عليهم بأنه لن يعطي بيده إعطاء الذليل ، مؤكدا ذلك بالقسم ، مما يضيف التأسيس القيمي إلى التأسيس الفكري والفقهي للمواقف .

    وهو يدل على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : حرصه ( عليه السلام ) على تنويع قواعد التأسيس للمواقف ، مما يعني حرصه على تنويع جوانب التأثير فيهم ( وهو نفس المنهج الذي يتبعه القرآن الكريم في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ) لعلهم يتعظون أو يسمعون .

    الأمر الثاني : أن موقفهم من قتاله ونصرة ( يزيد بن معاوية ) يفتقر إلى التأسيس القيمي ، كما يفتقر إلى التأسيس الفكري والشرعي ، مما يعني أنهم يمارسون الحياة بصورة عبثية كالحيوانات .

    قال الله تعالى : { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } ( الأنفال : 22 ) .

    ثامنا ـ قوله ( عليه السلام ) : " عباد الله : إني عذت بربي وربكم أن ترجمون . وأعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : استعاذته بالله ( تبارك وتعالى ) من الرجم . وهذا يدل على إيمانه القوى ، واعتماده المطلق على الله ( جل جلاله ) في مواجهتهم ، وليس على قوته الذاتية ، وأن ذكر أسم ( الرب ) يدل على أنه تحت عين الله ( تبارك وتعالى ) ورعايته ، وأن ليس بيدهم أن يضروه بشيء إلا أن يأذن الله ( عز وجل ) بذلك .. وهذا ( بدون شك ) يورثه الثبات والاطمئنان .

    والموقف يدل على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : شعوره بالأمن في موقفه أمام تهديداتهم الخطرة ، فهو لا يخاف ولا يهتز أمامهم ، مهما جمعوا له من قوة وعزموا عليه من شر ، وأنه صامد حتى النفس الأخير من في مواجهتهم .

    الأمر الثاني : أن موقفه هو في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وليس في سبيل نفسه ومصالحه الدنيوية .

    النقطة الثانية : تخصيص الاستعاذة بالله ( تبارك وتعالى ) من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ، يدل على أن القوم الذين يقاتلونه وينصرون ( يزيد بن معاوية ) أناس لا يؤمنون بيوم الحساب .. وهذا يدل على أمور عديدة منها :

    الأمر الأول : أن الذين يقاتلونه وينصرون ( يزيد بن معاوية ) أناس خطرون ، ينبغي التعوذ من شرورهم .

    الأمر الثاني : أن سبب كفرهم وخطرهم ، هو نظرهم إلى أنفسهم ( أنانيتهم المفرطة ) مما يحملهم على نكران الحقائق وتغييرها ، وعدم التقيد بالشرائع والقيم السماوية والإنسانية ، وعدم التفكير في عواقب الأمور ونتائجها ، واستعدادهم المطلق لارتكاب الجرائم في سبيل إرضاء غرورهم وأنانيتهم .. ومنه : استعدادهم لقتل الأنبياء وأولاد الأنبياء ، وقد أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة صحة ذلك .

    ثم خطب ( زهير بن القين ) فقال :

    نص البيان ـ القسم الثاني : " يا أهل الكوفة : نذار لكم من عذاب الله ، إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتى الآن أخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف وأنتم للنصيحة منا أهل ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا أمة وانتم أمة . إن الله ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لينظر ما نحن وأنتم عاملون . إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية ( يزيد ) و ( عبيد الله ابن زياد ) فإنكم لا تدركون منهما إلا سوء عمر سلطانهما ، يسملان أعينكم ، ويقطعان أيدكم وأرجلكم ، ويمثلان بكم ، ويرفعونكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقراءكم .. أمثال : حجر بن عدي وأصحابه ، وهاني ابن عروة وأشباهه .

    فردوا عليه بالسب والثناء على عبيد الله بن زياد .. وقالوا : لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه ، أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد الله بن زياد سلما .

    فقال زهير : عباد الله : إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية ، فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم ، فخلوا بين هذا الرجل وبين يزيد ، فلعمري إنه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ( عليه السلام ) .

    فرماه الشمر بسهم .. وقال : اسكت أسكت الله نامتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك .

    فقال زهير : يا ابن البوال على عقبيه !! ما إياك أخاطب ، إنما أنت بهيمة ، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين ، فابشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم .

    فقال الشمر : إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة .

    فقال زهير : أفبالموت تخوفني ؟
    فو الله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم .

    ثم أقبل على القوم رافعا صوته .. وقال :
    عباد الله : لا يغرنكم عن دينكم هذا الجلـف الجافي وأشباهه ، فو الله لا تنال شفاعة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوما هرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم " .

    فناداه رجل من أصحابه : إن أبا عبد الله يقول لك أقبل ، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء ، فلقد نصحت هؤلاء وأبلغت ، لو نفع النصح والإبلاغ .
    ( مقتل الحسين . المقرم . ص 178 ـ 280 ) .


    يتضمن هذا القسم من البيان ، وهو على لسان ( زهير بن القين ) الكثير من الحقائق والأفكار التأسيسية ( الفكرية والأخلاقية والفقهية والاجتماعية ) للموقف ، مما يدلل على استيعاب القيادات مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) للمنهج الإسلامي الثوري بصورة واضحة ، ويعود الفضل في ذلك إلى حرص الإمام ( عليهم السلام ) على التأسيس للمواقف بصورة دائمة ، مما يعطي للمواقف هويتها ، ويعطي البصيرة الفكرية والسياسية للأتباع ، ويتيح الفرصة لكافة الناس للتقييم على أسس دقيقة وصحيحة .

    والحقائق والأفكار التي تضمنها هذا القسم من البيان .. هي كالتالي :

    أولا ـ قوله ( رضي الله تعالى عنه ) : " يا أهل الكوفة : نذار لكم من عذاب الله ، إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتى الآن أخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، وأنتم للنصيحة منا أهل ، فإذا وقع السيف ، انقطعت العصمة ، وكنا أمة وانتم أمة " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الإنذار لأهل الكوفة . وهو تخويفهم من سوء عاقبة موقفهم في الدنيا والآخرة . فإن عاقبة موقفهم في الدنيا ، الخزي والعار والاستئصال ، وعاقبته في الآخرة ، الخلود في نار جهنم ، كما حدث للكثير من الأقوام الذين استكبروا على الحق ، وأصروا على الباطل ، ومارسوا الظلم والعدوان ، والإتباع الأعمى إلى الظلمة والطواغيت .

    قال الله تعالى : { فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } .
    ( فصلت : 13 ) .

    وقال الله تعالى : { فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى . لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى . الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى } .
    ( الليل : 14 ـ 16 ) .

    والإنذار ( عادة ) يسعى لتحقيق الأهداف الأربعة الرئيسية التالية :

    الهدف الأول : التبصير بحقيقة الموقف الخاطئ .
    الهدف الثاني : التحذير من سوء عاقبة الموقف الخاطئ .
    الهدف الثالث : تحديد الموقف الصحيح المطلوب .
    الهدف الرابع : الترغيب في الموقف الصحيح ، والتحريض على تحمل المسؤولية الدينية والإنسانية باتخاذه .

    وقيام ( زهير بن القين ) بإنذار أهل الكوفة يدل على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : أنهم في قتالهم للإمام الحسين ( عليه السلام ) ونصرتهم للطاغية ( يزيد بن معاوية ) على موقف خاطئ وخطير جدا ، من شأنه أن يؤدي بهم إلى عذاب الآخرة .

    قال الله تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
    ( نوح : 1 ) .

    الأمر الثاني : أن الذي ينجيهم من العذاب هو التفكر في حقيقة الموقف وعواقب المخالفة للإنذار ، ومن ثم تحمل المسؤولية تجاه أنفسهم بتغيير الموقف ، والانتقال من نصرة الطاغية ( يزيد بن معاوية ) إلى نصرة الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

    الأمر الثالث : أن الإنذار لا قيمة له ما لم تكن لديهم قابلية الاستماع والاستفادة . لأن كلمات الحق ، والبراهين والمواعظ ( مهما كانت كبيرة وعظيمة في نفسها ) لا تكفي ( لوحدها ) لتحقيق النتيجة المطلوبة ، ما لم يكن هناك استعداد للتقبل والاستفادة منها .. تماما : مثل البذرة التي لا تنمو إلا في الأرض الصالحة .

    قال الله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ . فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ . إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } ( الصافات : 72 ـ 74 ) .

    الأمر الرابع : أن القابلية للتقبل والاستفادة ( عمليا ) من الإنذار تحتاج إلى الإيمان بالآخرة والتقوى ، ومن لا يؤمن بالآخرة ، ومن ليس له نصيب من التقوى يحدد على ضوئها مواقفه في الحياة ، فهو لا يستفيد ( عمليا ) من الإنذار ، وهو إنسان خطير جدا ، وفي خطر عظيم ، ومستحق للعقاب في الدنيا والآخرة .

    قال الله تعالى : { وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ( الأنعام : 51 ) .

    وقال الله تعالى : { قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ . فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ } ( يونس : 101 ـ 102 ) .

    النقطة الثانية : حق النصيحة للمسلم على المسلم ، والتزام الثوار المؤمنين ( عمليا ) بهذا الحق رغم صعوبات المواقف وظلم الآخرين .

    قال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إن أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة ، أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه " ( أصول الكافي . ج2 . ص 208 ) .

    والنصيحة تعني : أن يعطي المسلم معرفته وحصيلة تجاربه في الحياة لأخيه المسلم ، بكل محبة وإخلاص وأدب وإتقان ، من أجل هدايته وإرشاده ، وتجنيبه الوقوع في الأخطاء والأخطار الكبيرة والصغيرة . والمسلم يبذل النصيحة لأخيه المسلم وإن لم يطلبها منه ، وهو بعيد كل البعد عن كل المقاصد الدنيئة في بذلها ، ولا يقدم لأخيه إلا المعلومات والتجارب التي يتيقن من صحتها . والعاقل يطلب النصيحة ( دائما ) قبل الإقدام على الأعمال الخطيرة من أجل تجنيب نفسه كلفتها الباهظة بغير طائل . وفي الحديث : " الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها " .

    والتزام الثوار المؤمنين بالنصيحة للآخرين يدل على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : إخلاص الثوار المؤمنين لمبادئهم ، وصدقهم في مواقفهم ، وحرصهم الشديد على هداية وإرشاد المخالفين لهم .

    الأمر الثاني : أنه ليست للثوار المؤمنين مصالح مادية في مواقفهم وصراعاتهم مع الغير .

    الأمر الثالث : أنه لا توجد خصومة أو عداء أو مواقف شخصية بين الثوار المؤمنين وخصومهم السياسيين أو العسكريين ، وإنما خصومتهم مع الأطروحات الباطلة ، والمواقف الظالمة للخصوم ، فإذا تخلى الخصوم عنها ، أصبحوا للثوار المؤمنين إخوانا .

    النقطة الثالثة : أن حق الأخوة والنصح لهم ثابت قبل وقوع القتال ، فإذا لم يستمعوا للنصح والإنذار ، وأصروا واستكبروا ووقع القتال ، تغير الحال ، وأصبحوا مستحقين للقتل دفاعا عن الحق والنفس ، ومستحقين للعذاب يوم القيامة ، جزاء قتلهم المؤمنين بغير حق .

    ويدل موقف ( زهير بن القين ) الذي تناوله في هذا المقطع من البيان ، على توازن الثوار المؤمنين ، فقد وقف ( زهير بن القين ) على خط التوازن الدقيق بين أداء التكليف الشرعي بالنصيحة لأهل الكوفة ، والصلابة والقوة وعدم الاهتزاز في الموقف ، فلم يضعف التكليف بالنصيحة صلابة الموقف ، ولم تغفل الصلابة في الموقف التكليف بالنصيحة . وهكذا هم الثوار المؤمنون بفضل التربية الإسلامية الفكرية والروحية والأخلاقية الراقية جدا .. حفظ الله ( تبارك تعالى ) الثوار المؤمنين ذخرا للبشرية .

    ثانيا ـ قوله ( رضي الله تعالى عنه ) : " إن الله ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لينظر ما نحن وأنتم عاملون . إنا ندعوكم إلى نصرهـم وخذلان الطاغية ( يزيد ) و ( عبيد الله ابن زياد ) فإنكم لا تدركون منهما إلا سوء عمر سلطانهما ، يسملان أعينكم ، ويقطعان أيدكم وأرجلكم ، ويمثلان بكم ، ويرفعونكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقراءكم .. أمثال : حجر بن عدي وأصحابه ، وهاني ابن عروة وأشباهه " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الإشارة إلى الابتلاء الرباني للمسلمين ( امتحانهم لتنكشف حقيقة أنفسهم وإيمانهم وأعماله : خيرا أو شرا ) بذرية الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

    جاء في دعاء الندبة : " وقلت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ، ثم جعلت أجر محمد صلواتك عليه وآله مودتهم في كتابك فقلت : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى .. وقلت : ما سألتكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ، فكانوا هم السبيل إليك والمسلك إلى رضوانك " ( مفاتيح الجنان . ص 665 ) .

    وفي حديث الثقلين ـ قال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " ( صحيح الترمذي . ج2 . ص 308 ) .

    فقد أذهب الله ( جل جلاله ) عن أهل البيت ( عليهم السلام ) الرجس وطهرهم من الذنوب والمقاصد الدنيئة ، وجعلهم السبيل إلى الهداية والأمن من الضلال ، وقد نافسهم عبيد الدنيا الباحثين عن السلطة والجاه والثروة على الناس ، واستخدموا كل أساليب التضليل والترهيب والترغيب لصرف الناس عنهم ، وأصبح الناس أمام امتحان شديد تنكشف من خلاله حقيقة أنفسهم وإيمانهم وأعماله .. فهم : إما أن يتغلبوا على أساليب التضليل والترهيب والترغيب المستخدمة لصرفهم عن أهل البيت ( عليهم السلام ) فيحصلوا بذلك على سعادتهم ويفوزوا ويفلحوا في الدنيا والآخرة ، وإما أن ينهزموا أمامها ، فيصبحوا من الأشقياء ، ويخسروا الدين والدنيا والآخرة . وقد أراد الثائر المؤمن ( زهير بن القين ) تذكير أهل الكوفة بهذا البلاء الرباني العظيم لهم ، ليحددوا على ضوئه موقفهم في الصراع بين إمام الهدى الحسين بن علي ( عليهما السلام ) وإمام الضلال ( يزيد بن معاوية ) ودعاهم لنصرة إمام الهدي الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهما السلام ) وخذلان إمام الضلال الطاغية ( يزيد بن معاوية ) وواليه على الكوفة ( عبيد الله بن زياد ) لكي يكسبوا المعركة العظيمة المقدسة في جهاد النفس .

    النقطة الثانية : التأسيس السياسي للموقف من الصراع . فبعد أن أشار ( ضمنا ) في الفقرة السابقة إلى الأرباح والخسائر المعنوية المتعلقة بالإيمان والهداية والتقوى المترتبة على حكومة أئمة الهدى وحكومة الطاغوت ، أشار في هذه الفقرة إلى الخسائر المادية والسياسية ( الملموسة ) المترتبة على القبول بحكومة ( يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد ) وأهمها الظلم والجور والاستبداد والاضطهاد وتصفية العناصر الصالحة التي لن تكون إلا معارضة للنظام الطاغوتي المستبد الظالم ، في مقابل الحرية والعدل والإحسان والأمن والاستقرار والتقدم والرخاء المضمونة ( قطعا ) في حكومة ولي الله الأعظم وإمام الهدي الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهما السلام ) .

    والخلاصة : هناك دوافع وأهداف دينية وسياسية واضحة لتمسك الثوار المؤمنين بحكومة أئمة الهدى ( الأنبياء والأوصياء والفقهاء ) ورفضهم ومواجهتهم لحكومة الطاغوت والاستبداد .

    ثالثا ـ بعد أن رد عليه الجمع بالسب والثناء على عبيد الله بن زياد ، وقالوا : لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه ، أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد الله بن زياد سلما .

    قال ( رضي الله تعالى عنه ) : " عباد الله : إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية ، فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم ، فخلوا بين هذا الرجل وبين يزيد ، فلعمري إنه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ( عليه السلام ) " .


    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الرد المطمئن والهادئ من العبد الصالح والثائر المؤمن ( زهير بن القين ) على استكبار أهل الكوفة بإصرارهم ( غير الواقعي ) على نصرة الطاغية ( عبيد الله بن زياد ) وقتل إمام الهدى الحسين بن علي ( عليهما السلام ) وأصحابه ، بأن الإمام الحسين بن علي ( عليهما السلام ) أحق ( بحسب الفطرة والعقل والدين ) بالود والنصر من الطاغية ( عبيد الله بن زياد ) .

    النقطة الثالثة : تخويفه لأهل الكوفة بعذاب الله ( جل جلاله ) وسوء عاقبة قتلهم للإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه ، وطرحه عليهم خيار الوقوف على الحياد في الصراع بين الطرفين كحد أدنى ، وتشجيعه لهم على اتخاذ هذا الخيار .. على أساس : أنهم غير مجبورين على قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه ، فيزيد : يمكن أن يقبل منهم عدم الوقوف إلى صف الإمام الحسين ( عليه السلام ) وعدم التورط في قتله .

    وهذا الطرح من قبل ( زهير بن القين ) يدل على قمة الصدق والإخلاص في النصيحة لدى الثوار المؤمنين لخصومهم ، وشدة حرصهم على هدايتهم وإنقاذهم من الهلاك .

    رابعا ـ لقد رما ( الشمر ) ( زهير بن القين ) بسهم قائلا : اسكت أسكت الله نامتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك .

    فقال ( رضي الله تعالى عنه ) : يا ابن البوال على عقبيه !! ما إياك أخاطب ، إنما أنت بهيمة ، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين ، فابشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم .
    فقال الشمر : إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة .
    فقال زهير : أفبالموت تخوفني ؟
    فو الله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم " .


    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الكشف عن بعض أهم خصائص أعوان الظلمة والطواغيت .. وهي :

    الخاصية الأولى : أنهم ينطلقون في مواقفهم من الجهل وإتباع الهوى والشيطان والنفس الأمارة بالسوء .

    الخاصية الثانية : أنهم يهدفون إلى تحقيق مصالح مادية وشخصية بحته ، بعيدة عن الدين والأخلاق والمصالح العامة للناس .

    الخاصية الثالثة : أنهم يعتمدون على القوة في إسكات الآخرين ومواجهتهم ، بديلا عن العقل والبرهان .

    ويدل هذا الرد على إدراك الثوار المؤمنين إلى حاجتهم السياسية في الصراع مع قوى البغي والظلم والجور ، إلى كشف حقيقة النماذج السيئة التي يعتمد عليها الطواغيت والظلمة في دولهم لتمرير سياساتهم الاستبدادية الظالمة على الشعوب المستضعفة ، وتعريتها أمام الشعوب ، ليكونوا منهم على حذر شديد ، ويحددوا مواقفهم على ضوء ذلك .

    النقطة الثالثة : إدراك الثوار المؤمنين إلى ماهية الحياة ، وأنه لا قيمة للإنسان إذا عاش حياته ذليلا مهانا بدون حرية وكرامة ، مهما كان غنيا أو مرفها أو مسؤولا ، وهذا هو الفرق الجوهري بين حياة الإنسان وحياة الحيوان .

    وعلى ذلك تترتب النتائج المهمة ( التالية ) في منهج الثوار المؤمنين :

    النتيجة الأولى : حرص الثوار المؤمنين الشديد جدا على الحرية والعزة والشرف والفضيلة والكرامة ( القيم المعنوية ) وحقوق الإنسان في الحياة .

    النتيجة الثانية : استعدادهم التام للتضحية من أجل أهدافهم ومبادئهم ، وعدم خوفهم من الموت بشرف في ساحات الثورة والجهاد .

    النتيجة الثالثة : أنهم يفضلون الموت بشرف إلى صف أولياء الله وأئمة الهدى ( الأنبياء والأوصياء والفقهاء العدول ) طلبا للحق والعدل والحرية والفضيلة والحياة الكريمة ، على العيش الذليل في ظل الحكومات الطاغوتية المستبدة وظلمها وانتهاكها لحقوق الإنسان وكرامته .

    خامسا ـ قوله ( رضي الله تعالى عنه ) : " عباد الله : لا يغرنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه ، فو الله لا تنال شفاعة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوما هرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : تحذير ( زهير بن القين ) أهل الكوفة من الاغترار بقول ( شمر ) وغيره من أعوان الظلمة والطواغيت ، وتنبيهه إلى حقيقتهم ودوافعهم وأهدافهم ، ليعرفهم الناس على حقيقتهم حق المعرفة ، ويحددوا مواقفهم على بصيرة منهم . وهذا يدل على ما سبق ذكره من حاجة الثوار المؤمنين في صراعهم مع الأنظمة الطاغوتية المستبدة إلى تعرية أعوان الظلمة المأجورين الذين يعتمدون عليهم في تمرير سياساتهم الاستبدادية على الشعوب المستضعفة ، فهم من الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها هذه الأنظمة ، ويجب على الثوار المؤمنين التوجه لهدمها ، لكي تسقط الأنظمة الطاغوتية المستبدة .

    النقطة الثانية : التبصير بحقيقة الفريقين المتصارعين الواقفين على أرض كربلاء ، والمصير المحتوم السيئ لقتلة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه يوم القيامة .

    ثم استأذن ( برير بن خضير ) الإمام الحسين ( عليه السلام ) أن يكلم القوم ، وكان شيخا ناسكا من شيوخ القراء في جامع الكوفة ، وذو شرف وقدر كبير في الهمدانيين ( قبيلة قحطانية من اليمن ، كانت أراضيهم مركزا لثقافة عربية عالية ) فأذن الإمام الحسين ( عليه السلام ) له فوقف قريبا منهم ونادى ..

    نص البيان ـ القسم الثالث : " يا معشر الناس : إن الله بعث محمدا بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا . وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه ، وقيد حيل بينه وبين ابن بنت رسول الله ..
    أفجزاء محمد هذا ؟

    فقالوا : يا برير : قد أكثرت الكلام فاكفف عنا فو الله ليعطش الحسين كما عطش من كان قبله .

    قال برير : يا قوم : إن ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم ، وهؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه ، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم .

    فقالوا : نريد أن نمكن منهم الأمير عبيد الله بن زياد فيرى فيهم رأيه .

    قال برير : أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤا منه ؟
    ويلكم يا أهل الكوفة !!
    أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها ؟
    ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم ، وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم ، حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد ، وحلأتموهم عن ماء الفرات !!
    بئسما خلفتم نبيكم في ذريته !!
    ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة ، فبئس القوم أنتم !

    فقال له نفر منهم : يا هذا ما ندري ما تقول !

    فقال برير : الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة . اللهم إني أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم . اللهم الق بأسهم بينهم ، حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان " ( البحار . ج 45 . ص 5 ) .
    فجعل القوم يرمونه بالسهام فتقهقر .


    يتضمن هذا القسم من البيان الكثير من الحقائق والأفكار .. وهي كالتالي :

    أولا ـ قوله ( رضي الله تعالى عنه ) : " يا معشر الناس : إن الله بعث محمدا بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله وسراجا منيرا . وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه ، وقيد حيل بينه وبين ابن بنت رسول الله ..
    أفجزاء محمد هذا ؟ "


    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الإشارة إلى فضل الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) علي الناس ، حيث أخرجهم من الظلمات إلى النور ، ومن الذل إلى العز .

    قالت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) : " وكنتم على شفا حفرة من النار ، مذقة ( شربة ) للشارب ، ونهزة ( فرصة ) الطامع ، وقبسة العجلان ( كناية عن الاستعجال ) وموطئ الأقدام ( كناية عن المغلوبية ) تشربون الطرق ( ماء المطر الذي تبول فيه الحيوانات ) وتقتاتون القد ( اللحم المملوح المجفف في الشمس ) أذلة خاسئين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله بأبي محمد بعد اللتيا والتي " .
    ( الاحتجاج . ج 1 . ص 135 ـ 136 ) .

    وقول ( برير ) هذا فيه مطالبة برد الجميل إلى الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحفظه في أهل بيته .

    النقطة الثانية : الإشارة إلى عظمة نهر الفرات وكثرة الماء فيه ، وأن الشرب منه متاح للكلاب والخنازير ، وفي نفس الوقت يمنع على أهل بيت النبوة الشرب من مائه ، وهذا على خلاف ما تدعوا إليه الأخلاق الإنسانية ، وحفظ الجميل للرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويدخل هذا المقطع من البيان في دائرة التأسيس الأخلاقي للموقف .

    ثانيا ـ فقالوا : يا برير : قد أكثرت الكلام فاكفف عنا فو الله ليعطش الحسين كما عطش من كان قبله .

    فقال ( رضي الله تعالى عنه ) : " يا قوم : إن ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم ، وهؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه ، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم .

    فقالوا : نريد أن نمكن منهم الأمير عبيد الله بن زياد فيرى فيهم رأيه .

    قال برير : أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤا منه ؟
    ويلكم يا أهل الكوفة !!
    أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها ؟
    ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم ، وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم ، حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد ، وحلأتموهم عن ماء الفرات !!
    بئسما خلفتم نبيكم في ذريته !!
    ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة ، فبئس القوم أنتم ! " .
    فقال له نفر منهم : يا هذا ما ندري ما تقول !

    فقال برير : الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة . اللهم إني أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم . اللهم الق بأسهم بينهم ، حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان " .


    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الإشارة إلى واقع الحال ، والدخول معهم في حوار مباشر لدراسة الخيارات على أسس فكرية ودينية وأخلاقية وسياسية .. فيقول لهم : أنتم قوم مسلمون ، وأهل بيت النبوة بين أيديكم ، فتحملوا مسؤولية الموقف ، وقولوا ماذا تريدون أن تفعلوا بهم ؟

    فطرحوا خيارهم : نريد أن نمكن منهم الأمير عبيد الله بن زياد فيرى فيهم رأيه ، وهم يعلمون رفض الإمام الحسين ( عليه السلام ) لهذا الخيار .

    لهذا طرح عليهم ( برير ) خيارا آخر : أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤا منه ؟
    وهو خيار وسط ينبغي عليهم أن يقبلوا به لو كان لديهم شيء من الإنصاف والإنسانية ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك لأنهم تجردوا من كل إنسانية ، وقد طبع الله ( تبارك وتعالى ) على قلوبهم فأنساهم ذكره والآخرة .

    ثم يذكرهم بكتبهم التي بعثوا بها ورسلهم إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) الأمر الذي يفرض عليهم أخلاقيا وإنسانيا : إن لم ينصروه ، القبول بالحل الوسط الذي طرحه عليهم ، وليس الإصرار على قتله أو السعي إلى تسليمه إلى ابن زياد ، ولكـنهم لـم يقبلـوا مـن ( برير ) ما طرحه عليهم ، وأصروا على موقفهم الإجرامي من الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه !!

    قال الله تبارك وتعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ } ( السجدة : 22 ) .

    النقطة الثانية : بعد إصرارهم على موقفهم ، يكشف لهم عن حقيقة أنفسهم الخبيثة ، ومخالفتهم لكل الأعراف الدينية والاجتماعية .. ويدعو عليهم .

    النقطة الثالثة : شكره لله ( تبارك تعالى ) على زيادة البصيرة لديه في سلامة موقفه بنصرة مولاه وسيده الإمام الحسين ( عليه السلام ) وقتال أعدائه .. وذلك : من خلال الوجدان والتجربة العملية .

    النقطة الرابعة : البراءة إلى الله ( تبارك تعالى ) من موقف أهل الكوفة بنصرتهم لـ( يزيد بن معاوية ) و ( عبيد الله ابن زياد ) وإصرارهم على قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه وأهل بيته ، وهذا يدل على عمق إدراكه لقبح موقفهم هذا ، فهو موقف مشبع بكفر النعمة والخيانة ونكران الجميل والجرأة على الله ( جبار السماوات والأرض ) وعلى كافة الحرمات والاستعداد الكامل لارتكاب أكبر الجرائم وأعظمها في التاريخ من أجل هوى النفس وطاعة السلطان الجائر ، وهو موقف خطير على الدين والمجتمع ، وهذا مما يخافه الثوار المؤمنون .. مما دفعه للدعاء عليهم من جديد ، مع التأكيد على أن حقيقة الإيمان لا تكتمل إلا بالولاية لأولياء الله ( تبارك وتعالى ) والبراءة من أعدائهم .

    قال الله تعالى : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ( البقرة : 256 ) .

    وقال الله تعالى : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } ( الممتحنة : 4 ) .

    ثم تقدم الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأخذ مصحفا ونشره على رأسه ، ووقف بإزاء القوم فاستنصتهم ، فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم : " ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إلي فتسمعوا قولي ، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد ، فمن أطاعني كان من المرشدين ، ومن عصاني كان من الهالكين ، وكلكم عاص لأمري ، غير مستمع قولي ، فقد ملئت بطونكم من الحرام ، وطبع على قلوبكم .
    ويلكم ألا تنصتون ؟
    ألا تسمعون ؟
    إن بيني وبينكم كتاب الله وسنة جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
    فتلاوموا وقالوا أنصتوا له .
    فاستشهدهم عن نفسه المقدسة وما عليه من لامة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعمامته وما بيده من سيفه .. فأجابوه بالتصديق .
    فسألهم : عما أقدمهم على قتله ؟
    قالوا : طاعة للأمير عبيد الله بن زياد .
    فقال ( عليه السلام ) ..


    نص البيان ـ القسم الرابع : " تبا لكم أيتها الجماعة وترحا ، أفحين استصرختمونا والهين متحيرين ، فأصرخناكم مؤدين مستعدين ، سللتم علينا سيفا في رقابنا ، وحششتم علينا نار الفتن خبأها عدوكم وعدونا ، فأصبحتم ألبا على أوليائكم ويدا عليهم لأعدائكم ، بغير عدل أفشوه فيكم ، ولا أمل أصبح لكم فيهم ، إلا الحرام من الدنيا أنالوكم ، وخسيس عيش طمعتم فيه ، من غير حدث كان منا ، ولا رأي تفيل لنا ، فهلا لكم الويلات ! إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهزتموها والسيف لم يشهر ، والجأش طامن ، والرأي لما يستحصف ، ولكن أسرعتم علينا كطيرة الذباب ، وتداعيتم كتداعي الفراش ، فقبحا لكم ، فسحقا لكم يا طواغيت الأمة وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونفثة الشيطان ، وعصبة الآثام ، ومحرفي الكلم ، ومطفئي السنن ، وقتلة أولاد الأنبياء ، ومبيري عترة الأوصياء ، وملحقي العهار بالنسب ، ومؤذي المؤمنين ، وصراخ أئمة المستهزئين ، الذين جعلوا القرآن عضين .
    ويحكم : أهؤلاء تعضدون ، وعنا تتخاذلون ؟

    أجل والله : الخذل فيكم معروف ، وشجت عليه عروقكم ، وتوارثته أصولكم وفروعكم ، وثبتت عليه قلوبكم ، وغشيت صدوركم ، فكنتم أخبث شيء ، سنخا للناصب ، وأكلة للغاصب ، ألا لعنة الله على الناكثين ، الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا .. فأنتم والله هم .

    ألا إن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين ، بين السلة والذلة ، وهيهات منا الذلة ، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وجدود طابت ، وحجور وطهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية ، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام .

    ألا قد أعذرت وأنذرت .
    ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر .


    ثم أنشد أبيات فروة بن مسيك المرادي ..
    فإن نهزم فهزامون قدما وإن نهزم فغير مهزومينا
    وما أن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا
    فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا
    إذا ما الموت رفع عن أناس بكلكله أناخ بآخرينا

    أما والله لا تلبثون بعدها إلا كريث يركب الفرس ، حتى تدور بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور ، عهد عهده إلي أبي عن جدي رسول الله { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ } { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .


    ثم رفع يديه نحو السماء .. وقال : اللهم احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف ، وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة ، ولا يدع فيهم أحدا إلا قتله قتلة بقتلة ، وضربة بضربة ، ينتقم لي ولأوليائي ولأهل بيتي وأشياعي منهم ، فإنهم غرونا وكذبونا ، وخذلونا ، وأنت ربنا ، عليك توكلنا ، وإليك أنبنا ، وإليك المصير " .
    ( البحار . ج45 . ص 8 ـ 10 ) .

    بين يدي البيان : وفيه نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : لقد ظهر الإمام الحسين ( عليه السلام ) لأهل الكوفة الذين برزوا لقتاله بمظهر تقشعر منه الأبدان ، وتلين له القلوب ، وتنفتح عليه العقول ، لو كانت ثمة قلوب أو عقول حاضرة في المشهد العظيم . فالقرآن ( الذكر الحكيم ) منشور فوق رأسه ، وعليه ما يعرفون من لباس الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعمامته وبيده لامة حربه التي يعرفونها أيضا ، ولكنهم أبوا أن يسمعوا له ، وأصروا واستكبروا استكبارا ، وهم يزعمون أنهم على دين الإسلام .

    قال الله تعالى : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ . وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ } .
    ( النمل : 80 ـ 81 ) .

    النقطة الثانية : تأكيده لهم أن دعوته دعوة هدى ورشاد ، وان الذين يتبعونه يرشدوا ، والذين يعصونه يهلكوا ، وطلبه منهم الاحتكام إلى كتاب الله ( عز وجل ) .

    النقطة الثالثة : تنبيهه لهم بأن سبب عصيانهم له وعدم سماعهم لقوله ، أن بطونهم مملوءة بالحرام ، وعليه بنيت أجسامهم ، ومنه تشكلت أرواحهم وأفكارهم وأخلاقهم ونفسياتهم ، فهيهات .. هيهات أن يسمعوا لدعوة الحق .

    قراءة في البيان : لقد سألهم عن غايتهم من خيارهم لقتله ، وهم يعلمون انه سبط الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ووارثه ، فأجابوه طاعة للأمير ( عبيد الله بن زياد ) فحاورهم حول خيانتهم له ، وكشف لهم أبعاد موقفهم .

    وقد تضمن البيان الكثير من الحقائق والأفكار .. وهي كالتالي :

    أولا ـ قوله ( عليه السلام ) :ٍ " تبا لكم أيتها الجماعة وترحا ، أفحين استصرختمونا والهين متحيرين ، فأصرخناكم مؤدين مستعدين ، سللتم علينا سيفا في رقابنا ، وحششتم علينا نار الفتن خبأها عدوكم وعدونا ، فأصبحتم ألبا على أوليائكم ويدا عليهم لأعدائكم ، بغير عدل أفشوه فيكم ، ولا أمل أصبح لكم فيهم ، إلا الحرام من الدنيا أنالوكم ، وخسيس عيش طمعتم فيه ، من غير حدث كان منا ، ولا رأي تفيل لنا، فهلا لكم الويلات ! إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهزتموها والسيف لم يشهر ، والجأش طامن ، والرأي لما يستحصف ، ولكن أسرعتم علينا كطيرة الذباب ، وتداعيتم كتداعي الفراش " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : بين لهم أنهم مخطؤون في خيارهم ، وسوف يجر لهم هذا الخيار ، الخسائر الفادحة ، والأحزان العظيمة ، ويؤدي بهم إلى الهلاك .

    قال الله تعالى : { وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا . يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا } ( النساء : 119 ـ 120 ) .

    وقال الله تعالى : { وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ . فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ } ( الأنعام : 4 ـ 5 ) .

    وقال الله تعالى : { أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } .
    ( الدخان : 37 ) .

    النقطة الثانية : المقارنة بين موقفه من الاستجابة لهم لنصرتهم على أعدائهم والاستعداد للتضحية من أجل حريتهم وخلاصهم من عدوهم ، وموقفهم بخيانتهم وخذلانهم له أمام عدوه وعدوهم .

    النقطة الثالثة : أن التغير في موقفهم بنقض بيعتهم له بالنصرة والوقوف إلى صف عدوه والإصرار على قتله لصالحه ، لم يكن لعدل أظهره العدو ، ولا لأمل بالخير يرجونه منه ، فكل الدلائل والتجارب تشير إلا خلاف ذلك ، في الوقت الذي لم يتغير فيه موقف الناصر ، وهو الإمام الحسين ( عليه السلام ) بالوقوف إلى صفهم ونصرته معدة لهم على عدوهم . فالولي على موقفه من النصرة ، والعدو على موقفه من الظلم والجور ، ومع ذلك تغير الموقف ( منهم ) لصالح العد ضد الناصر !!

    النقطة الرابعة : أن تغيير موقفهم على الوجه المبين أعلاه ، يمثل فضيحة دينية وأخلاقية وسياسية كبيرة ، فهو دليل على الشقاء ، وخبث النفس ، وخساسة الطبع ، وفقدان البصيرة في الدين والدنيا .. ويزيد في ذلك : أن تغيير الموقف جاء قبل المواجهة مع العدو ، وأنهم لم يكونوا مجبرين على تغير موقفهم ، وأن قتالهم لولي الله الأعظم الذي جاء لنصرتهم وتخليصهم من عدوهم ، ليس هو الخيار الوحيد المتاح أمامهم ، وأن عاقبته الخسران في الدنيا والآخرة !!

    نعم : هذا هو حال أعوان الطواغيت ومناصريهم ( دائما ) في كل زمان ومكان ، إنهم أعداء أنفسهم والإنسانية !!

    ثانيا ـ قوله ( عليه السلام ) : " فقبحا لكم ، فسحقا لكم يا طواغيت الأمة ، وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونفثة الشيطان ، وعصبة الآثام ، ومحرفي الكلم ، ومطفئي السنن ، وقتلة أولاد الأنبياء ، ومبيري عترة الأوصياء ، وملحقي العهار بالنسب ، ومؤذي المؤمنين ، وصراخ أئمة المستهزئين ، الذين جعلوا القرآن عضين .
    ويحكم : أهؤلاء تعضدون ، وعنا تتخاذلون ؟
    أجل والله : الخذل فيكم معروف ، وشجت عليه عروقكم ، وتوارثته أصولكم وفروعكم ، وثبتت عليه قلوبكم ، وغشيت صدوركم ، فكنتم أخبث شيء ، سنخا للناصب ، وأكلة للغاصب ، ألا لعنة الله على الناكثين ، الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا .. فأنتم والله هم " .


    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : الكشف عن الحقيقة الفكرية والدينية والروحية والأخلاقية والسياسية التي تتجلى في موقفهم من خلال الأوصاف التي نعتهم بها .. فهم : طواغيت الأمة ، وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونفثة الشيطان ، وعصبة الآثام ، ومحرفي الكلم ، ومطفئي السنن ، وقتلة أولاد الأنبياء ، ومبيري عترة الأوصياء ، وملحقي العهار بالنسب ، ومؤذي المؤمنين ، وصراخ أئمة المستهزئين ، الذين جعلوا القرآن عضين .

    النقطة الثانية : التأكيد على أن الغدر الذي تجلى بأبشع صوره في تغيير موقفهم ، ليس بجديد عليهم ، فهو قديم ومتأصل فيهم ومعروف كأحد طبائعهم الدنيئة ، وأنهم ملعونون عند الله ( جل جلاله ) بسبب نكثهم العهد ، ونقضهم الإيمان بعد توكيدها ، وأن مصيرهم إلى الخسران في الدنيا والآخرة .

    قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } ( الفتح : 10 ) .

    وقال الله تعالى : { وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } ( الرعد : 25 ) .

    وقال الله تعالى : { الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } ( البقرة : 27 ) .

    ثالثا ـ قوله ( عليه السلام ) : " ألا إن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين ، بين السلة والذلة ، وهيهات منا الذلة ، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وجدود طابت ، وحجور وطهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية ، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام
    ألا قد أعذرت وأنذرت .
    ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر " .


    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : أن الطاغية ( عبيد الله بن زياد ) والجيش الأموي ، قد ضيق عليه الخيارات وجعله بين خيارين .. وهما :

    الخيار الأول ـ المواجهة العسكرية : لأن ( ابن زياد ) يرى نفسه وجيشه في موقع القوة ، والإمام الحسين ( عليه السلام ) غير راغب ( اختيارا ) في هذا الخيار ، ليس خوفا من القتل ، ولكن رغبة منه في إعطاء الفرصة لخصومه بالتوبة .. لكي لا يدخلوا بسببه النار .

    الخيار الثاني ـ الاستسلام : وهو خيار مرفوض ( قطعا ) بصورة نهائية من الإمام الحسين ( عليه السلام ) وذلك للأسباب التالية :

    السبب الأول : لأن فيه انتصار للباطل والظلم والطغيان والاستبداد ، على حساب الدين والعدل والخير والفضيلة والحرية والسلام .

    السبب الثاني : لأن فيه مذلة للمؤمنين ، والقبول به مخالف للعقل والدين والأخلاق والقيم الإنسانية النبيلة والتربية التي أنشأ عليها .

    النقطة الثانية : أنه سوف يختار المواجهة على غير رغبته .. وذلك للأسباب التالية :

    السبب الأول : لأنه أجبر عليها من قبل الطاغية ( ابن زياد ) وجيشه .
    السبب الثاني : لأنه يفضل الموت في عز ( مصارع الكرام ) على الحياة في ذل ( طاعة اللئام ) .

    النقطة الثالثة : الإشارة إلى أنه معذور في قتالهم بعد كل الذي عرضه عليهم من الوعظ والإرشاد والخيارات لنجاتهم من العذاب ولم يسمعوا له ، فهم يتحملوا بعد ذلك كامل المسؤولية أمام الله ( تبارك وتعالى ) لسوء اختيارهم .

    قال الله تعالى : { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ . وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ . قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } .
    ( يونس : 99 ـ 101 ) .


    رابعاً ـ قوله ( عليه السلام ) : " أما والله لا تلبثون بعدها إلا كريث يركب الفرس ، حتى تدور بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور ، عهد عهده إلي أبي عن جدي رسول الله { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ } { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِـذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .

    ثم رفع يديه نحو السماء .. وقال : "اللهم احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف ، وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصطبرة ، ولا يدع فيهم أحدا إلا قتله قتلة بقتلة ، وضربة بضربة ، ينتقم لي ولأوليائي ولأهل بيتي وأشياعي منهم ، فإنهم غرونا وكذبونا ، وخذلونا ، وأنت ربنا ، عليك توكلنا ، وإليك أنبنا ، وإليك المصير " .

    يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

    النقطة الأولى : إخبار الإمام الحسين ( عليه السلام ) أهل الكوفة الذين اجتمعوا لقتله مع أهل بيته وأصحابه ، نقلا عن جده رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنهم لن يلبثوا بعده طويلا ، فالأوضاع سوف تتغير ، وأن الله ( جل جلاله ) سوف ينتقم منهم جميعا ، وهذا ما حدث لهم فعـلا على يـد الثوار المؤمنين بقيادة المجاهدين العظيمين : ( سليمان بن صرد ) و ( المختار الثقفي ) .

    النقطة الثانية : بعد هذا التحذير وهو آخر التحذيرات التي وجهها إليهم ، أعرب عن استعداده لمواجهتهم ، وأنه متوكل على الله ( جل جلاله ) في ذلك ، شأنه شأن الأنبياء الذين يرشدون ويحذرون وينصحون ، ثم يواجهون تحديات المعاندين بكل صـلابة وشموخ .. متوكلين على الله رب العالمين .

    قال الله تعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ } ( يونس : 71 ) .

    وهذا يدل على أمور عديدة .. منها :

    الأمر الأول : أنه معذور أمام الله تبارك وتعالى وأمام البشرية لقتاله إياهم .
    الأمر الثاني : الاطمئنان لسلامة أطروحته وموقفه ، وأنه بذل ما في وسعه لأداء تكليفه في النصح والإرشاد لهم على أساس الحق والعدل والصدق .. وأنه أتم الحجة عليهم .
    الأمر الثالث : تحديهم وصلابة موقفه في المواجهة ، والاستعداد لتقبل جميع نتائجها لأنها تحت عين الله ( تبارك وتعالى ٍ) .
    الأمر الرابع : توقعه بأنهم لن يدخروا جهد في التنكيل به بشتى الوسائل بسبب رداءة معدنهم ، إلا أن ذلك لا يخوفه ، ولا يغير شيئا من موقفه ، فهـكذا هم الثـوار المؤمنون ( دائما ) لا تخيفهم قوة العدو في مقابل أداء التكليف الرباني وخدمة الإنسانية .
    الأمر الخامس : الثقة بأن الله ( تبارك وتعالى ) لن يضيع عمله ، وأن ثورته سوف تؤتي ثمارها ويتحقق ما كان يريد منها .

    النقطة الثالثة : دعاء الإمام الحسين ( عليه السلام ) على أهل الكوفة المجتمعين من اجل قتله مع أهل بيته وأصحابه ظلما وعدوانا بالقحط والانتقام منهم ، بسبب استكبارهم وتكذيبهم له وإصرارهم على قتله وقتل أهل بيته وأصحابه بغير حق .. وقد وجدنا مثل هذا الموقف في سير بعض الأنبياء ( عليهم السلام ) .

    قال الله تعالى : { قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا . وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا . وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا . وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا . مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا . وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا . إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا } ( نوح : 21 ـ26 ) .

    وقال الله تعالى : { وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ } ( يونس : 88 ) .

    وفي ختام هذا البحث أذكر بعض الخصائص المهمة للخطاب الإسلامي الثوري كما وجدتها في بيانات الثورة للإمام الحسين ( عليه السلام ) والخصائص هي :

    الخاصية الأولى ـ الصدق والشفافية والأمانة : إن الخطاب الإسلامي الثوري خطاب مبدئي يعمل كأداة لخدمة المشروع الإسلامي وليس المصالح الخاصة . والمشروع الإسلامي يهدف إلى القضاء على الاستبداد والاستغلال والاستكبار في الأرض ، وإقامة حياة إنسانية كريمة تقوم على أساس الحق والعدل والحرية والفضيلة ، ولهذا فالخطاب الإسلامي الثوري صادق في تبيان الحقائق وإعلانها ، ويلتزم بالشفافية مع الجماهير والأتباع ، ولا يلجأ إلى التدليس والمراوغة التي يتبعها أصحاب المناهج المادية .

    الخاصية الثانية ـ الوضوح : فالبيانات كلها جاءت بلغة واضحة في المفردات ، يسيرة في الاستيعاب والفهم ، بعيدة عن تعقيدات الألفاظ ، وبصورة مباشرة فهي لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل .. لأن الهدف منها : نشر الوعي ، وتحديد الموقف ، والتحشيد الجماهيري نحوه ، لخدمة القضايا الإسلامية والمجتمعية . ولهذا فالإمام الحسين ( عليه السلام ) يكلم الناس على قدر وعيهم ، وباللغة التي يفهمونها ، وبالأسلوب الذي يتأثرون به ، وبصورة مباشرة لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل .. وهذه واحدة من خصائص الخطاب الإسلامي الثوري .

    الخاصية الثالثة ـ الثبات : إن الخطاب الإسلامي الثوري يمثل كتلة واحدة في المضمون الفكري والتوجهات العملية ، تعبر عن أصالة ووحدة الفكر الإسلامي الرباني العظيم ووحدة توجهاته العملية .. فتتطابق فيه البدايات مع النهايات .

    إن الخطاب الإسلامي الثوري : يتعدد فيه الأسلوب ( بحسب المقتضى ) وقـد تبرز فيه قضية معينة أو جانب من الجوانب في مرحلة من المراحل أو ظرف من الظروف أكثر من غيرهما ، بسبب حاجة المرحلة أو الظرف أو قيمة القضية ( نسبيا ) في تلك المرحلة أو الظروف أو ( مطلقا ) نظرا لحيوية القضية أو الجانب في المشروع الإسلامي الثوري ككـل ، فذلك من طبيعة التعامل الواعي الحي والواقعي مع الأحداث والتطورات وقضايا المشروع ، ولكن يبقى المضمون في الخطاب الإسلامي الثوري واحدا لا يتغير ، لا تضيع فيه الثوابت الفكرية والفقهية والقيمية ، ولا يغيب عنه التوازن والتكامل بين كافة الملفات والقضايا الحيوية والساخنة ، ولا يقع في مطبات الصعود والهبوط والتأرجح يمينا وشمالا والتخبط على غير بصيرة والاهتزاز بين القوة والضعف بدون مرجح ، ولا يقع في إشكالية التناقض ( بحسب اختلاف المواقع ومتطلبات المجاملة ) التي من شأنها أن تغير في المضمون أو تضعف من الموقف أو تخدم قضايا أو مزاعم باطلة ، لأنه خطاب مبدئي مبني على رؤية واضحة ، وصلابة في المواقف ، وظيفته تحطيم حواجز الخوف للسير قدما في خطى الثورة ومواجهة التحديات والصعوبات ، التي يجعلها الثوار المؤمنون في حساباتهم قبل أن يبدؤوا .. والهدف : خدمة القضايا التي تتعلق بالمشروع الإسلامي الإنساني الكبير ، وتجسيده تجسيدا حيا على أرض الواقع .

    الخاصية الرابعة ـ المصداقية : إن المنهج الإسلامي الثوري ، ينظر إلى المشروع الإسلامي على أنه مشروع قيادي حي متحرك ، والخطاب الإسلامي الثوري يعبر عنه في صورته الواقعية الحية ، ويسعى لتجسيده على الأرض . فالخطاب الإسلامي الثوري ليس خطابا ترفيا وجد للاستهلاك الإعلامي أو اللعب بالسياسة ، وإنما هو خطاب موجود من أجل العمل وتشكيل الخطوات العملية لإنجاز المشروع وتجسيده على الأرض ، فهو يعبر عن المشروع الإسلامي الشامل ويرسم معالمه بوضوح ، ويحدد المواقف التي تصب في خدمة أهدافه العملية ، ويؤسس لها فكريا وسياسيا واجتماعيا وأخلاقيا ، ويحشد إليها المؤيدين والأتباع ، ويدافع عنها ويحميها من التشويه أو الانتقاص .

    الخاصية الخامسة ـ حسن التوقيت: إن الوظيفة الرسالية للثوار المؤمنين ، تجعلهم متابعين ممتازين ، ومتحسبين لكل طارئ ، وأنهم يتربصون الفرص لاقتناصها ، ولا يفوتونها على أنفسهم ، من أجل خدمة أهدافهم الثورية الرسالية العظيمة ، فيصدرون البيانات ويتخذون المواقف في الأوقات المناسبة ، ولا يمنعهم من ذلك الخوف أو التردد ، لأنهم يمتلكون رؤية ثورية مبدئية ، تحبس عنهم الخوف والتردد ، فلا يقتربا منهم أبدا ، وليس لهما سلطان عليهم أبدا .. إنما سلطانهما على أتباع الشيطان الذين لا يؤمنون بالله العظيم .

    قال الله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } ( النحل : 98 ـ 100 ) .


    ملحق هام جداً

    خطاب الإمام الخميني ( قدس سره )
    في البعد السياسي والتنظيمي للمجلس الحسيني



    بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك حظي مجموعات من العلماء وأئمة الجماعات والخطباء من قم وطهران بمقابلة قائد الثورة الإسلامية الإمام الخميني في حسينية جماران ، وقد تحدث الإمام في هذا اللقاء قائلا :

    بسم الله الرحمن الرحيم

    في البداية لابد لي من أن اشكر السادة العلماء والخطباء الذين حضروا إلى هنا من طهران وقم وتشرفت بزيارتهم وآمل أن يوفق الجميع لخدمة الإسلام والمسلمين .

    إن المواضيع كثيرة ولكني سأؤكد على موضوع واحد يتعلق بالسادة العلماء والخطباء كما سأتعرض لموضوع يتعلق بظروف الساعة التي نحن نعيشها.

    إن الموضوع الذي يتعلق بالسادة العلماء والخطباء ، هو عمق العمل الذي يقومون به ، وعمق قيم مجالس العزاء الحسيني التي يعرف البعض عنها القليل ، وقد لا يعرف البعض الآخر أي شي عنها .

    إن الروايات الواردة إلينا تؤكد : على إن مسألة قطرة من الدمع على مظلوم كربلاء ، لها أهمية كبيرة ، حتى أن بعضها تؤكد على التباكي في هذا المجال . إن هذا التأكيد ليس لأن سيد المظلومين هو بحاجة إلى هذا البكاء ، ولا لأنكم تثابون ويثاب المسلمون على ذلك ، وإن كان هذا الثواب موجودا فعلا .

    ولكن لماذا كل هذا الثواب العظيم لمجالس العزاء الحسيني هذه؟!
    ولماذا يمنح الله سبحانه وتعالى كل هذا الثواب على البكاء وذرف الدموع ؟
    وحتى على ذرف دمعة واحده !!
    وعلى التباكي في هذا المجال!!

    لهذا الموضوع أخذ يتضح شيئا فشيئا ، وسيتضح أكثر فيما بعد بإذن الله .

    إن هذا الثواب المقدر لكل مجالس العزاء ، لكل مجالس التأبين الحسينية ، لكل مجالس المراثي الحسينية ، هو لبعدها السياسي إضافة إلى أبعادها العبادية والمعنوية والدينية .

    إن الأيام التي صدرت فيها هذه الروايات ، كانت الفرقة الناجية فيها مبتلية بالحكم الأموي والعباسي ، وكانت تمثل جماعة قليلة جدا بالنسبة إلى تلك القوى الكبرى . ولكي تنظم هذه الأقلية نشاطاتها السياسية ، فقد أوجدت لها الطريق إلى ذلك ، هذا الطريق الذي يعتبر بحد ذاته تنظيما ، ولأن ما جاء من حملة الوحي في تقدير عظمة هذه المجالس وهذا البكاء ، فإن الشيعة على أقليتهم ، كانوا يتجمعون في ذلك الوقت ، ويمكن أن الكثير منهم ما كان ليدرك الهدف من ذلك .. إن الهدف كان هو تنظيم هذه الأقلية مقابل الأكثرية ، وعلى طول التاريخ كانت مجالس العزاء الحسيني هذه تنظيما ينتشر في كافة أنحاء البلاد الإسلامية ، وفي إيران التي كانت مهدا للإسلام والتشيع ، كانت مجالس العزاء الحسيني هذه تقف أمام الحكومات المتسلطة التي كانت تهدف إلى محو الإسلام من الأساس ، والى إبادة علماء الدين .. إن هذه المجالس كانت تخيفهم ، وعندما اعتقلت في المرة الأولى وألقى القبض علي في مدينة قم ، فقد قال لي في الطريق بعض أولئك المأمورين الذين صحبوني في السيارة ، إنهم عندما جاؤوا إلى قم لإلقاء القبض علي ، كانوا خائفين من النساء المحجبات لئلا يطلعن على حقيقة الموضوع ويعرقلن أمر اعتقالي .

    ثم قال الإمام القائد مستأنفا حديثه : حتى القوى الكبرى تخاف من هؤلاء المحجبات ، إن القوى الكبرى تخشى هذا التنظيم الذي يجتمع بدون أن يكون لأحد يد فيه ، هذا التنظيم الذي جعل الشعب يعلو في جميع أنحاء البلاد الواسعة . ففي أيام عاشوراء ، وفي شهري محرم وصفر وفي شهر رمضان المبارك ، تقوم مجالس العزاء الحسيني هذه بجمع الناس بعضهم حول البعض ، وإذا ما أريد خدمة الإسلام ، وإذا ما أراد احد أن يشرح موضوعا لخدمة الإسلام ، فإن هذا الموضوع ينتشر في جميع أنحاء البلاد بواسطة هؤلاء الخطباء وأئمة الجمعة والجماعة ، وإن اجتماع الناس تحت ظلال هذا العلم الإلهي ، هذا العلم الحسيني هو الذي يوفر أساس هذا التنظيم .

    وإذا ما أرادت القوى الكبرى أن تعقد اجتماعا في منطقة من مناطقها ، فأنها تحضر لذلك أياما أو عشرات من الأيام ، وتبذل جهودا كبيرة في مدينة يشكل عدد سكانها على سبيل الفرض مائة ألف أو خمسين ألفا ، حتى يأتوا ليصغوا إلى ما يريد أن يتفوه به المتحدث أو الخطيب ، ولكنكم تشاهدون كيف إن الناس يجتمعون في هذه المجالس ، وفي مجالس العزاء الحسيني هذه ، أو كيف إنها تثير الناس بمجرد أن يستجد ظرف في بلدة ما ، لا بل في جميع أنحاء البلاد ، وكيف إن جميع طبقات الناس وجميع المعزين لسيد الشهداء الإمام الحسين ( عليه السلام ) يجتمعون ولا يحتاج في جمعهم إلى بذل أية جهود ، ولا أي إعلام ، عندما يرى الناس إن الكلمة تخرج من فم سيد الشهداء ( سلام الله عليه ) فكلهم يجتمعون ، ولهذا ترى إن الإمام الباقر ( على ما أتذكر ) يقول ما معناه : اجعلوا لي في منى ( بمكة المكرمة ) نائحا يذكر مصيبتي ، فإن هدف الإمام الباقر ( عليه السلام ) من هذا العمل ليس لأنه بحاجة إلى من يبكي وينوح عليه ، ولا لأن هذا العمل يجلب فائدة شخصية له ، ولكن عليكم أن تروا الجانب السياسي من هذا العمل . فإن منى في ذلك الوقت يأتي إليها الناس من جميع أنحاء العالم الإسلامي ، فإن جلوس شخص في ذلك المكان وتحدثه عن مصيبة الإمام الباقر ( عليه السلام ) والظلم الذي لحق به حتى استشهد ، سيكون من شأنه انتشار هذا الموضوع في كافة أنحاء العالم .

    إن مجالس العزاء هذه لم تعط قيمتها الحقيقة في جميع أنحاء العالم ، وقد يصفنا المتأثرون بالغرب بأننا شعب بكاء ، لأنهم قد لا يسعهم فهم الثواب الكبير الذي يمنح مقابل الدمعة الواحدة في هذا المجال ، إنهم لا يدركون الثواب الكبير الذي يمنح لمجلس العزاء الحسيني ، كما إنهم لا يمكنهم أن يدركوا الأشياء الواردة بخصوص بعض الأدعية المأثورة ، وكم من الثواب يمنح على السطرين من الدعاء . إنهم لا يستطيعون فهم ذلك وإدراكه ، إن الهدف السياسي من هذه الأدعية ، ومن هذا التوجه لله سبحانه وتعالى ، وتوجيه جميع الناس نحو نقطة واحدة ، هو تحشيد كل الطاقات لأجل هدف إسلامي ، إن الهدف من مجالس العزاء الحسيني ليس البكاء فقط على سيد الشهداء والحصول على الثواب ، وإن كان يوجد مثل هذا الأجر فعلا ، ولكن الهدف المهم هو الجانب السياسي الذي خطط له أئمتنا في صدر الإسلام ليبقى إلى النهاية .

    إن هذا الاجتماع في ظلال علم واحد ، في ظلال فكرة واحدة ، لا تستطيع أية جهة تحقيقه أو التأثير فيه كما تحققه وتؤثر فيه مجالس عزاء سيد الشهداء ( عليه السلام ) .

    وثقوا بان انتفاضة الخامس عشر من خرداد ، يوم بداية المواجهة الحاسمة مع النظام المقبور ، لم تكن لتحدث لو لم تكن مجالس العزاء هذه ومواكب العزاء الحسيني موجودة ، إذا لم تكن هناك قدرة تستطيع صنع انتفاضة (15) خرداد بذلك الشكل الذي صنعه دم سيد الشهداء .

    كما لم يكن بإمكان أية قدرة إحباط جميع المؤامرات التي حاكتها القوى الكبرى ضد هذا الشعب الذي أصبح هدفا للهجوم من كل الجهات غير قدرة مجالس العزاء هذه . إن مجالس العزاء والمواكب الحسينية التي تظهر بشكل واضح مدى الظلم الذي لحق بشخص ضحى في سبيل الله ، وضحى بنفسه وبأولاده وبأصحابه في سبيل إرضاء الله سبحانه وتعالى ، قد ربت شبابنا على الذهاب إلى جبهات الحرب وطلب الشهادة والافتخار بها ، حتى أنهم يتألمون إذا لم يوفقوا لهذه الشهادة .. وإنها : أي هذه المجالس ، ربت أمهاتنا على أن يضحين بأبنائهن ومستعدات لتقديم الباقي منهم ، إن مجالس العزاء الحسيني ومجالس الدعاء ودعاء كميل وسائر الأدعية الأخرى ، هي التي صاغت مجتمعنا بهذه الكيفية . إن الإسلام هو الذي أرسى دعائم هذا البناء منذ البداية بشرط أن نتقدم إلى الأمام على أساس هذه الفكرة وهذا البرنامج ، وإذا ما فهم الملوثون بالثقافة الغربية ، أدركوا السبب في مجالس العزاء هذه ، والسبب في هذا البكاء ، ولماذا كل هذا الثواب والأجر عند الله سبحانه وتعالى . عند ذلك لا يصفوننا بأننا شعب بكاء ، بل شعب حماسة ، وإذا ما أدرك هؤلاء المتأثرون بالغرب دور الإمام السجاد ( عليه السلام ) الذي فقد كل شي في كربلاء ، وعاش في أيام حكومة تمتلك كل شي ، لو أدرك هؤلاء ماذا فعلت هذه الأدعية التي بقيت من الإمام السجاد ، لما اعترضوا علينا لقراءتنا لها . وإذا كان مثقفونا قد أدركوا هذه المجالس وهذه الأدعية ، وأدركوا الجوانب السياسية والاجتماعية لها ، لما اعترضوا على القيام بها .

    إن جميع المثقفين والمتأثرين بالغرب وجميع أصحاب القدرة والنفوذ لو اجتمعوا على أن يصنعوا مثل انتفاضة (15) خرداد لما استطاعوا ذلك أبدا .

    إن من لديه القدرة على إيجاد ذلك هو من اجتمع الجميع تحت لوائه . إننا عندما نرفع أصواتنا ونطالب بالإسلام والجمهورية الإسلامية ، وذلك لأن الجميع اتفقوا على الجمهورية الإسلامية ، لأن فيها الإسلام ، وأن جميع الشعب اجتمعوا في سبيل الله . وقد رأينا ما تتحلى به هذه الجمهورية الإسلامية من قدرة لكونها إسلامية ، ولأن نهضة الشعب كانت في سبيل الله . على شعبنا أن يعي قيمة هذه المجالس التي تحتفظ بالشعب حيا ثائرا في أيام عاشوراء وفي جميع الأيام . وإذا ما فهم وأدرك هؤلاء المتأثرون بالغرب الأبعاد السياسية لهذه المجالس ، فأنهم سيقيمونها ويحيونها إذا كانوا يريدون شعبهم وبلدهم ، وإني لآمل أن تقام هذه المجالس بصورة أوسع وبنوعية أحسن إن شاء الله ، وإن للخطباء وقراء المراثي أثرا كبيرا في ذلك .

    إننا تقريبا وصلنا إلى مرحلة ثأر فيها شعبنا وفجر انتفاضة لا يوجد لها مثيل في العالم . حصل هذا الانفجار في شعب ارتبط بالأجنبي من كل نواحيه ، وفرط به النظام السابق وفرط بكرامته الإنسانية وجعلنا مرتبطين بالخارج في كل شي ، كان هذا الانفجار ببركة وتأثير هذه المجالس الحسينية التي جمعت كل الناس ووجهتهم إلى نقطة معينة ، وعلى السادة الخطباء وأئمة الجمعة والجماعة أن يشرحوا ذلك بصورة أكثر تفصيلا للناس حتى لا يتصوروا أننا شعب بكاء ، إننا شعب استطعنا بهذا البكاء إبادة قوة استمرت (2500) عام .
    ( المواكب الحسينية . النقوي . ص 113 ـ 121 ) .

  2. #2

    افتراضي

    بمناسبة حلول ذكرى عاشوراء الإمام الحسين (ع) أقامت مؤسسة الأبرار الإسلامية ندوة تحت عنوان: "رسالة عاشوراء" تحدث فيها سماحة آية الله الشيخ محسن الآراكي، حول الرسالة التي تحملها عاشوراء للإنسانية، وما ينبغي على المسلمين أن يستفيدوه من هذه الذكرى الشريفة.

    وكان ذلك يوم الخميس 26 يناير 2006.

    ملخص المحاضرة:
    {ولقد ذرانا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم اذان لا يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون} الأعراف: 179

    عندما نتحدث عن رسالة عاشوراء ينبغي ان نفهم اولا رسالة الانبياء والائمة، ما هو دورهم في المجتمع البشري ورسالتهم الكبرى؟.
    القران الكريم يصف نفسه بانه ذكر {وانه لذكر لك ولقومك}،{ فاتقوا الله يا اولي الالباب الذين امنوا قد انزل الله اليكم ذكرا} الطلاق: 10.
    وهناك تأكيد في القران على ذلك {ولقد يسرنا القران للذكر فهل من مدكر}.
    الائمة ايضا وصفوا بانهم اهل الذكر {واسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون}.
    الائمة عليهم السلام هم ذكر ايضا. ولذلك نفهم ان الذكر مقولة كبرى في حياة الانسان فكل انطلاقة بشرية من حالة الى حالة اعلى لا يمكن ان يتم الا بمفتاح الذكر. وكل انتكاسة تصيب الانسان عموما هي من عواقب الغفلة.

    حالة الغفلة عندما تتجذر تتحول الى حالة يسميها القران الكريم "الموت" ليس كالموت الطبيعي ولكن هناك اناس يشربون ويأكلون ويمشون ولكنهم موتى {انك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء}. واحيانا يعبر عنهم بانهم في القبور {وما انت بمسمع من في القبور} وفي مقابل تجذر حالة الغفلة هناك حالة الذكر التي هي حياة.

    احيانا المجتمع يصاب ايضا بحالة غفلة متجذرة فيفرض عليه الموت. المجتمع يتحول الى مجتمع ميت لا ارادة له. قد يعرف ما هي مصلحته وماهو الطريق الصحيح، ما يفيده وما يضره، ولكنه لا يملك ارادة اتخاذ ما ينفعه. واذا اصيب الانسان بحالة الموت يصبح عاجزا عن اتخاذ قرار في ما يفيده فهو يفقد الارادة.

    الانسان يتميز بارادته، وكل انسان يريد الخير ولا يريد الشر، ولكنه قد تنقلب عنده الموازين وهذا يكون في احدى حالتين:
    الاولى عندما يختلط عليه الامر فيفقد البصيرة ولا يميز بين الخير والشر، فيربون المجتمع تربية معرفية ولذلك تقول الاية {لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وارسلنا معهم الميزان}.
    الانبياء يقومون بعملية معرفية، وزرع المعرفة والفهم في المجتمع، ولذلك نجد المجتمع الاسلامي الذي رباه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مجتمعا يميز بين الطريق الصحيح والفاسد. هذه هي الخطوة الاولى التي يقوم بها الانبياء.
    الخطوة الثانية هي تنشيط الارادة الخيرة، فبعد ان عرف الخير والشر يحتاج الى تنشيط الارادة. فما هو عنصر تنشيط الارادة؟
    انه الحب، وقد ورد في بعض الروايات وهل الايمان الا الحب والبغض؟
    مصطلح الاسلام يوازي ميدانيا العمل الاول للانبياء وهو زرع المعرفة في البشر، فالانسان يدخل الدائرة المعرفية التي جاء بها الانبياء. اما الايمان فهو الدخول الى الدائرة الثانية وهي دائرة الحب.
    الانبياء يثيرون في العنصر البشري عنصر المحبة وكلتا العمليتين ليست هينة.
    العملية المعرفية التي يقوم بها الانبياء تشبه ما يقوم به الفلاسفة واصحاب المدارس الفكرية، فهؤلاء يخاطبون فئات خاصة وليس عامة الناس. اما الانبياء فهم يخاطبون فطرة الانسان ويصلون الى وجدانه، فيتفاعل مع خطاب الانبياء.
    ولذلك لا تجد استجابة لكل دعوات الفلاسفة والمصلحين. فالذين يستجيبون لهم انما هم النخب فقط، ثم يتبعهم اخرون من ذوي النفوذ والمصالح. في المجتمعات القبلية هناك عناصر "المصلحة الفئوية" هي التي تجعل الطبقات العادية من الناس تتناغم مع خطاب الفلاسفة والمصلحين.
    اما رسائل الانبياء فتتلقى استجابة من كافة الطبقات، فكل انسان يجد نفسه متفاعلا مع خطاب الانبياء.
    خطاب الانبياء اذن يهدف لخلق المعرفة وتنشيط الارادة الانسانية، وبهذا يتحول الانسان الى مخلوق حي {قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}

    فعندما يثير النبي عنصر المحبة في قلوب الناس يتبعها حب الله، ويخلق بذلك علاقة متبادلة بين الله والناس، وهي العلاقة الاساس التي يوصل الانسان لكل ما يبتغيه.
    اتباع الانبياء يتميزون بانهم يميزون الحق من الشر ويجتنبون الباطل. ولو اتبع الانسان هذه الحياة لاصبح سعيدا في الدنيا والاخرة.
    المشكلة التي اصيبت بها الامة الاسلامية بعد رسول الله أنها فقدت كلا العنصرين، ونحن نعاني من هاتين المشكلتين حتى اليوم.


    ثورة الامام الحسين هي ثورة التغيير. قال الامام الحسين عليه السلام: "من رأى منكم سلطانا جائرا فيم يغير عليه بقول او فعل ادخله الله مدخله، وانا احق من غيّر".
    كيف يتم التغيير؟ الخطة الحسينية قائمة على هاذين العنصرين:
    1 ـ تثبيت المعرفة
    2 ـ ترسيخ الارادة الحية.
    فبعد رسول الله اصيب المجتمع بنكسة معرفية، وبعد امير المؤمنين فقد هذا المجتمع ارادته ففقد العنصرين اللذين اوجدهما رسول الله في المجتمع، والذين جعلا منه خير أمة:{كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}.
    فاصبحوا بعد المعرفة يدعون الى المعروف وينهون عن المنكر، اختيارهم للمعروف اختيار جماعي وتركهم للمنكر اختيار جماعي. الحالة الجماعية او الشخصية الاجتماعية تميزت بهاتين الميزتين.
    بعد رحيل رسول الله (ص) كانت النكسة معرفية حيث استهدفت الامة في معرفتها ومعايير تلك المعرفة واريد للامة ان يسلب منها الميزان وازاحة امير المؤمنين عن القيادة وكان نتيجة سلب الامة ميزانها. وجود الامام علي عليه السلام في موقع القيادة كان تعبيرا عن معرفة الامة وازحته سلب الامة ميزانها.
    بعد مقتل عثمان انحصر الامر في علي عليه السلام واصبحت الامة امام واقع ينحصر الحق فيه في علي عليه السلام، الامة كانت تملك ارادة الحق فتوجهت الى امير المؤمنين وبعد استشهاده حدثت محاولة لسلب الامة العنصر الثاني.
    الامام الحسين بثورته خلق في المجتمع طاقة ضمنت للامة كلا العنصرين. بعد الحسين بدأ الناس يرجعون الى آل محمد في اخذهم مفاهيم دينهم. والجهد الذي بذله الائمة بعد الحسين كان جهدا هائلا. وبشكل عام هذه التركة الثقافية هو ارث الائمة، وما ترونه في صحيح البخاري وغيره هو في واقع الأمر من جهد الائمة، فما ترويه عائشة مثلا انما اخذته عن علي، ابو هريرة كذلك اخذ حديثه عن علي او ابن عباس ولذلك بدأ يروي بعد مدة. الروايات المشتركة التي يذكرها اهل السنة جاءت نتيجة ذلك الجهد الذي بذله الأئمة (ع).
    المهم ان الائمة بثوا علمهم، وبقيت مجموعة من الاحاديث المحرفة، ولكن الجزء الكلي من الاحاديث تم الاحتفاظ به. وكل ذلك جاء بعد الثورة الحسينية.

    الثورات التي حدثت بعد الحسين تعبر عن حياة الامة في ارادتها.
    فمن يريد ان يحيي ذكرى الحسين عليه السلام عليه ان يفهم رسالته ورسالة عاشوراء، وان ذلك له عنصران:
    1 ـ فهم الحق
    2 ـ وامتلاك ارادة التغيير.

    كانت لدى الامة مشكلة في معرفتها ومشكلة في ارادتها.
    العاطفة ضرورية ولكن العاطفة العمياء لا تهدي الى شيء. انت تحب الحسين، ولكن من هو الحسين وما هي رسالته. يجب ان نعرف الحسين وان تكون مجالسنا الحسينية تعرّف رسالته.
    القران الكريم يؤكد ان الشخصيات الرسالية تساوي الرسالة التي بعثوا بها. فعندما تقول الاية عن ابن نوح {انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح} فنحن نقيم الناس على اساس العمل. شخصية نوح ليس باسمه ونسبه، بل شخصيته تساوي رسالته التي بعث بها، فمحمد (ص) كله ذكر وهو يساوي خط الله والطريقة الالهية.{يس والقران الكريم، انك لمن المرسلين على صراط مستقيم}
    فحينما نقول ينبغي ان نفهم الحسين ونعرفه فعلينا ان نعرف طريقه. فمهمتنا معرفية اولا، فاذا فهمنا هذا الذي نحبه فان الحب لا ينفصل عن الاتباع {ان كنتم تحبون الله فاتبعوني} فاذا عرفنا الحسين فسوف يكون حبنا له مرتبطا بطريقه.

    فكيف للإنسان الذي يحب الحسين أن يحب الطواغيت؟ ما الفرق بين يزيد والطواغيت؟ لماذا نعادي صدام ونصادق غيره، لم نكن نعادي صدام بسبب اسمه او نسبه. لو كان عادلا لما عاديناه. كنا نعادي هذه السيرة وهذا الاتجاه. فكيف نكره صدام ونحب بوش مثلا.
    الحسين خط وطريقة وقيم.
    العنصر الثاني يتمثل بالارادة. في الكوفة كانت المشكلة مشكلة ارادة وليس مشكلة معرفة. عندما قتل شمر الحسين قال:
    املأ ركابي فضة او ذهبا
    فقد قتلت السيد المهذبا
    قتلت خير الناس أما وأبا
    انها مشكلة ارادة وتفسخ، فهو يعرف الخير والحق ولكنه لا يريد هذا الخير. مشكلة المواد المخدرة انها تقتل ارادة الانسان. الانسان يتحول الى موجود غير مفيد، المشكلة في المجتمع الكوفي كانت مشكلة ارادة وليست مشكلة معرفة.
    المشكلة الثانية تعالج بالعاطفة القائمة على المعرفة.
    الحسين بعمليته الاستشهادية الكبرى اراد ان يحرك عنصر العاطفة، ولذلك الجانب العاطفي مهم جدا.
    النعي بالصوت الجميل له دور، ولكن بشرط ان لا يتحول الى هدف وغاية، ولكن يقترن بالمعرفة والطريق الصحيح. لو استطعنا ان نضمن في شعائرنا الحسينية هذين العنصرين: المعرفة الجيدة التي لا تنفصل عن التثقيف المعرفي الجيد، والاقتران بهيجان عاطفي معرفي، تكون الدمعة هادفة ورسالية، وليست دمعة عاطفية عادية. انها دمعة تبكي على الخير كله. الحسين عندما قتل قتلت به رسالة الانبياء. كان الحسين العصارة التي جسدت التاريخ كله. نبكي لان التقوى اصبحت مظلومة والفضيلة تنتهك.
    ما زلنا نرى الحسين ينادي هل من ناصر ينصرني. اننا بعبرتنا نعلن اننا ننصر الفضيلة اينما كانت.
    والحمد لله رب العالمين

  3. #3

    افتراضي

    يرفع للنشر , للتوعية .


    أرجو من الإدارة التثبيت للأهمية .


    شكرا .



    .

    ناد علي مظهر العجائب .... تجده عونا لك في النوائب

معلومات عن الموضوع

الأعضاء الذين يتصفحون هذا المواضوع

هناك الآن 1 أعضاء يتصفحون هذا الموضوع. (0 أعضاء 1 زائرين)

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 30
    آخر مشاركة: 02-02-06, 01:16 AM
  2. مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 29-01-06, 12:03 AM
  3. كم مرة قتل الحسين؟ مراجعة في فهم النهضة الحسينية
    By ضياع in forum الملتقى الإسلامي والفكري
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-01-06, 08:51 AM
  4. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-12-05, 10:54 AM
  5. طلب عاااااااااااااجل..خريجات الثانوية العامة
    By جوز in forum الملتقى الطلابي والعلمي
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 08-12-05, 03:51 PM

المفضلات

المفضلات

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع نشر مواضيع جديدة
  • لا تستطيعنشر ردود
  • لا تستطيع إرفاق المرفقات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •