مر و الرموز القادة لا يزالون في قبضة السجان الخليفي|| الوصلة الغير مغلقة للموقع هي bahrainonline.petrix.net

عرض النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: الإمــام السيد عبدالحسين شرف الدين..سيرة ذاتية..وتاريخ من العمل‏ الفكري والسياسي و...

  1. #1

    15 الإمــام السيد عبدالحسين شرف الدين..سيرة ذاتية..وتاريخ من العمل‏ الفكري والسياسي و...





    سـيرة ذاتيـة وتاريخ من العمل‏ الفكري والسياسي و...
    الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

    ا. عدنان علي الحسيني

    المولد والنشاة

    ولد مستهل جمادى الثانية لسنة (1290ه‏-) في‏المشهد المقدس الكاظمي اثناء رحلة والدي لطلب‏العلم.

    واقول: عاد بة ابوه الى صور وهو في ثامنة عقده الاول،واوطنه قريتهم (شحور) يرتع في مرابعها، ويرتوي من‏عذبها، في كنف والدين بسطا له جناح رحمتهما، واحنياعليه بالتربية، وتحدبا عليه بالتغذية، وطبعاه على مبادئ‏الدين القويم، وعلماه منذ نعومته على اقامة قرة عين‏الرسول الاكرم ( (الصلاة)، فجرت منه مجرى الروح في الجسد،وهكذا يفعل فعله التعليم في الصغر..

    قرا في اول امره القرآن على احد المعلمين، ثم جوده‏على عمه السيد محمود شرف الدين، بعدها تولى والده‏المبرور تعليمه العلوم العربية من صرف ونحو ومعاني‏وبيان وبديع وادب. كما قرا عليه المنطق وكتابي (فقه‏الامامية)، و(شرائع الاسلام).

    واثناء قراءته العربية كان‏ابوه يلزمه حفظ بيتين في كل يوم من ديوان الحماسة اوغيره من شعر العرب، كما الزمه بحفظ الفية ابن‏مالك.

    وما ان راى الوالد في ابنه اليافع بوارق النجاح، وبوادرالهمة العالية على تلقي الدروس، ازمع على ارساله الى‏حاضرة العلم ومدينته (النجف الاشرف). فتهللت نفس‏الولد الشاب لهذا العزم الذي ما كان يقدر عليه كل احدمن اقرانه آنذاك الا النوادر واصحاب الهمم العالية،والنفوس الكبيرة التي لا ترضى بالقليل، الا بالتوجه الى‏باب مدينة العلم، والانتهال هناك من فيض العلوم على‏كبار اساتذة هذه الجامعة الدينية وعظمائها.

    فهي مطمح ‏كل نائل، واليها يصبو كل عاشق لعلوم محمد ( وآله ‏الاطهار رحمه ‏اللّه وفيها يجد كل صب غليل برد اواره..جامعة النجف الدينية وحسبك بها من اشعاع لفقه الدين‏واصوله، ونجعة المعارف الالهية، وعكاظ الادب الرائق،ولرجال كانوا الطلائع في ميادين السيف والقلم، وقدملؤوا عين التاريخ ابهة وبهاء .. وقرطوا آذان الدنيابفكرهم وجهودهم وجهادهم.. وصاغوا قلائد عز واباء،ومجد مؤثل للدين الاسلامي الحنيف، تخشع لهاالقلوب وتهتز طربا، زانوا بها جيد الزمان، ومترجمناواحد من اولئك الافذاذ.

    الرحلة في طلب العلم

    قلنا ان المترجم كانت نفسه تهفو الى قبلة الدارسين، باب‏مدينة العلم.. ولما زمع السيد يوسف على ارسال ولده‏عبدالحسين الى العراق، راح يعد له مستلزمات السفر،فاقرنه في سابعة عقده الثاني مقدمة بابنة عمه السيدمحمود ابن جواد، وما ان فطمت له طفلته البكر، حتى‏راى الوالد انه قد حان اوان السفر. فارسل معه امه بناءعلى رغبتها، واخاه الصغير - من ابيه - السيد شريف،وخادمة لهم مع قرينته وطفلتهما، فتحرك الركب في‏التاسع من ربيع الاول سنة (1310ه‏- / 1892م) من‏بيروت بحرا نحو الاسكندرونة، فحلب، فدير الزور،فالكاظمية، في رحلة دامت اثنين وخمسين يوما، حيث‏وردوها اوائل طلوع فجر اليوم الثاني من جمادي الاولى‏من تلك السنة، فالقوا عصا الترحال بكنف جده لامه‏السيد محمد هادي، الذي كان يقطن الكاظمية مجاوراالامامين الجوادين (.

    ولما استقر بهم النوى، آثر خاله السيد حسن‏الصدر((326))، الذي كان يومها في مهجره (سامراء)بمعية ابن عمه السيد اسماعيل الصدر، ان يحضرالمترجم عندهما عن الذهاب الى النجف. فوافقهما جده‏على هذا الامر، وهكذا نزل سامراء، وكانت يومئذ - على‏حد قول المترجم نفسه - آهلة باعلام الهدى، زاهرة‏بمصابيح الدجى((327)). فاقام فيها سنة واحدة وشهرين‏مكبا على الدرس.

    وعلى اثر فتنة طائفية سامرية حدثت هناك، كانت‏شرارتها ورياحها السوداء قد مست حرمة المجتهد الاكبرالامام السيد محمد حسن الشيرازي نفسه، حين كان يقيم‏في تلك الديار، في اثناء هذه الفتنة وعند استفحالها عادالصدور وبمعيتهم شرف الدين قافلين بقصد النجف‏الاشرف، مرورا بالكاظمية، وبعد مكث يسير فيها خف‏الرجال مولين الوجوه شطر النجف، قبلة الوفاد. كان ذلك‏على ما يبدو لي منتصف عام (1311ه‏-) او بعده‏بيسير.

    وما ان حط رحال السفر، حتى شرع في الدروس يلتهمها التهاما، ويقف على فضلاء الحوزة العلمية وفطاحل‏علمائها في العلوم والمعارف، يلازم هذا، ويتبع ذاك‏اتباع الفصيل اثر امه. وقد ملا كل وقته درسا ومباحثة‏ومناقشة لمعضلات المسائل، ولم يزل في النجف‏الاشرف ضاربا اطنابه على الاشتغال، ملقيا جرانه على‏اخذ العلوم من افواه الرجال، كما كتب يقول: «قائما على‏ساق مفيدا ومستفيدا، محاضرا ومناظرا، ومدرسا،ومؤلفا، لا الوي على شي، حتى قفلت راجعا بنجح‏حاجتي الى عاملة، منقلبا اليها اجمل منقلب‏».

    ويضيف: «ما عنيت مدة اقامتي في العراق - وكانت‏اثنتي عشرة سنة - بغير ما هاجرت اليه، حتى اني لم‏اتصل بغير اهل العلم، ولم اتعرف باحد سواهم من سائراهل العراق، بل لم ار من حواضرها وبواديها غيرالمشاهد الاربعة والكوفة وبغداد، وما كان في طريقي‏الى هذه البلاد. اذ كنت رائد حاجة ماضي العزيمة فيها،وحيث انها تستفرغ وسعي، وتستغرق اوقاتي لم يكن لي‏عنها مذهب‏».((328)) وكما كان ابتداء رحلته العلمية من جبل عامل في التاسع‏من ربيع الاول، وقد راى اليمن والتوفيق وحسن العاقبة‏بتلك الحركة، فقد آثر ان تكون رحلة العودة الى الوطن‏في نفس ذلك اليوم، رجاء ان يسعده التوفيق ثانيا كمااسعده اولا.

    وفعلا زم ركائبه من النجف في تاسع اول الربيعين من‏عام (1322ه‏-)، قافلا في رحلة العودة بعد اثني عشرعاما، ولكن شتان ما بين رحلتي الذهاب والاياب!وشتان بين عبدالحسين الذاهب الى مدينة العلم، وبين‏عبدالحسين القادم من مدينة العلم، وقد ثنيت له الوسادة‏هناك. دخلها وهو محمل بحقائب السفر، وعاد منها اليوم‏محملا باجازات الاجتهاد المطلق من اكابر علمائها.فاستقبلته قريته (شحور) والقرى التي مر بها، ابتداء من‏مدينة دمشق، استقبال الفاتحين الابطال، بل قل:استقبال القادة المراجع العظام، وليس هو الا ابن العقودالثلاثة لم يتخطاها سوى بعامين ينقصهاهلالان.

    وعقدت له مجالس التكريم والحفاوة اينما حل في‏طريق عودته، حتى استقر به المسير في مرابع الصبا(شحور)، ومن هذه النقطة.. ومن ذلك التاريخ بدا شرف‏الدين خطواته الجهادية الاولى في مسيرة الالف ميل،فابتدا يرسم على الارض ما كانت تختزنه مخيلته من‏افكار تجديدية على طريق تحقيق اسلام عصري، بل‏الاصح القول بناء مسلمين يواكبون العصر الحديث، والافالاسلام طبيعة متجدد في ذاته، انما التجديد يتطلب في‏آلياته التي يجب ان تساير التطور في جميع مقاطع‏المسيرة العلمية.

    نعم، وهكذا كان، فمنذ ذلك الحين بدات مرحلة الابداع‏والانتاج والعطاء في حياة المترجم العملية، وراح يرسم‏المناهج الجديدة، ويضع الليات الحديثة لينهض‏ بالقرى والمدن العاملية، ثم بمنطقة الجبل العاملي‏المحرومة من ابسط انواع الخدمات الاجتماعية. ومن‏هنا - ايضا - كانت بداية مشاريعه النهضوية الدينية‏والاجتماعية يوم حل في صور اواخر عام (1325ه‏-)،وبالتحديد في منتصف شهر الحج.

    وينهمك السيد شرف الدين في تاسيس المشاريع‏ورعاية الخدمات الثقافية والاجتماعية مدة سبع سنين‏ينقطع فيها عن الرحلة، ليواصل بعدها رحلته العلمية،ويفتتحها بالازهر الشريف، الذي كان الامنية الكامنة في‏نفسه، حتى حفزها فيه خاله السيد محمد حسين الصدرحين زارهم اواخر سنة (1329ه‏-/1911م) في‏عاملة.

    يتحدث السيد المترجم عن ذلك فيقول: «فوجدتني‏واياه نمخر عباب البحر في باخرة القت مراسيها في بورسعيد، ثم حملنا القطار منها الى القاهرة‏».

    ويضيف: «وكان لهذه الزيارة اثر محمود في نفسي وفي‏حياتي.ذلك اني توخيت ان اتغلغل في الحياة العلمية،واستبطن دخائل المجتمعات الادبية بالتحدث الى‏العلماء، والسماع منهم، وتبادل الزيارات بيني وبينهم،وبالمناظرة في اهم المسائل العلمية التي كانت مدارالبحث، ومحك الفضيلة‏».

    والحق، لقد كان لزيارته الازهر ثمار دانية القطوف،عميمة النفع على كثير من الصعد. فبعد مرور عاما على‏تلك الزيارة، ما زلنا نحن جيل اليوم، ابناء القرن الخامس‏عشر الهجري وقد تخطينا ربعه، نقطف ثمارها جنية،ونستذوقها طرية، وكانها وليدة يومنا. وما ذلك الا لانهانبتت على اخلاص وود من كلا طرفي الحوار، وما كان‏للّه ينمو، ]فاما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس‏فيمكث في الارض.[ وعن فؤائد الزيارة وآثارها كتب السيد شرف الدين‏يقول: «لو لم يكن من آثار هذه الزيارة الا هذا الكتاب -يعني كتاب المراجعات - لكانت جديرة بان تكون‏خالدة الاثر في حياتي على الاقل‏».

    وعن نتائج هذه الزيارة يقول السيد: «ومهما يكن من امرفقد نعمنا بمصر في خدمة هذا الشيخ - يعني به شيخ‏الازهر يومئذ سليم البشري - واتصلنا بغيره من اعلام‏مصر المبرزين اذ زارونا وزرناهم، اخص منهم العلامتين‏الشيخ محمد السملوط‏ي والشيخ محمد بخيت، وقدنجمت هذه الاجتماعات الكريمة عن فوائد جمة اقلهاالاتصال الفكري بين مدرستي النجف والازهر،والتعارف بين خريجي هذه وخريجي تلك على مدى مافي كل منهما من اسباب التفكير، وطرق الدراسة ووفرة‏المحصول. ودع عنك ما لهذا الاتصال من النتائج‏الحسنة التي تعود على الوحدة الاسلامية باعم الفوائدواجداها».

    هكذا كان يفكر رجل الوحدة ورائدها، وكم كان يتمنى ان‏تستمر هذه الزيارات، كيما تتوال حلقاتها وتتساقى الامة‏متفاهمة متحابة كؤوس الصفاء والولاء.

    ثم يواصل حديثه عن النتائج قائلا: «وممن نعمنابخدمته في مصر وتبادلنا معه الزيارات، وكانت بينناوبينه محاضرات ومناظرات في مسائل فقهية واصولية‏وكلامية دلت على غزارة فضله ورسوخ قدمه في العلم‏والفضيلة لشيخنا الشيخ محمد عبدالحي بن عبدالكريم‏الكتاني الادريسي الفاسي‏».

    ويعد نحو خمسة او ستة اشهر - بتقديرنا - عاد من‏مصر في جمادي الاولى من سنة (1330ه‏-) الموافق في‏آيار من سنة (1912م)، وهو يحن اليها حنين ناء مبتعدعن ديار الحبيب، ولم يتماسك وجده حتى خف اليهاثانية بعد ثمان سنوات، كي يطفئ منها غلة بقيت تاجج‏في نفسه.

    وقبل رحلة مصر، كانت للامام شرف الدين رحلة الى‏المدينة المنورة في شهر الصيام من عام(1328ه‏-/1910م)، لم نتعرض لها لانها لا تدخل في‏شرط عنواننا الذي وضعناه، وهو الرحلة في طلب العلم.فالزيارة كانت دينية بحتة، ولم يكن لها شديد تاثير «في‏تكوين فكر شرف الدين ذلك لانها فضلا عن طابعها الديني البحت، فهي تقيد صاحبها بوقت محدد لا يسمح‏ له بالاتصال برجال الفكر والاصلاح، او بالاطلاع بعمق‏على النتاج الفكري، او ارتياد المكتبات...»((329)).وهكذا بقية رحلاته الدينية الاخر، كما كانت له رحلات‏سياسية سنعرض لها في ما يلي من انشطته.

    دراسته:

    المحنا في باب مولده الى شذرات من حياته العلمية‏الاولى في موطنه (شحور)، احدى قرى قضاء صور في‏الجنوب اللبناني.

    وما لم نذكره هناك نسلط الضوء عليه هنا، بغية توضيح‏الجوانب المهمة التي اكتنفت حياة المترجم العلمية،حيث فهمنا من خلال ما كتب عنه رضوان اللّه عليه، ان‏اباه كان يحمله على الصعاب، ويضطره الى التمحيص‏والتدقيق والتنقيب ما فيه زيادة عن حد اللزوم، وما فيه‏نوع كلفة ومشقة، لكن التلميذ كان يتجلد لكل صعب،وينوء بكل ثقل، وكان وعاء يتسع لكل ذلك وزيادة،يتحدث السيد عن نفسه فيقول: «ثم اقبل المقدس والدي‏على تعليمي بنفسه، واسترسل الى تلقيني الدروس‏بانسه، فالقيت اليه سمعي، واصغيت اليه بلبي، حتى‏اخذت عنه العلوم العربية: الصرف والنحو والمعاني‏والبيان والبديع والادب العربي وعلم المنطق بكل ضبط‏واتقان، واخذت عنه (نجاة العباد) للعمل على مقتضاها.وقرات عليه كتابي (فقه الامامية)، و (شرائع الاسلام)،وكان يامرني بكتابة دروسي وعرضها عليه، فما فاتني‏كتابة شي مما قراته عليه من الدروس العربية والمنطقية‏الا قليلا.وحين قرات عليه كتب النحو كان يفرض على قراءة‏العبارة على العربية، ثم اعرابها ثم تفسيرها قبل الدرس‏في كل يوم، وكنت احفظ في كل يوم بيتين من ديوان‏الحماسة او غيره من شعر العرب، فاتلوهما وافسرهمابين يديه بعد مراجعة القاموس في حل الغريب من‏مفرداتهما، ولم يجعل لي مندوحة من ذلك ابدا.والزمني بحفظ الفية ابن مالك حين قرات عليه شرحها،وكان في شهر رمضان يلزمني بمتابعته في قراءة القرآن -وكان من القراء - وهناك اجزل الفوائد، وارجى المنافع‏بخشوع الابصار، وسكون الجوارح خشية وفرقا».

    بعد ان تاهل لمرحلة السطوح العالية بانهائه مرحلة‏المقدمات بنجاح وتفوق، ارسله ابوه السيد يوسف الى‏العراق لمتابعة الدراسة العليا. فكانت بالنسبة له المرحلة‏الثانية، حيث ابتداها في سامراء بقراءة (شرح اللمعة)على الشيخ باقر حيدر((330)).

    ولما راى الاستاذ من‏الطالب شدة الاستعداد لفهم المطالب، اخذ يطوي له في‏اليوم الواحد ما لا يطوى في اسبوع، وبهذا الخصوص‏يقول:

    «واندفع يعدو بي حثيث السير في ذلك الكتاب‏المستطاب، على ما كان ملتزما به من اعمال الروية‏الثاقبة، والنظر الدقيق، والغور البعيد، راعى في عمله‏هذا مطابقته لمقتضى الحال. اذ لم يرني والحمد للّهبمحتاج في (اللمعة) الى استاذ، فكان يغذ بي السير فيها،وربما حضني فقال: لا تؤن فرصتك، ولا تكن عوقا، فماعتم ان ختم الكتاب، والحمد للّه على الهداية الى‏الصواب‏».

    وقرا مباحث الالفاظ من كتاب (الفصول في علم‏الاصول) على الشيخ حسن الكربلائي، وكان يتباحث مع‏رفيق درسه السيد مهدي بن محمد بحر العلوم، وكان‏كلما قرا فصلا من الكتاب رجعا الى كتاب (القوانين)لمراجعة قانونه، حتى انتهيا من مباحث الالفاظ على‏هذه الكيفية. علما بانه لم يقرا (المعالم) على استاذ،والذي هو من جملة المناهج التي يجب ان يمر عليهاطالب العلم تدرجا، حيث راى السادة من اسرته من‏استعداده وتفوقه انه يستطيع الاستغناء عنها وعن‏القوانين بكتاب (الفصول). وفي الاثناء طالعا (شرح‏التلخيص) - المطول - للتفتازاني، وسبراه معا متوازرين‏لا يعتري احدهما مشكل الا وكان عند الخر حله.

    ومما حضره في سامراء مجلس الشيخ ملا علي السلطان‏آبادي في الحكمة والاخلاق، صباح كل جمعة، وكان‏محفلايشهده كبار اعلام الدين كالسيد اسماعيل الصدر،والميرزا حسين النوري، والشيخ محمد تقي الشيرازي،والسيد ابراهيم الخراساني، والميرزا حسين النائيني،والشيخ حسن الكربلائي، وغيرهم. وعن الشيخ القدوة‏السلطان آبادي ومجلسه يحدثنا شرف الدين: «وكان‏اعلام الدين ينتدون يوم الجمعة مجلسه لينتجعواحكمته، ويردوا شرعته، وكان ممن ترمقه ابصارالصديقين، وتمد اليه اعناق المقدسين... فاذا فاض في‏الحكمة تفجرت ينابيعها على لسانه، فملك اعنة‏القلوب، ورد شوارد الاهواء، وقاد حرون الشهوات،وقوم زيغ النفوس، فخفقت الافئدة خيفة، وخشعت‏الجوارح خشية، فكان لغدوي الى خدمته، واستماعي‏لحكمته اثر هو ارجى ما ارجوه‏».((331)) ولما استقرت به الدروس وانتسقت، حدثت فتنة اثارهابعض نواصب سامراء وما حولها من اعراب، واخذ يشتداوارها، وتستحكم اواصرها، فتشوشت الدراسة هناك‏وتعثرت، فانتقل المترجم بمعية خاله وابن عمه مع عددآخر من الدارسين والمدرسين الى حيث مهوى افئدة‏الدارسين، ونجعة طلاب العلوم والفنون، عاصمة الدين‏والمذهب، ومهبط العلم والعلماء، فناء الوصي، ومثوى‏باب مدينة علم النبي، النجف الاشرف، على ساكنه‏آلاف التحية والتسليم.

    اشتغل فور حلوله ارض الغريين بدرس (المكاسب) في‏الفقه على استاذه في (شرح اللمعة) الشيخ باقر حيدرالذي كان سبقهم الى النجف، فسار معه في المكاسب‏سيرته الاولى في درس سامراء، سيرا حثيثا مع الغوص‏على الحقائق، والكشف عن الغوامض، والمناقشة،ومعارضة الحجة، حتى اتى على الكتاب الا يسيرا من‏ابوابه. وقرا العبادات من كتاب (الرياض) على الفقيه‏العلامة الشيخ علي باقر الجواهري. واما (الفرائد) في‏الاصول فقد وقف في دراستها عند السيد محمد صادق‏الاصفهاني، الذي اغرق به في البحث عن كنوز (فرائدالاصول) تصويبا وتصعيدا، يقلبها له ظهرا لبطن.

    وعن‏دراسته للرسائل وتشجيع استاذه له الى اقتحام عقبتهايقول: «مهيبا بي الى سبر غورها، واختبار كنهها، وكان‏يربع حجري في غوامضها، ويبلو ما عندي في اسرارها،فيعود قرير العين مغتبطا، محبورا بعواقب جهوده في‏تخريجي، وآثار ما ارهفه من عزائمه في تدريسي.وما ان انتهينا الى منتهى الكتاب حتى انضويت معه الى‏منبر استاذه الشيخ محمد كاظم الخراساني...».((332)) وكان الخراساني اذاك قد شرع في تاليف (الكفاية)، فكان‏كلما حرر شيئا منها، جاء والقاه على تلامذته، وهم‏يومئذ يربون على الثلاثمئة طالب من اهل الفضل‏ والتحقيق، وكان السيد محمد صادق الاصفهاني من‏المبرزين فيهم.




    يتبع ..2


    _________
    الهامش

    326- السيد حسن بن هادي بن محمد علي‏الصدر صاحب
    تكملة امل الامل، والشيعة وفنون‏الاسلام، وغيرها من المؤلفات.
    327- بغية الراغبين 2: 63 67.
    328- بغية الراغبين 2: 77.
    329- رائد الفكر الاصلاحي، هادي فضل اللّه:48.
    330- تاتي ترجمته عند التعرض لاساتذته‏ومشايخه، وهكذا
    بقية اساتذته.
    331- بغية الراغبين 2: 68.
    332- بغية الراغبين 2: 72.
    التعديل الأخير تم بواسطة : سيد مرحوم بتاريخ 20-03-08 الساعة 08:49 PM

  2. #2

    افتراضي

    وبهذا الانضواء يكون السيد شرف الدين قد اتم المرحلة‏المتوسطة (السطوح)، وانتقل الى المرحلة العالية من‏الابحاث، والتي يصطلح عليها (البحث الخارج) او(الخارج)، وهي مرحلة اعداد الفقهاء الى الاجتهادوالوقوف على استنباط المسائل الشرعية من مصادرهاالمعروفة. وهذه ليس لها سقف زمني، انما تستحصل‏تبعا لذكاء الدارس واستعداده الذاتي، وقدرته على فهم‏المطالب ودركها، وعلى مدى استيعاب المادة، ثم القدرة‏على معالجة تطبيقاتها، ومقدار الكم المعلوماتي من‏مرحلتي المقدمات والسطوح، كل هذه وغيرها مقومات‏تؤهل للاجتهاد واستنباط الاحكام.

    وعن درس صاحب الكفاية يقول: «ما فاتني من‏محاضراته اصولا وفقها منذ انضويت اليه حتى اتيت‏عاملة، وكنت فيما استشكل به من مطالبه ارجع الى‏استاذي السيد محمد صادق فيوقفني على اغراضه،وربما راجعت الامام الخراساني نفسه فيلمسني مفصل‏الصواب، وفصل الخطاب((333)) ».

    وفي هذه الاثناء كانت للسيد شرف الدين حلقات درس‏موفقة في الفقه والاصول، وكان يرجع فيما يستشكل‏عليه من مطالب الى استاذه السيد محمد صادق ‏ايضا.

    كما وقف في الفقه على علمين من اعلام الدين‏والفقاهة، هما طودان ينحدر عنهما السيل، ولا يرقى‏اليهما الطير، كما وصفهما المترجم، ذلكما الشيخ محمدطه نجف، والشيخ آغا رضا الهمداني الذي كان وقتئذيرقم سفره الجليل (مصباح الفقه)، فكان يكتب الدرس‏مساء ويلقيه على تلامذته صباحا. وما كان يجلس تحت‏منبره الا من خاصة الفحول في علمي الفقه والاصول،كالشيخ باقر حيدر، وعلي باقر الجواهري ومن في ‏طبقتهما.

    وكان والد شرف الدين ايام تحصيله في النجف من‏تلامذة الشيخ الهمداني، وبهذه الدالة حصلت بين الشيخ‏والمترجم علقة خاصة، كان الاستاذ يعير تلميذه اذناصاغية، وصدرا واسعا، ويتلطف له في الجواب، ويطيل‏المكث معه في البحث.

    ثم حضر في الفقه ايضا على شيخ الشريعة الاصفهاني‏الشيخ فتح اللّه بن محمد جواد الملقب ‏بــ ‏-(شريعتمدار)، حيث كانت حوزته تربو على المئتين‏من طلاب العلم الناشطين.

    وفي اواخر ايامه في النجف حضر ثمة على الشيخ‏عبداللّه المازندراني درس الفقه. وكان المترجم آنذاك‏مشغولا في شرح (التبصرة)، فاحب استاذه ان يرى ما يتم‏من شرح فيعرضه عليه تباعا، وفعلا عين له وقتا معينامن كل يوم، فكان يقرا عليه شيئا من الشرح، فيعجب‏الشيخ لشرحه ايما اعجاب، ولربما انتشى طربا لمايسمع من بلاغة وادب عذب في الرد والجواب وبيان‏المطالب، فكان يقول: ما كذبتني واللّه فيك الظنون! هذا على صعيد الفقه والاصول، اما فيما يرجع الى‏الاحاديث وطرقها واسانيدها وعلم الدراسية وغيرها من‏العلوم مما يرتبط بالسنن، فقد وقف فيها على الشيخ‏حسين النوري صاحب (مستدرك الوسائل)، فكان‏المترجم يتبعه اتباع الفصيل اثر امه.

    وبالمقابل كان ‏الاستاذ الشيخ لا يدخر عنه وسعا، ولا يالوا في تربيته ‏جهدا.

    واخيرا فقد كان حضر فقها واصولا عند قرابته وحامته،منهم:

    جده الشريف ابو الحسن السيد محمد هادي، وخاله‏السيد حسن الصدر، والسيد اسماعيل الصدر، وكان‏حضوره عندهم في الكاظمية وكربلاء، وكان اكثر مايراجعهم في المعضلات وغوامض المسائل، ويقتدي‏بسيرتهم وسلوكهم، فكان لهم الاثر الطيب على تربيته‏في السير والسلوك، ما عاد عليه بعظيم الفائدة اضعاف مااستفاد من سائر دروسه.

    وهكذا بقي هذا العلم العيلم جادا في التحصيل العلمي‏والمعرفي، حتى حقق هدفه وبلغ الدرجة الرفيعة في‏الاجتهاد، والمكانة السامقة بين جهابذة العلم، فكان‏حقيقة ناصعة كالشمس في رائعة النهار، وذو ملكة‏استنباطية في الاحكام الشرعية، ادهشت اساتذته قبل‏غيرهم، مما سارعوا الى امضاء شهاداتهم، واجازاتهم له‏بالاجتهاد، فكتبوا ما يليق بمقامه الرفيع نتعرض لهالاحقا بعيد التعرف على اساتذته.

    التعريف باساتذته:

    يمكن تقسيم اساتذته الى مجموعتين بالنظر الى اهم‏مرحلتين من مراحل دراسته الثالث، وهما مرحلة‏السطوح التي بداها في سامراء واتمها في النجف‏الاشرف بعد انتقاله اليها بمدة وجيزة، ثم مرحلة‏الابحاث العليا (الخارج)، وهي الاخرى التي طواها بزمن‏قياسي نوعما.

    فاما اساتذته لمرحلة السطوح:

    1 - والده السيد يوسف شرف الدين (ت / 1334ه‏-)،وكان عالما فاضلا، حيث لم يغادر النجف الاشرف عائداالى بلاده حتى بلغ المرتبة العالية والدرجة الرفيعة من‏العلم.

    قرا عليه في العربية: النحو والصرف والمعاني والبيان‏والبديع، وفي الفقه: (نجاة العباد)، و(فقه الامامية)، و(شرائع الاسلام).

    2 - الشيخ باقر حيدر (ت / 1333ه‏-)، كان اماما في‏العلوم العربية، وذا بسطة في الفقه والاصول، واحدالمبرزن من اساتذة الحوزة النجفية.

    قرا عليه في الفقه: (شرح اللمعة)، واكثر ابواب كتاب(المكاسب).

    3 - الشيخ حسن الكربلائي (ت / 1320ه‏-)، هو واحدمن اعلام الفقه، واطواد الاصول، ورواد البحث‏والتنقيب، وكان هو والامام الميرزا حسين النائيني‏كفرسي رهان.

    قرا عليه في الاصول: (الفصول في علم الاصول).

    4 - السيد محمد صادق الاصفهاني (ت / 1348ه‏-)،كان من مراجع الدنيا والدين في اصفهان، وله باع طويل‏في الفقه والاصول، وكان مدرسا بارعا، تجري على‏لسانه مطالب الاعلام من المتقدمين والمتاخرين مجرى‏السيل.

    قرا عليه في الاصول: (فرائد الاصول).

    5 - الشيخ علي بن باقر بن محمد حسين - صاحب‏الجواهر - الجواهري (ت / 1340ه‏-)، فقيه علامة‏منقب مدقق.

    قرا عليه في الفقه: العبادات من كتاب (الرياض)، وبعضامن ابواب المكاسب.

    6 - جده الشريف السيد ابو الحسن محمد هادي بن‏محمد علي الصدر (1235 - 1316ه‏-)، يبدو انه قراعليه في اول نزوله عليه في الكاظمية قبل انتقاله الى‏سامراء.

    واما اساتذته في البحث العالي (الخارج):



    1 -
    آية اللّه الشيخ الخوند محمد كاظم بن حسين‏الهروي الخراساني (ت / 1329ه‏-)، هو من المكانة‏العلمية في العلوم العقلية والنقلية في غنى عن‏البيان.

    قرا عليه في الاصول: (كفاية الاصول)، كما كان يحضردروسه الفقهية.

    2 - آية اللّه الشيخ محمد طه نجف (ت / 1323ه‏-)،احد فقهاء الامامية ومراجعها العظام، كان ممن تشد اليه‏الرحال، عيلمالا يجارى، اذ كان موسوعة في فقه اهل‏البيت (، فجميع ابواب الفقه على راحة كفيه.

    قرا عليه شطرا من الفقه.

    3 - آية اللّه الشيخ آغا رضا الاصفهاني (ت / 1322ه‏-)،صاحب السفر الجليل (مصباح الفقيه).

    قرا عليه شطرا من مصباحه في الفقه.

    4 - آية اللّه الشيخ فتح اللّه بن محمد جواد شريعتمدارالشيرازي المعروف بشيخ الشريعة الاصفهاني (ت /1339ه‏-)، كان علما من اعلام الفقه والاصول، واسع‏الاطلاع على روايات اهل البيت (، واخبار الماضين،وحوادث السنين.

    قرا عليه في الفقه.

    5 - آية اللّه الشيخ عبداللّه ابن ملا نصير الطبرسي‏المازندراني النجفي (ت / 1330ه‏-)، كان بحرا لا يسبرغوره، علم من الاعلام، ومن شيوخ الاسلام في تلك‏الايام.

    قرا عليه ابحاثا في الفقه اواخر ايام اقامة المترجم في‏النجف.

    6 - آية اللّه الشيخ الميرزا حسين النوري (ت /1320ه‏-)، صاحب (مستدرك الوسائل)، كان من وجوه‏اعلام حملة السنن، وحفظة الثار.

    قرا عليه في علمي الرجال والحديث.

    7 - خاله الشريف السيد ابو محمد حسن بن هادي‏الصدر (ت / 1354ه‏-)، صاحب المؤلفات المعروفة(الشيعة وفنون الاسلام)، و (تكملة امل المل)،وغيرها.

    حضر دروسه في الفقه والاصول في كربلاء على مايبدو.

    8 - السيد اسماعيل بن صدر الدين محمد بن صالح‏الصدر (1255 - 1334ه‏-).

    هو الخر حضر دروسه الفقهية والاصولية في الكاظمية‏على ما يظهر. اذ يتحدث المترجم عن دراسته على خاله‏والسيد اسماعيل الصدر، فيقول: «هم حامتي وسادتي،حضرت دروسهم الفقهية والاصولية في الكاظمية‏والحائر..»، ومعهم جده الذي ذكرناه في المجموعة‏الاولى، ولم يذكر تفصيلا اكثر من هذا، مما يدعونا الى‏التكهن بانه كان يحضر دروسهم ايام التعطيلات الرسمية‏للدروس او ايام ذهابه للزيارة، فيبدو انه كان يستغل‏اوقات الفراغ للاستفادة منهم، بحكم تواجده معهم في‏بيوتهم عند زيارتهم.

    الشهادات الممنوحة له ما ان انهى مترجمنا دروسه العالية، وسطع نجمه في‏عالم الفقاهة، ودنيا الاجتهاد، حتى تتالت عليه اجازات‏الاجتهاد مقرة له بالتفوق العلمي، ومتوجة له بالاجتهادالمطلق، عارفة ومعترفة ومعرفة بانه حقيق بالرجوع اليه‏في الفتوى وفصل القضاء، كما منح اجازات في الرواية‏من عدد من علماء عصره ومن كلا الفريقين، وهذه‏الاجازات انما هي شهادات عالية تمنح للمتخصصين‏في علوم الدين والشريعة، والتي لا ينال امثالها الا ذوحظ عظيم.

    واليك نماذج من هذه الشهادات لتقف من خلالها على‏مدى اكبار المراجع والاساتذة العظام والعلماء الاعلام‏له، وتقديرهم لمكانته المرموقة:

    اجازات الاجتهاد

    1- اجازة آية اللّه الامام الشيخ آغا رضا الهمداني، كتبهاله بتاريخ 18 ذي الحجة 1320ه‏- / 18 آذار 1902م،جاء فيها:

    «وبعد،.. وان من هذه الطبقة العليا ولدنا الابر، التقي‏النقي، الثقة العدل، الامين على شؤون الدنيا والدين،السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي العاملي جمع‏اللّه به الكلمة، ورفع بجهوده شان الامة، فقد اشتهر في‏فضله، وبهر في نبله، وعلت منزلته في الدين والعلم‏فقها، واصولا.. فهو ذو ملكة راسخة قدسية في استنباط‏الاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية، يباح بهاللعوام ان يرجعوا اليه في تلك الاحكام، ويجب عليهم‏تنفيذ حكمه في المرافعات، وفصل الخصام، فانه من‏العلماء المحققين، والفقهاء المجتهدين..».

    2 - اجازة آية اللّه الفقيه الشيخ فتح اللّه الشيرازي‏المعروف بشيخ الشريعة الاصفهاني، كتبها له بتاريخ 4محرم الحرام 1321ه‏- / 2 نيسان 1903م، جاءفيها:

    «وقد ايد اللّه هذا الدين المتين بالعلماء وجعلهم ورثة‏الانبياء..وان من هذه الروضة المرضية.. والدوحة‏البهية.. العالم العامل البهي، التقي، النقي، المبرا من كل‏شين، السيد عبدالحسين الموسوي العاملي، ايده اللّهبلطفه الخفي والجلي، ابن علم الاعلام، ملاذ الانام،ومرجع الخواص والعوام، سيدنا السيد يوسف شرف‏الدين.. فانه هاجر عن وطنه.. وجد واجتهد في طلب‏المعالي.. وناظر ونوظر، وراجع وروجع حتى فاق‏الامثال والاقران، وصار مشارا اليه بالبنان.. واختبرته‏ببعض مقفلات المسائل فوجدته بطرق فتحها وحلهاخبيرا، فحق لي ان اقول:

    انه ترقى من حضيض التقليدالى اوج الاجتهاد
    ».

    3 - اجازة آية اللّه الشيخ محمد كاظم الخراساني، كتبهاله بتاريخ 9 ربيع الاول 1321ه‏- / 7 حزيران 1903م،جاء فيها:

    «ان سيادة السيد السند، والثقة الفقيه المجتهد، المنزه من‏كل شين، السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي شداللّه اركانه، واعطاه يوم القيامة امانه، مجتهدمطلق،وعدل موثق، قد اصبح من اهل الذكر الذين ترجع‏اليهم العباد، وترقى من حضيض التقليد الى اوج‏الاجتهاد.. وحرم عليه التقليد، ووجب عليه العمل برايه‏السديد، فليمتثل المؤمنون امره ونهيه، وليرجعوا اليه،فانه حجة عليهم..».

    4 - اجازة كبير الفقهاء آية اللّه الشيخ محمد طه نجف،كتبها له بتاريخ 1 محرم الحرام 1322ه‏- / 18 آذار1904م، جاء فيها:

    «ان ممن حمل العلم من عدول هذا الخلق لينفي عنه‏تحريف الغالي وانتحال المبطل وتاويل الجاهل، وهو قوى على‏ذلك بعلمه وفهمه وحكمته لولدنا البر الثقة العدل الورع‏الهمام المقدام، الفقيه الاصولي، المحقق المدقق،البحاثة القوي في حجته، الصدوق في لهجته، المعتدل‏في اسلوبه وطريقته، المتفاني في النصح للّه ولكتابه‏ولرسوله ولائمة المسلمين ولعامتهم، الباذل نفسه في‏خدمة الشريعة المقدسة.. السيد عبدالحسين شرف‏الدين الموسوي العاملي، اعز اللّه به الاسلام واهله، فانه‏من اعلام الهدى، ومصابيح التقى.بلوته فوجدته ذا ملكة قدسية في استنباط الاحكام‏الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية.. فعلى المؤمنين ان‏يرجعوا اليه في الفتوى وفصل القضاء، فان حكمه‏الفصل، وقضاءه العدل، ولا يسع المؤمن الا انفاذه،والنجوع له، وليهتد المؤمنون بهديه، وليكونوا عند امره‏ونهيه، والمرجو منه ان لا يترك الاحتياط..».

    5 - اجازة آية اللّه الفقيه الشيخ عبداللّه المازندراني،كتبها له بتاريخ 29 صفر 1322ه‏- / 15 آيار 1904م،جاء فيها:

    «اما بعد، فان جناب السيد السند، والكهف المعتمد،عماد الملة والدين، ثقة الاسلام والمسلمين، السيدعبدالحسين نجل السيد الاجل السيد يوسف شرف‏الدين العاملي، مجتهد مطلق في الاحكام الشرعية،جامع لشرائط الافتاء والقضاء من الاجتهاد والعدالة‏وغيرها، يجب عليه ان يعمل بما يراه... ويجوز للعوام ان‏يقلدوه في المسالة التي لا يعلم انه مخالف فيها لمن هواعلم منه، ولهم ان يترافعوا اليه، فانه نافذ الحكم، ممضى‏القضاء، والراد عليه راد على اللّه تعالى..».

    6 - رسالة الامام آية اللّه السيد اسماعيل الصدرالموجهة الى اهالي مدينة صور بعدما استوطنها السيدشرف الدين، كتبها لهم بتاريخ 16 ذي الحجة 1326ه‏- /31 كانون الاول 1908م، جاء فيها:

    «السلام التام على كافة المؤمنين من اخواننا الكرام، ولاسيما اهل السداد والايمان من اهل صور...اما بعد، فقد سرنا قيامكم بواجب الوظائف من خدمة‏السيد السند والثقة الفقيه المعتمد، قدوة العلماءالفاضلين، واسوة الفقهاء المبرزين، الاوثق لدينا، والاعزعلينا، السيد عبدالحسين شرف الدين رفع اللّه مناره،فذكرناكم وشكرناكم.. فاهتدوا بهديه، واعتمدوا على‏رايه، واعرفوا عظيم قدره، وكونوا نصب امره ونهيه، فانه‏لا يامركم الا بمعروف، ولا ينهاكم الا عن منكر، وارجعوااليه في احكام الدين.. فانه الحجة عليكم.. فانكم لا ترون‏منه الا عدلا.. وتعبدوا باقواله، واقتدوا بافعاله.. فانه‏مرجع عام، ومفزع في فتاوى الاحكام..وانا لنغبطكم عليه.. فاسمعوا له واطيعوا، وارجعوا اليه‏في احكام اللّه عز وجل، والراد عليه كالراد عليه عزسلطانه، فاعرفوا قدره، واستعظموا امره..».

    اجازات الرواية اما مشايخ الرواية الذين استجازهم في مروياتهم ففيهم‏من الامامية ومن اهل السنة، وهم على النحوالتي:

    مشايخه من الامامية:


    1 - والده العلامة السيد يوسف شرف الدين، فقد اجازه‏عن جميع مشايخه.

    2 - خاله العلامة السيد حسن الصدر، فقد اجازه اجازة‏عامة عن جميع مشايخه.

    3 - العلامة السيد هاشم بن زين العابدين الموسوي‏الاصفهاني، فقد اجازه عنه وعن مشايخه يوم زارالاصفهاني النجف عام (1318ه‏-)، واجتمع به السيدشرف الدين واستجازه بالرواية.

    4 - العلامة الشيخ ميرزا حسين النوري، فقد اجازه في‏الرواية هو واخوه السيد شريف معا في الحرم الحيدري‏في 18 ذي الحجة 1321ه‏- ، عن مشايخه بالطرق التي‏ذكرها في خاتمة مستدرك الوسائل.

    5 - العلامة الشيخ فتح اللّه الشيرازي المعروف بشيخ‏الشريعة الاصفهاني، فقد اجازه في الرواية عن مشايخه‏الكرام هو واخوه السيد شريف عام(1322ه‏-).

    مشايخه من الزيدية:

    1 - العلامة الشيخ عبدالواسع اليمني الصنعاني الزيدي،فقد اجازة في الرواية بطرقه كلها حينما زار الصنعاني‏دمشق عام (1338ه‏-)، واجتمع به السيد شرف الدين‏واستجازه.

    مشايخه من اهل السنة:

    1 - العلامة الشيخ سليم البشري المالكي، شيخ الازهر،فقد اجازه عام (1329ه‏-) اجازة عامة شملت جميع‏اسانيده وطرقه المتصلة بجميع كتب اهل السنة النقلية‏والعقلية المتقدمة والمتاخرة.

    2 - العلامة الفقيه الشيخ بدر الدين الدمشقي، فقد اجازه‏يوم التقى به شرف الدين بدمشق عام (1338ه‏-) اجازة‏بالمعقول والمنقول من الفروع والاصول.

    3 - العلامة الشيخ محمد بن عبداللّه الخاني النقشبندي‏الشافعي، فقد اجازه ايام لقياهما في بيروت ودمشق بماتجوز له وعنه روايته من فقه وحديث وتفسير وغيرذلك، كما اجازه بالرواية عن مشايخه.

    4 - العلامة الشيخ محمد المعروف بالشيخ توفيق‏الايوبي الانصاري الدمشقي، فقد اجازه يوم التقاه في‏صور ودمشق عن شيوخه.

    5 - العلامة الشيخ محمد عبدالحي بن عبدالكريم‏الكتاني الفاسي الادريسي، فقد اجازه يوم التقيا معا في‏مصر برواية صحيح البخاري عنه.

    هذا ما كان من الشهادات الرسمية، ان صح التعيير،الممنوحة له من اساتذته وغيرهم، وهي وثائق تشهدبتفوقه العلمي، واهليته للمرجعية الدينية.

    تلامذته ومستجيزوه في الرواية المترجم نفسه يقسم تلامذته الى نوعين، منهم الخذون‏عنه على سبيل القراءة، ومنهم الخذون عنه على سبيل‏الاجازة، ونحن نلتزم بما التزم به السيد شرف الدين‏نفسه.

    فمن قرا عليه كثيرون، منهم:

    1 - اخوه السيد شريف، اخذ عنه العربية والمنطق‏والمعاني والبيان، وسطوح الفقه، ومباحث المعالم‏والقوانين.

    2 - السيد موسى بن رضا علي الحسيني الهندي‏المدراسي الكاظمي، اخذ عنه الباب الاول من (مغني‏اللبيب).

    ولم يذكر المترجم من اسماء تلامذته الكثيرين سوى‏هذين الاسمين، لذلك صرفنا النظر من جانبنا عن تتبع‏اسماء الخرين، جريا وراء ارادته.

    اما من اخذ عنه على سبيل الاجازة، فهم ايضا كثيرون،لكنه عد اسماء (40) علما منهم من الشيعة الامامية،وبعضا من العلويين وآخر من اهل السنة.

    ونحن بدورنا سنكتفي بذكر بعض الاسماء اللامعة من‏اولئك الاعلام لمحدودية صفحاتنا هذه.

    مستجيزوه في الرواية

    1 - السيد صدر الدين الصدر.

    2 - السيد حيدر الصدروالد السيد الشهيد محمد باقر الصدر.

    3 - السيداسماعيل الصدر اخو السيد الشهيد الصدر.

    4 - اخوالمترجم السيد شريف.

    5 - الشيخ مرتضى آل ياسين.

    6- الشيخ راضي آل ياسين.

    7 - السيد محمد هادي‏الميلاني.

    8 - السيد احمد الشبيري الزنجاني.

    9 -الشيخ محمد علي الاوردبادي.

    10 - الشيخ محمدحسين المظفر.


    11 -
    السيد محمد صادق بحر العلوم.

    12 - السيد شهاب الدين المرعشي النجفي.

    13 -السيد محمد سعيد بن ناصر حسين بن حامد حسين -صاحب (عبقات الانوار) - اللكهنوي الهندي. 14 -السيد محمد علي الروضاتي.

    ومن العلويين:

    1 - الشيخ سليمان الاحمد عالم واديب بارع وشاعرمعروف من الجبل السوري.

    2 - الشيخ عبداللطيف ابراهيم مرهج.


    ومن اهل السنة

    1 - ابو الفيض احمد بن محمد الصديق الغماري‏الحسني الادريسي.

    2 - ابو المجد عبداللّه بن محمد الصديق الغماري.

    3 - ابو اليسر عبدالعزيز بن محمد الصديق الغماري.والثلاثة اخوة.

    4 - الاستاذ الشيخ محمد سعيد دحدوح. احد ائمة‏الجمعة والجماعة في حلب.

    نتاجه العلمي والفكري:

    الاسلوب والمنهجية:

    تميزت مؤلفات شرف الدين باسلوبها الادبي الرصين،وعذوبة موردها اولا، ثم معالجته الموضوع الذي ينوي‏التطرق اليه بالدخول فيه بشكل مباشر، ودون مقدمات‏واستطراد، مع ايراده الشواهد الكثيرة الواضحة في تاييده‏مدعاه.

    فالمفردات والالفاظ عند شرف الدين يجب ان تكون‏محركة، فبالاضافة الى توفره على شروط الصحة‏اللغوية، فهو يختارها على مقاييس معينة من الجمال،مع وضوحها داخل سياق النص، وان استخدم الغريب،فهو من الغريب المفهوم، حيث كان يبتعد عن العبائروالتركيبات المستغلقة، ويمكن ان يقال عن اسلوبه: بانه‏من السهل الممتنع.

    وعلى الرغم من تنوع الموضوعات التي كتب فيهاالمترجم في المجالات الدينية والثقافية والاجتماعية‏فان اساليبه تنوعت ايضا تبعا لذلك التنوع، لكنها بقيت‏محافظة على الروح العلمية التي طغت على مجمل‏نتاجه، مما اكسبت مؤلفاته الموضوعية، وجعلها تؤثرفي ايقاظ العقول.

    فمن حيث الكيف امتازت كتاباته بالدقة والعمق واقامة‏الحجة القوية والبرهان الساطع، ذلك انه كان يخوض‏صراعا فكريابدا على اغلب مؤلفاته التي انطبعت بطابع‏الجدلية العقلية القوية البعيدة عن كل عاطفة، اوتعصب.

    ولعل الاسلوب المتميز المشهود له هو احترامه للراي‏الخر ما دام في المحور العلمي والموضوعي. لكنه ينقدنقدا لاذعاكل ما يخالف الكتاب والسنة الصحيحة‏والموضوعية والاخلاق، خاصة اذا تمثل في الكذب‏والبهتان.

    اما المنهجية في البحث او المناظرة، فقد اتبع منهج‏الاستقراء التام في جميع المسائل التي بحث وناظر فيها،فهو يعرض للمسالة الواحدة عرضا واضحا ومفصلايتناول فيه جميع مفاصلها حتى الصغيرة منها، ثم يبدابالرد لها وعليها، آخذابجميع اطرافها، ردا منطقيامدعوما بالحجة والبرهان من الكتاب والسنة والعقل. ثم‏اخيرا الاستدلال من كل ذلك لتلوصل الى النتيجة‏المتوخاة.

    كما ان المنهج الوحدوي والاصلاحي الذي طغى على‏جميع اعماله، واضح كل الوضوح في كل انشطته، وقداتخذ برنامجالعمله ومجمل تحركاته.

    مؤلفاته المطبوعة وخصائصها:

    1 - الفصول المهمة في تاليف الامة: يدعو السيد شرف‏الدين في الفصول السبعة الاولى من الفصول العشر -للكتاب الى توحيد صفوف المسلمين، وجمع كلمتهم،ومن هنا جاءت تسمية الكتاب، وعلى مدى تلك‏الفصول جاء البحث في عدة مسائل خلافية بين الشيعة‏والسنة فيما يتعلق باصول الدين وفروعه، وبعض‏الحقائق التاريخية المختلف عليها، كما يعرض المؤلف‏فيه لاسباب الفرقة والتشتت بين المسلمين، ثم يضع‏الحلول المناسبة لذلك النزاع.

    ومن هنا حظ‏ي الكتاب باهتمام متزايد، فتوالت طبعاته‏على مر السنين، ولا شك انها جاوزت ال‏- (17) طبعة‏لحد الن.

    ولقد امتازت طبعته لسنة 1347ه‏- / 1929م عن طبعته‏الاولى بزيادة فصلين على الفصول العشرة، هما الفصلان‏والذي خصه بالرد على ابن حجر في صواعقه المحرقة،والفصل (11) الذي خص للرد على النواصب، كماضمنه ردا وافياعلى الرافعي. كما زيدت في غضون‏فصوله الاخر مطالب جمة وفوائد مهمة، خاصة في‏فصل المتاولين، فبلغت الزيادات (40) صفحة.

    2 -
    المراجعات - او المناظرات الازهرية والمباحثات‏المصرية
    - :

    كانت في الاساس مناظرات ومراجعات‏خطية تبودلت بين السيد شرف الدين وشيخ الازهرالشيخ سليم البشري المالكي (ت / 1335ه‏-)، يوم زارالاول مصر سنة (1329ه‏-)، وكان محور المناقشات‏التحريرية التي دارت بين العلمين، مسالة الامامة‏وتحقيق حم الخلافة بعد رسول اللّه (. فكانت في النهاية(112) مراجعة ابراما ونقضا.

    فتلقته الامة باطيافها بقبول حسن، فتكاثرت طبعاته‏حتى قيل انها قاربت الخمسين طبعة، او اربت عليها،وترجم الى عدة لغات وبترجمات عدة. وما تزال‏طبعات الكتاب تتوالى الى يومنا ه‏--ذا((334))، ممايدل على حيوية الكتاب وطراوته بعد كل تلك السنين‏المتطاولة، حيث صدرت طبعته الاولى سنة (1355ه‏-/ 1936م) في صيدا عن مطبعة العرفان. وهذا ان دل على‏شي فانما يدل اولا على خلود مؤلفه بطل المراجعات،ورائد الفكر الاصلاحي.

    3 - الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء: خلص السيدشرف الدين في هذا الكتاب الى ان السيدة الزهراء فاطمة‏بنت محمد ( هي افضل نساء العالمين.


    4 -
    اجوبة مسائل موسى جار اللّه: عشرون جوابالعشرين مسالة تقدم بها موسى جار اللّه التركستاني‏القازاني (ت / 1368ه‏-) الى علماء الامامية في الهندوايران والعراق ولبنان، وكان قصد بها احراج علماءالشيعة، وشعث الامة الاسلامية، وشق عصاها والقاح‏فتنة، فلم يجبه احد ترفعا الى ان رد عليه سيدناالمترجم.

    وكما ان طبعات هذا الكتاب تعددت ايضا، فانه ترجم‏الى اللغة الفارسية اكثر من ترجمة.

    5 - فلسفة الميثاق والولاية: رسالة صغيرة نزل في‏كتابتها على رغبة الشيخ عباس قلي الواعظ التبريزي‏الذي كان وجه اليه سؤالا يدور حول الامامة.

    فاجابه السيد المترجم ( بجواب يستند الى الوقاعدالعلمية والعقلية، وباسلوب تالفه الشبيبة العصرية.

    6 - ابو هريرة: كتاب جديد في تاليفه يومئذ، بحث فيه‏مؤلفة عن طريق التحليل والاستيعاب حياة هذاالصحابي المشهور من جميع نواحيها باجلى مظاهرالتصوير والتمثيل، بحثا وافيا، ينقده نقدا هادئا.

    وقد لقي الكتاب قبولا حسنا في الاوساط العلمية،فتوالت طبعاته مرارا، وترجم الى الفارسية والاوردية.

    7 - ثبت الاثبات في سلسلة الرواة: رسالة صغيرة ذكرفيها السيد المترجم ( شيوخه في الرواية من اعلام‏المذاهب الاسلامية (امامية، زيدية، اهل السنة)، وقدطبعها وجعلها على شكل اجازة في الرواية يمنحهالمستجيزيه، تاركا فيها بياضا لملئه عندما يطلب منه‏الاجازة. وله رسالة اوسع من هذه في مشايخه وطبقات‏الرواة الذين يتصل بهم سنده في الرواية، ياتي ذكرها في‏مؤلفاته المفقودة.

    8 - بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين: بقي‏الكتاب مخطوطا حتى عام (1382ه‏-)، حيث بوشربطبعه في بيروت، وقد تصدى لهذه المهمة نجل العلامة‏السيد المترجم ( السيد عبداللّه، فحققه وزاد عليه‏اضافات كثيرة مهمة. لكن طبعته الاولى لم تر اشراقة‏النور الا في عام (1411ه‏-/ 1991م)، حيث تولت الدارالاسلامية طباعته بابهى حلة الطبع والتجليد، كما تولى‏الاستاذ محمد علي قاسم صاحب الدار بتسطير تقدمة‏للكتاب تانق في ديباجتها. وقد خلا الكتاب من مقدمة‏التحقيق خلافا للمعهود.

    والكتاب اسمه دال على موضوعه، يرصد فيه مؤلفه‏شجرة عائلته والاسر المتصلة بها، ويؤرخ لاعلامها.ويصح ان يقال عنه انه مقطوعة ادبية ساحرة في ادب‏التراجم وقصص التاريخ وحوادث الزمان جاءت في‏رصف رشيق يملا العين والقلب والوجدان جميعا، متعة‏ومهابة.

    9 - الى المجمع العلمي العربي بدمشق: رسالة وجههاالى المجمع المذكور كرد على ما كتبه رئيسه محمد كردعلى (ت / 1372ه‏-) من مقالات نشرت تباعا في مجلة‏المجمع، تحامل فيها على الشيعة بالافتراءات‏والاكاذيب باسلوب تهجمي بعيد عن الدليل العلمي‏والموضوعية.

    10 - النص والاجتهاد: الكتاب يبحث فيه مؤلفه‏موضوع الاجتهاد الذي صدر من كبار الصحابة في زمن‏رسول اللّه ( وبعده مقابل النص الصريح كتابا وسنة. وقداتبع فيه المؤلف المنهج التحليلي والاستنتاج العلمي،شانه شان الكثير من كتبه.

    والكتاب طبع لمرات عديدة بلغته الاصلية، وكذابترجمتيه الفارسية والاوردية. على ان طبعته الثانية(1380ه‏- / 1960م) امتازت بتقديم لنجل المؤلف‏السيد صدر الدين، كما زاد المؤلف عليها ابحاثا قبيل‏وفاته قاربت نحو (70) صفحة.

    11 - كلمة حول الرؤية: رسالة كلامية بحث فيهاالمترجم مسالة امكان رؤية اللّه عز وجل يوم القيامة اوعدمها، واثبت بادلة العقل والنقل استحالة الرؤية خلافالراي الاشاعرة.

    12 - المجالس الفاخرة في متم العترة الطاهرة: اصل‏الكتاب كان ضمن ما احرق من مؤلفات المترجم (، لكنه‏وبهمة احد اولاد عم المؤلف، وهو السيد علي بن‏اسماعيل الذي اخذ يجمع من افواه قراء المجالس‏الحسينية بعضا مما حفظوه من الكتاب، وذلك بعد ان‏عثر على شذرات منه، فالفت المادة المجموعة على غيرترتيب كما اوقعها المؤلف اولا، فكان كلما تهيات لديه‏مجموعة من مادة الكتاب، يعرضها على السيد المؤلف‏فيقراها ويقرها، وهكذا كمل الكتاب في جزء واحد وقع‏في (184) صفحة× بعد ان كان الكتاب موسوعة في اربع‏مجلدات ضخام، شرع المؤلف ( بطبعه فتوقف الطبع.ولما حلت نكبة (1920م) احرق الكتاب في جملة مانهب واحرق. ثم بعد زمن طويل كتب ( مقدمة لما كان‏يجمع من الكتاب، ضمنها رجحان عقد المتم شرعاوعقلا ومن كتب الفريقين السنة والشيعة. ولا يبعد ان‏يكون مركز الابحاث العقائدية ومؤسسة آل البيت (لاحياء التراث قد طبعاه على التوالي باسم (الماتم‏الحسيني مشروعيته واسراره)، وترجم ترجمتين الى‏الفارسية الاولى باسم (فلسفة شهادت وعزاداري حسين‏بن علي ، والثانية باسم (سوگنامه امام حسين (ع)ويارانش).

    13 - مسائل فقهية: رسالة حوت ما يقرب من عشرين‏مسالة فقهية خلافية بين المذاهب الاسلامية الخمسة،حيث كانت مثار جدل، واخذ ورد مصحوب بضجيج‏وتحامل كل فريق على الخر، فبحثها المترجم عبرالكتاب ولاسنة بحثا مقارنا. ترجم الكتاب الى الانجليزية‏وطبع في كندا عام (1996م)، والى الفارسية وطبع في‏مشهد.

    14 - عقيلة الوحي او زينب الكبرى: هي عبارة عن‏خطبة القاها في مرقد السيدة زينب ( في ضواحي دمشق‏بمناسبة الاحتفال بنصب ضريح جديد على قبر السيدة‏صنع في ايران من خشب الابنوس المرصع بالعاج،والمطعم بخيوط الذهب.

    وقد طبعت هذه الخطبة اول ما طبعت في دمشق عام(1374ه‏-) في (31) صفحة، وكان قد تناول فيها تاريخ‏العقيلة ومواقفها البطولية والمشرفة. وترجمت الرسالة‏الى اللغة الفارسية وطبعت مرتين في طهران.

    15 - المسح على الارجل او غسلها في الوضوء: بحث‏اشترك فيه مع الشيخ نجم الدين العسكري وقد كتب عن‏الوضوء في الكتاب والسنة، والشيخ محمد حسين‏كاشف الغطاء في موضوع الارض والتربة الحسينية.وطبع المؤلف في حينها في القاهرة، ثم طبع بحث‏شرف الدين مستقلا ثلاث طبعات في بيروت وقم‏وطهران.

    16 - الاحتجاج على قانون الاحوال الشخصية في لبنان:ليس عنوانا لكتاب او رسالة. انما هي مذكرة احتجاج‏رفعها الى الحكومة اللبنانية، ونسخة الى المفوض‏السامي الفرنسي في بيروت (دي مارتيل). طبعت‏بمطبعة العرفان في صيدا سنة 1358ه‏- في 8صفحات.

    المؤلفات المنشورة في (العرفان) والتي فقد ت‏اصولها:

    17 - مؤلفوا الشيعة في صدر الاسلام: هو في الاصل(مختصر الكلام في مؤلفي الشيعة من صدر الاسلام) في‏مجلد واحد، تعرض فيه المترجم لمؤلفي الشيعة من‏عصر النبوة وحتى عصر الامام الهادي (، واثبت ان‏الشيعة والتشيع وجد في زمن النبي (، وان الشيعة هم‏اقدم من غيرهم في تدوين الحديث والتاليف.

    نشرت‏عنه يومذاك مجلة العرفان عدة تراجم من التابعين‏وتابعيهم، ثم كان الكتاب طعمة الحريق، فذهب مع ماذهب من تراث السيد شرف الدين.

    وقد استخرج السيد احمد الاشكوري ما نشر في العرفان،وطبعه في كتاب مستقل سنة 1385ه‏- بعد ان قدم له‏بالاسم الذي ذكرناه.

    18 - زكاة الاخلاق: يقول عنه مؤلفه: رسالة شريفة‏يعرف موضوعها من اسمها، نشرت لمعا منها في مجلة(العرفان)، وصدرت تلك اللمع في كتاب مستقل عن‏الدار الاسلامية - بيروت اوائل التسعينات.

    19 - بغية الفائز في جواز نقل الجنائز: رسالة حافلة في‏الرد على من قال بتحريم نقل الجنائز نشرتها مجلة(العرفان) في الثالث والرابع من مجلداتها.

    مؤلفاته المخطوطة:

    20 - المسائل والرسائل: مسائل فقهية وكلامية،ورسائل الى الملوك والرؤساء ورجال السياسة، ورسائل‏اجتماعية، واخر توجيهية، مودعة في مجموع رآه ونقل‏عنه، وعده من جملة المخطوطات الدكتور هادي فضل‏اللّه في كتابه عن حياة شرف الدين((335)) . معتمدا في‏ذلك على مصادر ومعلومات زودهه بها نجل المترجم‏السيد جعفر شرف الدين.

    يتبع ..3




    الهامش :

    333- المصدر السابق: 73.
    334- 23 ربيع الثاني 1426 من الهجرة الشريفة،الموافق للفاتح
    من حزيران 2005الميلادية.
    335- رائد الفكر الاصلاحي السيد عبدالحسين‏شرف الدين:
    ص‏67. وراجع ايضا: ص‏139 آ142.

  3. #3

    افتراضي



    مؤلفاته المفقودة:

    1 / 21 - شرح التبصرة: كتاب في الفقه الاستدلالي.

    2 / 22 - تعليقة على استصحاب رسائل الشيخ:[النصار؟]في اصول الفقه.

    3 / 23 - رسالة في منجزات المريض: وهي‏استدلالية.

    4 / 24 - الفوائد والفرائد: يتضمن مسائل مشكلات‏الفقه والاصول.

    5 / 25 - تحفة الاصحاب في حكم اهل الكتاب.

    6 / 26 - سبيل المؤمنين: 3 مجلدات في الامامة.

    7 / 27 - النصوص الجلية في امامة العترة الزكية:تضمن ثمانون نصا: (40) مجمع عليها من طريق اهل‏السنة، و(40) من طريق الامامية وحدها.

    8 / 28 - تنزيل اليات الباهرة في فضل العترة الطاهرة:تضمن (100) آية من الكتاب نزلت فيهم ( من طريق‏اهل السنة في الصحاح المجمع عليها عندهم.

    9 / 29 - الذريعة في نقض البديعة: رد على بديعة‏الشيخ يوسف النبهاني البيروتي في فضائل معاوية.

    10 / 30 - تحفة المحدثين في من اخرج عنه الستة من‏المضعفين: معجم رجال هو الاول في بابه.

    11 / 31 - بغية السائل عن تقبيل الايدي ولثم الانامل:رسالة علمية، ادبية، فكاهية في الرد على من زعم تحريم‏ذلك بثمانين حديثا: (40) من طرق الامامية، و (40) من‏طرق اهل السنة.

    12 / 32 - تعليقة على صحيح البخاري.

    13 / 33 - تعليقة على صحيح مسلم.

    14 / 34 - الاساليب البديعة في رجحان متم الشيعة:كتاب لم يسبق له نظير في الاستدلال بالادلة العقلية‏والنقلية.

    مؤلفات ذكرها المترجم ولم يذكرها غيره فقال:

    15 / 35 - الفضائل الملفقة واحاديثها المختلقة: رسالة‏يعرف موضوعها من اسمها، وهي الوحيدة في بابها.

    16 / 36 - امارة الحج او نبذ العهد سنة تسع: رسالة‏تثبت اسناد الامرين كليهما الى امير المؤمنين (، وان ابابكر لم يحضر الموسم في تلك السنة، اقمنا على ذلك‏الادلة الناطقة، والشواهد الصادقة، فاسفر وجه الحق،واشرق نور اليقين.

    17 / 37 - خرافة الغرانقة او سخافة الزنادقة: رسالة‏شريفة تثبت ان حديث: تلك الغرانيق العلى، وان‏شفاعتهن لترجى، من اباطيل الزنادقة: كمحمد بن كعب‏القرظ‏ي وامثاله، ]وقد مكروا مكرهم [بافترائهم على‏رسول اللّه (، ]وعند اللّه مكرهم.[ 18 - 38 - طبقات الرواة او مشايخ الاجازة: رسالة‏فصلنا فيها طرقنا في اسانيدها المتصلة بالنبي (وباوصيائه وبالمؤلفين في الاسلام ومؤلفاتهم في العلوم‏العقلية والنقلية، وهو اوسع من ثبت الاثبات.

    مؤلفات ذكرها القا بزرك الطهراني في ترجمته للسيدشرف الدين((336)) ولم يذكرها لا المترجم نفسه ولااحد ممن ترجم له. ولولا ان الطهراني حجة فيما ينقل‏ويكتب لما عولنا على اثباتها، وهي:

    19 / 39 - تحفة العلماء فيمن اخرج عنه البخاري‏ومسلم من الضعفاء.

    20 / 40 - رسالة في المواريث.

    21 / 41 - تفسير آية ]انما وليكم اللّه....[ 22 / 42 - النجعة في احكام المتعة: رسالة لم يذكرهااحد سوى خاله السيد حسن الصدر في تكملته، وهو من‏اهل البيت الذين هم ادرى بما فيها.

    23 / 43 - صفحات من حياتي: هي مذكراته وسيرته‏الذاتية، كان السيد ( يحررها بقلم الشريف او لعله كان‏يمليها على كاتبه وامين سره ومرافقه على الدوام ومدى‏الحياة ابن عمه السيد علي بن اسماعيل شرف‏الدين((337)) . وما وجدت احدا اشار او نبس بهذاالكتاب غير الاستاذ احمد اسماعيل وهو من قرية شحورفي مقال له نشرته مجلة العرفان على صفحات عدديها 1و 2 من المجلد 75((338)) . ثم يبدو انها الحقت في‏البغية ضمن سيرته الذاتية.

    24 / 44 - الشذرات: هي رسالة جمعها السيد علي بن‏اسماعيل شرف الدين كاتب الامام شرف الدين وامينه‏وصفيه، وهي عبارة عن مجموعة من رسال الامام شرف‏الدين تبادلها مع عامة الناس على اختلاف منازلهم، كان‏السيد علي هذا قد دون شيئا منها فافرده في هذه الرسالة‏التي اسماها بالشذرات ذكر ذلك السيد شرف الدين‏نفسه في موضع من البغية((339)) . ثم الحق بعضها وله‏مقالات نشرت في مجالات مختلفة هي:

    45 - البسملة في فاتحة الكتاب وغيرها، وهل تقرا في‏الصلاة.

    (مجلة رسالة الاسلام - القاهرة).

    46 - المناظرة بين اهل السنة والشيعة. (مجلة‏المنار).

    47 - الصلاة على اهل البيت فريضة. (مجلة العرفان)((340)).

    48 - عصمة اهل البيت بنص الكتاب. (مجلة العرفان)((341)).

    49 - تفسير آية المودة. (مجلة العرفان)((342)).

    والمقالات الثلاث الاخيرة هي مستلات من كتاب(سبيل المؤمنين) المفقود.

    وهذا العدد الذي توصلنا اليه لم يسبقنا اليه احد من ذي‏قبل، ممن ترجم له او عدد مصنفاته وما كتب، حتى‏المترجم نفسه في تعداد آثاره ومؤلفاته! مكونات شخصيته الاصلاحية والسياسية بلاغته وادبه الرائق:

    كان المترجم على درجة عالية من البلاغة، حيث كانت‏تفيض من فيه، وتطفح المفردات اللغوية في عالم فكره‏سيالة، فلم يكن يعوزه من العبائر ما يوصل به الفكرة‏باخصر سياق، وفي ذلك دلالة على استمكانه من اللغة،بل اسلمت اليه قيادها، وجاءته تمشي على استحياء،فراح يقلبها كيف شاء، فيستحوذ بسحر بيانه على القلوب‏والالباب.

    كان رضوان اللّه عليه والجاحظ كفرسي رهان في رشاقة‏اسلوبه، وبسط عبارته، ورصف الفاظه، والاتزان‏المتكافئ بين اللفظ والمعنى. فالتركيب البلاغي عنده‏متكامل الصنعة، يرسم بالكلمات صورة اخاذة، تنتظم‏في نسق معماري ذي الق، وعالم من الالوان، وفخامة في‏العبارة، ما يجعل منه صرح ممرد متوهج رقراق، تموج‏فيه الالوان والاشكال والاضواء، فيطل بنداه مستقبليه،ويتضوع شذى على سامعيه، حتى يعود انعكاسه على‏صفحة القلب، فيستهوي الوجدان مهابة، ويملا العين‏اشراقا ومتعة.

    وحق ل‏-«مي زيادة‏» زيادة الاديبة الشهيرة ان تعجب،وهي تستمع الى ما انتظم في بيانه من روعة وجمال‏وابداع سحر الحاضرين من ادباء واعلام كنانة، يوم وقف‏بينهم خطيبا ينحدر منه السيل، ولا يرقى اليه الطير،فقالت وقد تاملته مندهشة وهو يعبث بخاتمه في‏الاثناء: ما ادري ايهما اطوع للسيد من الخر:

    خاتمه‏لبنانه ام بلاغته للسانه!! اما العلامة السيد محمد صادق الصدر، فيتحدث عن‏بلاغة الامام شرف الدين في مقدمته للنص والاجتهادفيقول: تمتاز رسائله في مراسلاته بالبلاغة... ورسالته‏المطولة الى الملك حسين بن علي بعد ذهاب ملكه من‏ابلغ ما كتب العرب من رسائل.

    بل، وزيادة على ذلك يقول ايضا: تمتاز خطاباته بقوة‏التعبير ودقة التصوير... على انه لا يخطب الا مرتجلا،ولا يمنعه الارتجال من تركيز الفكرة، وابراز المعاني في‏غاية الفصاحة.

    وادبه المطبوع بطابع التسجيع والازدواج الذي بدا فيه‏مفتتح نتاجه الفكري، فهو وان، جاء مستملحا سلساسيالا دون تكلف، الا انه انكفا عن استخدام ذات‏الاسلوب في متاخره، مع احتفاظه بقوة في العارضة،وفلج في الحجة، ورصانة في الاسلوب، وجودة في‏السرد، واهتداء الى المغازي الشريفة والدقائق البعيدة‏المرمى، والغايات الكريمة، كما وصفه القا بزرك‏الطهراني((343)) .

    اخلاقه:

    يرى السيد المترجم شرف الدين ان الاخلاق لا يمكن‏فصلها عن الدين، وان النبي ( بعث ليتمم مكارم‏والاخلاق. والاخلق تتعهد الروح وسلامتها كما هوالدين، فهي اذن صنوته التي لا تنفك عنه.

    ولا غرو ان قلنا: بان خلود شرف الدين يعود في احدمناحيه الى دماثة خلقه. فقد حلق مترجمنا في سماءالعلياء بجناحين: ادب الكلمة او الاسلوب، وادب السيرة‏او السلوك. فهو اضافة الى ادبه الرشيق وعبقريته فيه،تحلى بجلباب ادب فضفاض كساه رونقا ومهابة‏وبهاء.

    وحرى به الخلود وهو في عالم الاموات الراحلين‏بصورهم عن دنيا الاحياء، فقد كان الرجل امة في رجل،وانما الامم الاخلاق ما بقيت.. وحق له ان يكتسي‏باهاب الخلود في زمن عز فيه الافذاذ العباقرة الذين يشاراليهم بالبنان من طرق خفي مهابة الاشارة بالوجه.

    لقد تغذى السيد شرف الدين منذ طفولته ثم صباه، وبعدفي شبابه، على لبان الخلق الاسلامي الرفيع، وتحلى به‏حلية لبسها سجية له، مما جعله محببا للقاصي والداني،ولكل من يلقاه ويحادثه.

    بعد خطبة ارتجالية - وكل خطبه ارتجالية - في احدمساجد القاهرة سحر بها الباب الحضور، تقدمت اليه‏صاحبة مجلة روز اليوسف مادة اليه يدها للمصافحة‏اعجابا ببيانه، وتقديرا له، فمد يده اليها على الفور من‏وراء عباءته وصافحها شاكرالها عواطفها الجياشة‏الصادقة.. فظهر على السيد امتعاظ وعدم رضى بهذاالاسلوب من المصافحة. فرد عليها السيد بسرعة خاطفة‏بددت استنكارها بقوله: انا في المسجد وعلى وضوء،وعلى راي بعض المذاهب الاسلامية ان مس يد المراة‏مباشرة يكون ناقضا للوضوء، لهذا فعلت ذلك لاني اريدالصلاة.

    ماذا نقول عن هذا؟ سرعة بديهة، ام لباقة اخاذة، ام خلق‏كريم، ام سماحة، ام... انه ياسر محاوره ويسحره بذلك‏الخلق العالي الرفيع، حتى عادت السيدة بعد ذلك شاكرة‏للسيد، سعيدة بلقائه وسماع خطابه.

    مشاريعه الدينية:

    من صور بدات رحلة الالف ميل، التي قطع منها السيدشرف الدين اشواطا طويلة، فالمؤمنون العاملون،والدعاة الرساليون ابدا هم السباقون الى اختيارالمواقف، فلا يدعون الاحداث تملي عليهم مواقفهم.وحسبي ان الافكار والمشاريع والمخططات كانت‏تتزاحم وتتدافع في مخيلة مترجمنا، واخالها كانت‏تحمل اكثر مما تتحمل، لكن عزائم الرجال تحقق‏المحال.

    عودة الى صور ذات المسجد القديم الذي انشاه‏الوائليون زعماء الشيعة في عاملة، ثم صادرة العثمانيون‏واقصوا عنه الشيعة، فاصبحوا بلا جامع، ولا مجمع، ولاجماعة، ولا جمعة تجمعهم.

    ومع انهم اكثرية اهل البلدلكنك لا تكاد تسمع لهم ركزا.

    ولما جاءه وفدهم الى شحور راكبين اليه ظهور آمالهم،بعد ان تناها الى اسماعهم ذيوع صيته، وما جرى له‏استقبال حاشد من دمشق حتى شحور مرورا ببعض‏القرى والمنازل. اجابهم السيد الى ما كانوا ياملون،وهبط بلدتهم في منتصف شهر الحج من عام(1325ه‏-).

    ومن هنا بدات الحياة الجديدة لعملاق الفكر والاصلاح‏والتغيير، حياة القائد الطموح الذي يريد سعادة ونهضة‏ابناء جلدته، منطلقا بهم من صور، وبادئا من‏المسجد.

    الحسينية اولا:

    بداية، كانت منازل المؤمنين وباحات البيوت ماوى‏لمحتشد اهالي صور الوافدين المتزاحمين على اعتاب‏مجالسه الوعظية والارشادية، حتى ضاق بهم الوسيع،فراح يستحثهم باستدرار جودهم لبناء يتسع‏لمحتشدهم، ويليق ببلدتهم. فكان ان تبرع احدهم بداره‏لتكون نواة لذلك المسجد لكن السيد ببصيرته الثاقبة،وبعد نظره جعلها (حسينية) بعد ان تقبلها منه بثمنها،وافتتحت يوم الغدير سنة (1326ه‏-)، فكانت مثابة‏الوفاد، ونجعة الرواد مدة احدى وعشرين سنة.

    وكان المسجد:

    لولا الهمة العالية لما كان لهذا البناء المشيد عين ولا اثر.المسجد الذي كان يسعى لبنائه من اول يوم هبط صور،حتى وفق اخيرا باستحصال ارض تربو على(13) دونمامن السلطان العثماني محمد رشاد.

    ولا نقول: واخيرا تحقق الحلم. لانها في تقديرنا همم‏الرجال وآمالهم وطموحاتهم وليست احلامهم. واخيراتحققت العزيمة والارادة الصلبة، ووضعت اسس‏المسجد، فقامت الحرب العالمية الاولى، فاشتغل الناس‏بويلاتها عن كل شي.

    وما ان وضعت الحرب اوزارها، حتى اقدم الفرنسيون‏على مصادرة الارض باغراء وسعاية، ولم تفلح الجهودبردها. فاعرض عنها مؤقتا دفعا للمكروه، رجاء انقاذهافي فرصة مواتية. هنا تبرع آخر بداره، فوقفها مسجدا.وبيعت دار الى جنبها، فكانت الدارين ارضا وسيعة‏لتشييد المسجد المؤمل، وتزاحمت الهمم وتظافرت‏الجهود على البناء، فكان الفراغ منه سنة (1347ه‏-).

    واذاهو صرح يطاول السماء بعلو بنائه بقبتيه الرائعتين‏ومئذنته الشامخة بشموخ بانيها.

    ولقد قيل: ما ضاع حق وراءه مطالب، وهكذا استتب‏للسيد المترجم امر الارض الكبيرة المصادرة بعد لاي،وراح ينشئ على تلك الاسس القديمة مسجدا آخر،وتتالت المساجد وامتد انتشارها في مختلف قرى عاملة‏المجاورة لصور. فاشاد بهمته العالية: (مسجد البرج‏الشمالي) و (مسجد الحلوسية) و (مسجد اوزون) و(مسجد صريفا) و (مسجد ديركيفا)، كما قام بترميممسجد شحور) و (مسجد طير فلسية) و (مسجد قلوية)و (المسجد الكبير في قانا)((344)) .

    مشاريعه الثقافية:

    نظرا للهموم الاصلاحية التي كان يحملها شرف الدين‏بين جنبيه، كان ( يستاء كثيرا وهو يرى الشبيبة المسلمة تتخرج في‏المدارس والمعاهد العلمية الحديثة الواقعة تحت تاثيرالمستعمر الغربي على خلاف القيم الاخلاقية والمثل‏الانسانية التي فرضتها التعاليم الدينية الاسلامية.

    1 - المدرسة: وعليه، فقد عزم انقاذ الشباب المسلم من‏هذا الانجراف الخطير. فالمدرسة كانت بمثابة مصنع‏الاجيال لمستقبل البلاد وغيرها المعول عليه. فراح‏يضرب في الارض سعيا لتحقيق اول مشاريعه الثقافية‏البنيوية، حتى وفق في بناء (المدرسة الجعفرية)،وفتحت ابوابها للتعليم المجاني عام (1357ه‏- /1938م). فكانت كما ارادها السيد المؤسس تغرس في‏نفوس طلبتها المبادئ الاسلامية الاصيلة، وتخرج‏للمجتمع افرادا صلحاء معدون لان يكونوا رجالا ذوي‏تفكير مستقيم، وشعور حي، واختيار حسن، وعين‏يقظ‏ى، وايمان باللّه ورسوله واليوم الخر، متين. بناءعلى ما تلقوه من تربية ذوق، وتهذيب سليقة، وترهف‏حس، وجلو نظر، وسلامة عقيدة((345)) .

    2 - مسجد المدرسة والنادي الجعفري:

    لم يكتف السيد شرف الدين بذلك، فقد كان لديه متسع‏من الطموح سعيا وراء غاياته المثلى، وهي كثيرة. فالحق‏بالمدرسة مسجدا لطلبتها، واهل الحارة وللمارة‏الداخلين والخارجين من والى صور، فهو على قارعة‏طريقهم. ثم انشا الى جنب المدرسة ناديا فخما يكون‏مثابة للصوريين واهل عاملة عموما لايام افراحهم‏واتراحهم، اسماه: (نادي الامام جعفر الصادق .

    3 - مدرسة الزهراء:

    تكن المراة والفتاة تغيب عن بال المصلح.

    فالاصلاح‏والتهذيب والتوعية يجب ان تشمل عنده كفتي‏المجتمع. ففتاة اليوم ام الغد..

    والام مدرس‏-ة ان اع‏-ددته‏-ااعددت شعبا طيب‏الاعراق فلابد ان تنال فتاة اليوم حظها من الوعي والتربية‏الصحيحة، وهنا آن الاوان لتاسيس (مدرسة الزهراء)،لكن المشروع ما لبث ان خنق في مهده من قبل‏الحكومة اللبنانية، واغلقت المدرسة في شوال 1361ه‏-/ تشرين اول 1942م.

    لكن هذه العراقيل، وهذه المكدرات لصفو الاصلاح، هل‏تثني شموخ الطود الاشم؟ ام هل تسطيع ان تهيض‏جناحا نسر النضال والكفاح من اجل الاصلاح‏والتغيير؟ كلا، بل لا تزيده اجراءات المصادرة والمحاصرة، الاتفعيل العمل، واتخاذ آليات جديدة لمبتكرات‏جديدة.

    4 - بناية المهاجر:

    غدى السيد ( يخطط لانشاء (كلية الشريعة)، لكن‏الصعاب والعقاب كانت توضع امامه لاحباط مشاريعه،فاكتفى بتاسيس معهد للكلية جمع امواله من المهاجرين‏اللبنانيين في افريقيا واسماه (بناية المهاجر) اعترافا منه‏بفضل اولئك، فارتفع الصرح عام (1370ه‏-)، وفتح‏المعهد ابوابه مع بداية العام الدراسي 51 - 1952م.

    5 - الكلية الجعفرية:

    ثم بلغ معه السعي عام (1375ه‏-) الى انشاء مدرسة‏عالية تضم اليها خريجي المعهد، او كل رئاستها الى ولده‏السيد جعفر الذي نهض باعبائها خير نهوض، حتى آثرهاعلى نفسه.

    يتبع ..4

    ______________________________
    الهامش..
    436- الخوئي، معجم رجال الحديث 1: 49و50.
    437- حسين النوري، خاتمة مستدرك الوسائل 7:89 106.
    438- محمد باقر المجلسي، بحار الانوار 108:87 و88، 100
    و101.
    439- جعفر بن محمد بن قولويه القمي، كامل‏الزيارات: 37.
    440- الحر العاملي، وسائل الشيعة 30:202.
    441- حسين النوري، خاتمة مستدرك الوسائل 3:252.
    442- المصدر نفسه: 252 257.
    443- باقر الايرواني، دروس تمهيدية في القواعدالرجالية،
    القسم الثاني: 176، وجعفر السبحاني،كليات في علم الرجال:
    300.
    444- الحر العاملي، وسائل الشيعة 30:202.
    445- ابو الحسن علي بن ابراهيم القمي، تفسيرالقمي 1: 4.





  4. #4

    افتراضي



    مشاريعه الاجتماعية:

    كان مشروعه الاجتماعي (الرعاية الاجتماعية) همه‏اليومي الذي يعيشه منذ عودته من العراق، اذ كانت‏رعاية الفقراء وتفقد المحتاجين تاخذ جل وقته لكن‏نتاجه العلمي على المدى الطويل لم يتحقق الا بعد انشاء جمعية ترعى الفقراء وتلبي حاجاتهم الاساسية.

    1 - جمعية البر والاحسان: تاسست عام (1365ه‏-)،مهمتها تقديم الخدمات لفقراء المسلمين والسعي‏لقضاء حوائجهم من ماكل وملبس وتطبيب، وما الى‏ذلك من انواع الخدمات الكثيرة كايواء العجزة‏والمتسولين في الطرقات والاسواق، وبناء سور لمقبرة‏المسلمين، وتجهيز موتى فقرائهم، وغيرها.

    2 - الجمعية الخيرية الجعفرية: تاسست عام (1376ه‏-/ 1956م)،مهمتها الاشراف على الكلية ومدارسهاوالمساجد والاوقاف الاخرى والحفاظ عليها وتوليتهاعلى مر السنين، واكمال نواقصها.

    3 - دار للايتام في صور: بدا العمل بالمشروع، ولماقطع شوطا منه توقف عن الاستمرار لامور لم تعرف‏تفاصيلها.

    مشاريعه الاصلاحية:

    يرى السيد شرف الدين ان الاصلاح يجب ان يشمل‏مناحي الحياة كافة، الدينية والسياسية والاجتماعية×لانها تشكل بمجموعها مكونات النهضة الحضارية لاي‏امة من الامم. والفكر الاصلاحي الذي يتخلى عن واحدة‏من المحاور النهضوية، انما يخل اخلالا مباشرا في بنية‏الهيكل الحضاري الذي يقوم على تلك المكونات.

    ولما كان مترجمنا قد ركز على التجديد في الفكرالديني، وهو الاهم بطبيعة الحال، حيث ان الدين يقوم‏المكونين الخرين ويجعلهما يسيران في مجراهماالصحيح، ثم تاتي بعد ذلك عملية تطويرهما وفق‏مسارهما الصحيح. من هنا ياتي الدين في الطليعة لكل‏عملية تغيير واصلاح.

    اولا - الاصلاح الديني:

    يرى السيد شرف الدين انه من الضروري اعتماد آليات‏معينة من اجل تطوير الفكر الديني، ثم الفهم الحقيقي‏والواقعي لتلك الليات× ليتسنى للناس اصلاح احوالهم.فبراي شرف الدين ان اهم ما يمكن اعتماده في عملية‏الاصلاح والتطوير:

    1 - الوحدة الاسلامية.

    2 - العودة الى جوهر الدين وتطهيره من البدع.

    3 - التمسك والعمل بالاخلاق الفاضلة.

    ثانيا - الاصلاح السياسي:

    يمكن استشفاف البرنامج الاصلاحي للامام شرف الدين‏من خلال مواقفه السياسية العملية الوطنية منهاوالقومية. فلقد شخص الداء، وقرا الاحداث السياسية‏المحلية والعالمية قراءة متانية، وتفهم المواقف جيدا..وفي ضوء حصيلة اطلاعه الواسع على احداث المنطقة،خلص الى نتائج اصلاحية تتضمن:

    1 - مواجهة المستعمر ومكافحة افكاره وطرده من‏البلاد. حيث كان من نتائج هذا الكفاح ظهور الكلية‏الجعفرية.

    2 - الحد من نفوذ الاقطاعيين.

    3 - العمل على الوحدة الوطنية.

    4 - الدعوة الى الوحدة القومية.

    ثالثا - الاصلاح الاجتماعي:

    كما حرص السيد شرف الدين على الاصلاح الديني‏والسياسي، كذلك حرص بجد واخلاص على اصلاح‏مجتمعه، والنهوض به من التخلف عن طريق:

    1 - رفع المستوى العلمي (الديني، والاكاديمي)للعاملين.

    2 - تحقيق المصلحة العامة للمجتمع، وذلك من‏خلال:

    ا - ازالة الحيف عن ابناء عاملة.

    ب - انشاء مشروع نهر الليطاني.

    ج - توسيع دائرة المدارس الرسمية.

    د - اعتماد شبكة طرق حديثة لمنطقة الجبل.

    ه- - توفير الخدمات الصحية.

    زاصلاح المحاكم الشرعية.

    3- القضاء على مشكلة الفقر في الجنوب‏المحروم.

    الكفاح السياسي ضد الاستعمار ينتظم الجهاد السياسي للسيد شرف الدين ضدالاستعمار ضمن محورين اساسيين تمثلا في مواقفه‏الوطنية، ومواقف اخر له قومية.

    ونظرا لضيق صفحات هذا المقال ومحدوديتها،فسنكون مضطرين بالاشارة الى تلك المواقف عبر نقاط،معرضين عن الدخول في التفصيل:

    اولا - المواقف الوطنية:

    1 - الحصول على اذن من السلطات التركية باعفاء ائمة‏المساجد الشيعة في جبل عامل من التجنيد الاجباري ‏ابان الحرب العالمية الاولى.

    2 - تشكيل حكومة محلية مؤقتة في صور برئاسة‏عبداللّه يحيى خليل عام (1918م) على غرار حكومات‏بيروت وصيدا بعد انتهاء الحرب العالمية.

    3 - الاحتجاج على الاحتلال الفرنسي للبلاد عبرالبرقيات، ثم الصحف في بيروت ودمشق.

    4 - التفاوض مع قوات الاحتلال الفرنسية بشان‏المطالب العاملية، كالاجتماع ب‏- (غورو، ودلبستر،وشربنتيه، ونيجر).

    5 - الاجتماع بلجنة الاستفتاء الامريكية المعروفة بلجنة(كينغ - كراين)، وابلاغهم عن رفض الوصاية والانتداب‏مهما كان نوعها.

    6 - حادثة ابن الحلاج في ربيع الثاني 1337ه‏- / كانون‏الثاني 1919م، ومحاولة اغتيال السيد شرف الدين‏وتصفية وجوده، بعد تصاعد المد الثوري ضدالاحتلال.

    7 - تاجج الاوضاع وتازمها واضطراب الوضع الداخلي‏ضد الفرنسيين في مختلف اطراف البلاد، ودعوة عشائرالمنطقة الشرقية للقيام بثورة عارمة ضد المحتلين.

    8 - دعوة كامل الاسعد احد وجهاء الطائفة السياسيين‏في جبل عامل الى عقد مؤتمر وطني عام في وادي‏الحجير في شعبان 1338ه‏- / نيسان 1920م، حضره‏العديد من العلماء والوجهاء والادباء.

    ولعل مؤتمر وادي الحجير كان من اهم احداث تلك‏الفترة العصيبة من تاريخ البلاد. وكان السيد شرف الدين‏هو لولب المؤتمر ومحركه، اضافة الى اشتراك السيدعبدالحسين نور الدين، والشيخ حسين مغنية، والشيخ‏موسى قبلان، وغيرهم من السياسيين والادباء ورؤساءالقبائل. وتمخض المؤتمر عن المقررات التالية:

    ا - تاييد اعلان الدولة العربية في سورية، وتتويج فيصل‏ملكا عليها، ورفض تقسيم سورية والانتداب‏الفرنسي.

    ب - انضمام جبل عامل الى الدولة العربية، والبيعة‏للملك فيصل على تطهير البلاد من الاحتلال‏الفرنسي.

    ج - المحافظة على الامن والهدوء، والحرص على‏سلامة بقية الطوائف سيما النصارى بوجه خاص.

    د - تفويض السيد شرف الدين مع سميه نور الدين‏والسيد محسن الامين وعرض ما توصل اليه المؤتمرون‏على الملك فيصل في دمشق، والبحث معه في مصيرالجبل، وتنفيذ مقررات المؤتمر.


    9 - لقاء الملك فيصل في دمشق والقائه خطابا تاريخياامامه في 17 شعبان 1338ه‏- / 8 آيار 1920م((346)) ،كان له وقع في نفس مليك سورية((347)) .

    10 - في 8 آيار 1920م انفرط عقد مقررات وادي‏الحجير وذهبت جهود السيد شرف الدين وخططه في‏نيل الاستقلال والتحرر ادراج الرياح، باشعال الثوار لهيب‏الثورة على الفرنسيين والامام شرف الدين ما يزال في‏دمشق. وحدثت فتنة (عين ايل) التي اسفرت عن اكثر(100) قتيل من اهالي البلدة.

    ولما علم الفرنسيون بقدومه من دمشق وكانوا من قبل‏قد جهزوا حملة عسكرية لالقاء القبض عليه، فكان‏الهجوم على شحور في مستهل شهر الصيام 1338ه‏- /5 حزيران 1920م فجر الليلة التي وصل فيها الى قريته،فتخلص منهم باعجوبة عائدا الى دمشق مع مجموعة‏من الثوار المحكوم عليهم بالنفي او الاعدام، كما حكم‏عليه هو بالاعدام، والقبض عليه حيااو ميتا ، وكانت له‏في دمشق في هذه الفترة نشاطات سياسية متميزة.

    12 - على اثر لجوء السيد شرف الدين والثوار الى‏دمشق، قررت قوات الاحتلال الفرنسية الهجوم على‏دمشق والاستيلاء عليها، فكانت وقعة ميسلون واحتلال‏كل الارض السورية، ثم اشتدوا في البحث عنه.

    11 - لما يئسوا من العثور عليه احرقوا داره في شحور،كما هاجموا داره في صور ونهبوا مخطوطات مكتبته‏القيمة واحرقوا، ما تبقى منها.

    13 - انتقل من دمشق الى حيفا في فلسطين متخفياناجيا من قبضة المحتلين الفرنسيين. والتقى هنا;ژرس‏ز÷بالملك;ژرس‏ز÷ فيصل، فعرض عليه الاخير السفر معه الى‏الحجاز، فابى السيد الابتعاد عن بلاده.

    14 - في عام (1339ه‏-) توجه على مصر متنكرابالكوفية والعقال، فعرفته مصر، اذ لم يخف عليهاشخصه الكريم، وكانت له هناك جولات مع ارباب العلم‏والسياسية.

    15 - عاد الى فلسطين بعد ان ضاق ذرعا بانقطاع اخبارالوطن عنه، واستقر في قرية (علما) على الحدود القريبة‏من جبل عامل، واجتمع هناك مع زعيم الجبل كامل‏الاسعد واتفقا على اجراء وساطة مع الفرنسيين لحل‏ازمة الفارين بالعفو عنهم، والافراج عن المعتقلين. ولكن‏دون جدوى.

    16 - عزم الذهاب الى العراق بعد جلوس الملك فيصل‏على عرشه ملكا. فعلمت السلطات الفرنسية وخافت‏عواقب هذا العزم.

    وكان في حينها السيد محمد الصدر في دمشق قد توسط‏لدى الفرنسيين على العفو عن شرف الدين، فقبلواوساطته، وصدر العفو عنه وهو في فلسطين من الجنرال(غورو)، بعد ان ارسل مندوبا خاصا عنه يحمل الى‏السيد قرار العفو.

    17 - بعد صدور العفو توجه الى دمشق ومنها الى‏بيروت، ولم تطب نفسه بالعودة الى موطنه في الجنوب‏الا بعد ان استحصل من السلطات الفرنسية عفوا عاما عن‏جميع الوطنيين المسجونين والفارين، بعد اجتماعات‏ومداولات طال امدها، اذعنت الحكومة في نهايتهالطلبه.

    واخيرا يعود الامام القائد البطل منتصرا مرفوع الراس،وتستقبله الجماهير في صيدا وصور استقبال الفاتحين‏الابطال، فكانت اياما مشهورة.

    18 - في عام (1358ه‏-) شرعت الحكومة الفرنسية‏قانون الاحوال الشخصية، المشتمل على كثير من الموادالمخالفة للاسلام، والزمت اللبنانيين الخضوع له. فضج‏المسلمون محتجين، فلم تصغ الحكومة لهم. فنهض‏الامام شرف الدين وخط بقلمه احتجاجه على ذلك‏القانون، وعدم التزام مسلمي لبنان به.

    فسارعت‏الحكومة الى تعديل القانون خوف وقوع الفتن،واشتعال نار الحرب من جديد، وخيرت المسلمين‏بالرجوع الى قانون الدولة او الرجوع الى احكام دينهم‏ومذهبهم.

    19 - انتهى عهد الاستعمار وولى، وجاء عهدالاستقلال.. لكن مواقف شرف الدين الوطنية تبقى هي‏المواقف البطولية الاصلاحية الرائدة من اجل المصلحة‏العامة. فقد وقف وقفته الصلبة في وجه حكومة سامي‏الصلح في عهد رئاسة كميل شمعون، التي اصدرت امراباعتقال الشيخ محمد تقي صادق عالم النبطية، فانبرى‏السيد شرف الدين لهذا الاجراء وابرق الى الحكومة على‏الفور: العلامة الصادق رئيس الطائفة ورمزها، وحامل‏لوائها، فاي اذى يصيب الشيخ فقد اصاب الطائفة‏جمعاء، وعندئذ تعلمون ما يكون، وماذا تكون النتائج؟فارجعوا عن غيكم خير لكم.

    نعم، هذه هي المواقف المواقف، وهكذا فلتكن المواقف‏الوطنية والا فلا.

    ثانيا - المواقف القومية:

    مع انهماك الامام شرف الدين بالشؤون الوطنية، فانه لم‏ينس الاصلاح للعروبة، ولم يتجاهل مشاكل ابناء امته‏العربية. من هنا، فان قضيتين اساسيتين كانت تشكل‏محور اهتمامه، هما:

    1-قضية فلسطين، وذلك عبر:

    ا - الخطب الحماسية السياسية، والمقالات في الصحف‏والمجلات.

    ب - البرقيات الى المؤتمرات العربية والدولية.

    ج - توجيه النداءات للمسلمين والملوك والرؤساء.

    2 - الوحدة العربية:

    يرى السيد شرف الدين ان الوحدة العربية يجب ان‏تتحقق على مرحلتين: الاولى بالوحدة السورية(فلسطين، لبنان، سورية)× والثانية بالوحدة العربية‏الشاملة وتبدا بدول الجوار (الاردن، العراق) اولا.

    اما آليات الوحدة الشاملة فيراها المفكر شرف الدين‏على النحو التالي:

    ا - الغاء الحواجز الجمركية.

    ب - توحيد البرامج التعليمية.

    ج - توحيد السياسة الخارجية.

    د - توحيد الجيش العربي والدفاع المشترك.


    العروج الى المحل الارفع:

    وفاته:

    بعد سيرة جهادية طويلة في طريق حافل بالصعاب‏والمخاطر وهي جمة..

    وبعد حياة ملؤها العمل الدؤوب، يتوقف ذلك القلب‏الكبير الذي حمل هموم شعب وامة عريقة عن الحياة،لينتقل الى الحياة الاخرى التي لا يمسه فيها نصب ولايمسه فيها لغوب.

    هذا هو قدر الانسان الذي حدت من حياته سنن الكون‏والتكوين، فجعلت الاعمار قصارا، والا لو امتدت السبع‏والثمانون عند مفكرنا رائد الاصلاح، وعملاق التغيير،وفارس التوحيد، الى ضعف او ضعفين، لدوخ العالم‏بصولاته وجولاته، وقلب الموازين راسا على عقب..لكنها سنة الحياة، والاقدار غالبة..

    وتصاب الامة بالذهول حين تتسامع نبا النعي عبرالاذاعة اللبنانية، كان ذلك الحدث المهول فجر يوم‏الاثنين 8 جمادى الثانية 1377ه‏- / 30 كانون الاول‏1957م. فباتت النفوس باهتة، والقلوب واجفة لهول‏المصاب الجلل. وراح الحزن والاسى يموج في الناس‏ويكويها بلوعة الفقدان والخسارة الكبيرة. وما ان نعته‏اذاعة لبنان حتى تتالى نعيه في الفاق.

    تشييعه:

    في اليوم التالي نقل الجثمان من المستشفى الى المطار،لينقل من هناك الى مثواه الاخير في النجف الاشرف.وهبت الجماهير المفجوعة الى تشييعه، ودب كل ذي‏رجلين ليشترك في التوديع، وفي مقدمة الجميع الدولة‏اللبنانية بجميع اركانها، رئيس الجمهورية ورئيس‏حكومته والوزراء والنواب واعضاء الملك الدبلوماسي‏والعسكري والعلماء والشخصيات الدينية من جميع‏الطوائف والوفود، حتى ان موكب التشييع لا يكاد يدرك‏البصر آخره.

    وفي العراق جرى له تشييع حاشد قل نظيره في بغدادوالكاظمية وكربلاء ثم مثواه الاخير النجف‏الاشرف.

    واخيرا اودع الجثمان الطاهر اطباق الثرى بعد غروب‏ليلة الخميس في غرفة من غرف الصحن الحيدري، وقدام المصلين في الصلاة عليه مرجع الطائفة السيد محسن‏الحكيم ولم تعد النواظر ترى تلك الطلعة البهية، وذلك‏المحيا الباسم الاخاذ، وتلك الهيبة في السمن، وقد زاده‏اللّه بسطة في الجسم والعلم.

    وبقي فكره الوقاد.. وبقيت‏مشاريعه الخالدة.. وبقيت مصنفاته ترفد الاجيال من‏عطائها الثر، وهي شاهدة على عمق تراثه الفكري‏واصالته، ودالة على ما حوته شخصيته الفذة من تداك‏المحاسن، وتزاحم الفضائل ما لم تجتمع في شخصية‏احد.

    هيهات ان ياتي الزمان بمثله‏ان الزم‏-ان بمثل‏--ه‏لض‏-نى‏-ن تابينه ورثاؤه:

    لعل هذا العنوان لو جمع تحته ما قيل في حق الامام‏السيد شرف الدين من كلمات التابين والرثاء، وما القي‏في مجالس التابين من قصائد، والتي عمت كثيرا من‏البلدان الاسلامية كالكويت والبحرين والاحساء القطيف‏والعراق وايران والهند والباكستان واندونيسيا، وافريقيا،وغيرها، لجاءت كتابا ضخما حافلا باروع كلمات الرثاءوالتابين، باعذب القصائد والاشعار وانداها حيث لم‏يكن رثاؤه ( وقفا على اللبنانيين فحسب، انما كان للعرب‏والمسلمين عموما دور في رثائه.

    وقد جمع طرف من تلك المراثي في المجلدة الثانية من‏بغية الراغبين((348)) . كما ان مقالنا هذا لا يحتمل حتى‏الاشارة الى بعضها لضيق صفحاته، فاستميح قراءه عذراعن التمثيل، لكنني رجوت تعطير اسماع قارئي باروع ماقيل في مترجمنا من لوحات ومقطوعات رقراقة،حسب ما استطعت تذوقه، وجعلتها مسك الختام×لاختتم بها مسك السيرة المعطار المعطاء.

    من اروع ما قيل فيه:

    1 - الامام السيد محسن الحكيم: ان السيد رحمة ‏واحسان، فلا يفيض الا رحمة واحسانا.

    2 - الامام السيد ابو القاسم الخوئي: لمست في خلقه‏عظمة لا تجارى، وفي آرائه عتيدا لا يدانى.

    3 - آية اللّه السيد جواد التبريزي: كان انسانا ذا انحاءتلتئم حلقتا بطانه على العالم العبقري المتحرر، والمفكرالجري، والمفوه الخطيب، والمغامر المجاهد، هذه امة‏من الابطال جاءت في بطل من الامة.

    4 - العلامة الشيخ آقا بزرك الطهراني: لقد ابان امورا،وكشف حقائق لم يكن ليعرفها الكثير من العلماء لو لم‏يبعثها قلمه الحر النزيه... ورابط بعد ذلك على حدودالاسلام حارسا امينا للدين، وحساما مشهورا على رقاب‏المنحرفين، وجنديامخلصا يرد كيد اعدائه، ويوجه‏النصح والارشاد الى الضال والمغالط من ابنائه، وقد ادى‏رسالة عظيمة قد يعجز عن تاديتها جيل بكامله، وامة‏بمجموعها.

    5 - العلامة محمد جواد مغنية: اتى على المقدس شرف‏الدين حين الدهر وهو من رؤساء العلماء في جبل‏عامل، ثم اصبح بعد وفاة زملائه الكبار الرئيس الاول‏وحده لا شريك له..

    لقد مضى على وفاة السيد امد غير قليل، ووقف قلمه‏منذ اختاره اللّه اليه، ولكن الناس في اقصى البلاد مازالت تسال عن وعنوان عنوانه، ولا تسال عن غيره ممن‏تعرف!! ومن صفاته ذاك المراى الرهيب، والوقار العجيب، تلك‏الهيبة التي يتضاءل امامها الكبراء والعظماء، فما رآه‏متكبر متعاظم الا تجرد من جبروته، وطاطا راسه خجلامن نفسه، فالذئب حمل بين يديه، والاسد نعامة اذا نظراليه.

    6 - الشيخ عبداللّه العلايلي: في العلم، حدث عن البحرولا حرج، وفي التقوى، لعلها اتخذت من قلبه محرابها،ومن ضميره هيكلها.. كان الوطنية يوم كان آلاماوتضيحات حمراء.. وكان النزاهة يوم كانت حكاية‏تروى.. وكان الفكر الحر النير يوم كانت حرية الراي‏سبيلا الى الاعواد.

    7 - جمعية منتدى النشر - النجف: تنعى جمعية منتدى‏النشر ببالغ اللوعة، وعظيم الاسف، علم الامة الشامخ،وحصنها المنيع.. بعد ان ناهز التسعين عاما، قضاها في‏جهاد مستمر، ونضال منقطع النظير، وهو حين يلقي‏بسلاحه على عتبات القدر، بعد هذا العمر المديد، فانمايلقيه بعد ان بلغ في جهاده بامته اوج ما ينتظر لها من‏نصر.

    8 - الشاعر الكبير بولس سلامة:

    شرفا «عبدالحسين‏» المرتقي تملا المنبر عزا وسنى كادت الاعواد من نشوتها او تعيد الغض من اوراقها من صروح العلم والدين ذراها وكذلك الشمس تهدي من يراها تلبس الخضرة ذكرا لصباها كلما «العلامة‏» السبط اتاها 9 - مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد علايا:شجرة طيبة قدمت نعيم قلبها للناس فوحا وثمرا،وسكبت آنيتها المقدسة المليئة في دنياهم سكب‏السخاء دينا ونورا، واعراسا وصبورا، وانداء وعطورا،فكان يجد عندها المكدود الذي ارهقه عنت الطريق ماشاء من راحة وطمانينة قلب.

    10 - كمال جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي،ومن كبار زعماء لبنان: واذا شئنا ان ننصف فقيدنا الكبير،المجتهد العلامة، وان نضعه في اطاره التاريخي،استطعنا ان نسلكه في سلسلة الائمة، والقادة من القمم‏البشرية عبر العصور، ونعده احد تلك المجموعة النيرة..انه لا ينحصر بشيعة، لهذا كان الفقيد الكبير من التراث‏الانساني الشامل، واننا لنستجلي به معاني القدوة،وصرف التوجه الى الحق، وصلابة الراي الذي كان يمثله‏بيننا.

    11 - الحاج حسين العويني من السياسيين اللبنانيين‏المرموقين تولى رئاسة الوزراء عدة مرات: عاش‏عبدالحسين شرف الدين عزيزا فهابه الظالمون، ومات‏عزيزا فبكى عليه المخلصون، ولذلك نجد الدنيا قداجتمعت على تقديره.. وما اجدر هذا العصر ان نسميه،عصر الامام شرف الدين.

    12 - العلامة عبدالكريم صادق:

    (عبدالحسين) الا ناهيك من رجل حتى اذا شب واستوفى شبيبته تاتيه واردة ظماى فيصدرها قد اكبرته رجال الفضل وهو صبي رايتها حوله تجثو على الركب وهي الروية من سلساله العذب 13 - احمد حسين شهاب، منتدى الوحي، فوساكا -اندونيسيا:

    لقد عرفنا السيد من كتبه، فعرفناه حجة ساطعة، فمنا به‏واتبعناه، وحينما وصل الينا النبا المؤلم، والفاجعة‏العظمى التي هزت المشاعر، كنا كالطفل الذي فاجاه‏الفطام في غير وقت الفطام.

    14 - البعثة المصرية: عرف عامة المصريين الامام‏الكبير، والمجاهد الاعظم عندما قراوا تصريحاته،ووقفوا على آرائه المباركة الطيبة.. [اخذت] عن جدك‏صلوات اللّه وسلامه عليه اروع ما يتصف به انسان من‏صفات علوية كريمة، وورثت عنه الايمان والفداءوالايثار ويقظة الضمير، ورعاية الواجب، والجلد في‏المحنة، والانفة من الضيم، والشجاعة في وجه‏الموت.

    15 - الشيخ محمد علي اليعقوبي:

    يوم الحسين وهل يوم يماثله فتى به (شرف الدين الحنيف سما كان انمله يشدو اليراع بها علم ودين واخلاق محببة وغرة لاح نور الانبياء بها هيهات لم يطو في بطن الثرى علم راع العروبة والاسلام هائله شاوا بحيث الثريا لا تطاوله روح بافنانه تشدو بلا بله كنفحة الرفض قد ضاعت خمائله يخفى سنا البدر منها لو تقابله للحشر بين الورى تتلى فضائله مصادر الدراسة:

    اعتمدنا في اخراج هذه الترجمة على المصادر التالية:

    1 - بغية الراغبين: الامام عبدالحسين شرف الدين،تحقيق السيد عبداللّه شرف الدين، ط. الاولى 1411ه‏-،الدار الاسلامية - بيروت.

    2 - حياة الامام شرف الدين في سطور: العلامة الشيخ‏احمد القبيسي، ط. الاول 1400ه‏-، دار التوجيه‏الاسلامي - بيروت - .

    3 - رائد الفكر الاصلاحي السيد عبدالحسين شرف‏الدين: د.هادي فضل اللّه، مؤسسة عز الدين -بيروت.

    4 - تكملة امل الملة:
    السيد حسن الصدر، تحقيق احمدالحسيني، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي - قم‏1406ه‏-.

    5 - نقباء البشر في القرن الرابع عشر: العلامة آقا بزرك‏الطهراني، نشر دار المرتضى - مشهد، ط. الثانية‏1404ه‏- مطبعة سعيد - مشهد.

    مرجعية السنة في العقل الاخبارى الشيعى / القسم‏الثاني مرجعية السنة في العقل الاخبارى الشيعي تاريخ التكون وظروف الانتقال من العقل الى‏النقل (القسم الثاني) الشيخ حيدر حب اللّه الموقف الاخباري من التقسيم الرباعي للحديث بعد ان اتضحت امامنا الصورة التي كونها الاخباريون عن‏السنة المحكية من حيث الاعتقاد بيقينيتها، صار من‏الطبيعي ان نتفهم حملتهم العنيفة على التقسيم الرباعي‏للحديث، اي تقسيم الروايات الى صحيح وحسن‏وموثق وضعيف، كما صار من الطبيعي تفهم مسوغات‏اللغة الحادة التي استخدمها الاسترآبادي في نقده‏لشخص العلامة الحلي. لقد كان الامين الاسترآبادي‏عنيفا جدا كما يقر بذلك المحدث البحراني، وسبب‏التركيز على العلامة هو تضعيفه - وفق راي الاخباريين‏- من موقع السنة ومكانتها، ولسنا نريد الاستشهاد على‏الحملة القاسية التي حمل‏-ها الاسترآبادي على العلامة‏وبعض رجال مدرسته، فمراجعة الفوائد المدنية‏والحاشية على تهذيب الاحكام تغني عن سرد الشواهدهنا، لانها تضع القارئ في صورة واضحة عن الانفعال‏الغاضب للامين الاسترآبادي ضد ما فعل‏-ه العلامة‏وانصاره.

    لقد راى الاخباريون ان العلامة وانصاره تاثروا بالفكرالسني، فاخذوا مقولات هذا الفكر بدءا من علم اصول‏الفقه وعلم الدراية وحتى نظريات الاجماع والعقل‏والتقسيم الرباعي و...

    كان اقتناع الاخباريين قائما منهجيا على ان المنتج‏الثقافي والفكري السني خاص ببيئته، ومن ثم لا معنى‏لتطبيقه في البيئة الفكرية الشيعية، فعندما يتحدث‏الشيخ البهائي (1031ه‏-) في كتاب ;ژرس‏ز÷الاربعون;ژرس‏ز÷ عن تاخروقوع التدوين الى ما بعد القرن الهجري الاول،((349))سرعان ما ينتقده الحر العاملي بان ذلك ينطبق على‏الوضع السني بخلاف الشيعة الذين كان سلفهم يعمل‏على التدوين حتى في القرن الاول ال‏-هجري، ومن ثم‏فالبهائي مخطئ في هذا التعميم((350))، والسبب في‏خطئه هذا نفوذ المقولات السنية في الوسط الشيعي‏وتطبيقها بشكل خاطئ.

    وهكذا يواصل الحر نقده بالتاكيد ان ظاهرة التواتر واسعة‏الانتشار في مصادر الحديث الشيعية نتيجة الاهتمام‏العظيم بامر الحديث شيعيا في القرون ال‏-هجرية‏الاولى، فيما الامر ليس كذلك عند اهل السنة((351))،وهو ما سيستفاد منه في نسف التقسيم الرباعي كماسنرى.

    من هنا، نجد الاسترآبادي يتحدث - في نص مهم - عن‏مسار تاريخي في نشوء ظاهرة العلامة ومدرسته، فهويرى ان ابن الجنيد وابن ابي عقيل العماني طالعا - في‏بداية الغيبة - كلام المعت‏-زلة واصول‏-هم فنسجا على‏منوالهم، ثم جاء المفيد واحسن الظن بهذين الرجلين‏امام تلميذيه الطوسي والمرتضى، ما ادى - بحسب راي‏الاسترآبادي - الى سريان قواعد السنة في الفكرالشيعي، الى ان جاء العلامة الحلي فطالع كتب اهل‏السنة، واعجبه بعض ما فيها، فاورده لا لضرورة، لكن‏عن غفلة عن ان تلك الامور المدرجة في مصنفات السنة‏مع مصطلحاتها لا ترد على مذهبنا((352)).

    ويعلل الاسترآبادي انس العلامة بالنتاج السني بالسياسة‏التعليمية للسلطات الحاكمة في تلك المرحلة الزمنية،انه يرى ان التدريس والعلم كان منحصرا في مدارس اهل‏السنة نظرا لسيطرة الدول المنتمية للمذاهب السنية، كان‏ذلك واقعايفرض على مثل العلامة الحلي الدرس في‏وسط علمي سني، ما ترك اثرا في ما بعد - ولو من‏حيث لا يشعر - على شخصيته العلمية((353)).

    وهكذا يصرح الحر العاملي بان التقسيم الرباعي‏بالخصوص ماخوذ من كتب اهل السنة.((354)) كمايصرح الفيض الكاشاني بان التعايش والاختلاط ما بين‏الشيعة والسنة اديا الى نفوذ افكارهم الاصولية وغيرهافي اوساطنا((355))، وان السبب في الوقوع في الورطات‏هو نشوء جماعة من العلماء في بلاد اهل السنة وبين‏اظهرهم، وسماعهم منهم كلمات عقلية استحسنوهافمزجوا بينها وبين نصوص اهل البيت (ع) ((356))،والامر نفسه نجده مع الكركي حينما يطلق تسمية;ژرس‏ز÷اصطلاح العامة;ژرس‏ز÷ - اي اهل السنة - على التقسيم‏الجديد منددا به((357)).

    وفي صورة تاريخية مكتملة، في الوعي الاخباري، عن‏ظاهرة التقسيم الرباعي، نجد الحسين بن شهاب الدين‏الكركي (1076ه‏-) يفيض في سرد عناصرها، اذ يرى ان‏مرجع ذلك هو ابن ادريس الحلي (598 ه‏-)، ناقدا ل‏-ه‏بالقول العنيف: ;ژرس‏ز÷وما اوقعه في ذلك عدم التامل‏واعتماده على ما يظهر ل‏-ه من اول وهلة، كما هو شان‏الشاب الذي لم تحنكه التجارب، ولم يعض على العلم‏بضرس قاطع، ولم يمارس الامور كما ينبغي، لانه توفي‏وهو ابن خمس وعشرين سنة((358)) ، فما عساه ان‏يحقق في هذا السن ما يجب تحقيقه((359)) ؟ وبعد ابن ادريس اقتفى اثره اللاحقون وخلطوا - حسب‏راي الكركي -المعقول بالمنقول لكثرة اختلاطهم‏بالعامة، وقراءة كتبهم ودراستها للتقية..((360)).

    ويضيف الكركي: ثم وصل الحال الى المحقق الحلي‏الذي كان طريقه اولا يقرب من طريق المتاخرين في‏الاخبار((361)) ، ثم لما انتبه لما فيه من الطعن على اكابرالطائفة وظهر له الحق رجع اليه، ووافق القدماء في‏كتاب ;ژرس‏ز÷المعتبر الذي الفه في آخر عمره ((362)).

    ويقول: ;ژرس‏ز÷ثم وصلت النوبة للعلامة، فاكثر البحث مع‏العامة، ثم الف مباحثهم، لانها تستحسنها العقول، فالف‏على نسقها... لم يتامل العلامة كلام من تقدمه من‏الخاصة [الامامية ] كما تراه في زماننا ((363)) .

    ولكي يسوغ الكركي تجربة العلامة يقول: ;ژرس‏ز÷ان ما اوجب‏الشبهة على العلامة انه كان حسن الاعتقاد بالشيخ]الطوسي]، وراى في ]كتاب ]العدة انه لا يجوز العمل‏بالحاد، ولم يتامل ليعرف انه ما اراد انه لا يعمل بكل‏خبر كذلك، بل باخبار خاصة قبل‏-ها الاصحاب، ثم‏وصل‏-ه كلام ابن ادريس من ان اكثر احاديثنا آحاد، ومارآه في كتب العامة من قلة المتواتر، وشاهد تقسيم ابن‏طاوس الرباعى للحديث، ولا فائدة ل‏-ه الا في الحاد،فتوهم ان اخبارنا آحاد، ونسب المرتضى الى الشبهة،متوهما انه خالف القدماء، ولم يلتفت الى كلام الشيخ ‏من انه ليس العبرة بالسند فحسب((364)) .

    ويقول مكملا صورة العلاقة بين العلامة الحلي والفكرالسني:

    ;ژرس‏ز÷ان حصر الصحيح في ما رواه الثقة، كل ذلك من‏اصطلاحات العامة واقوال‏-هم المبتدعة، لانه ليس‏عندهم خبر متواتر او محتف، بل كل اخبارهم اخبارآحاد، فتوهم ان اخبارنا مثل‏-ها، فقسمها الى الاربع... ثم‏اقتفى اثر العلامة من جاء بعده الى يومنا((365)).

    وهكذا يفرغ الكركي علم الحديث والدراية من محتواه‏وشرعيته، فيقول: ;ژرس‏ز÷ان علم الدراية قليل الجدوى عندنابعدما حققناه، وبطل التقسيم الجديد... واشتبه بعض‏المتاخرين - بسبب مطالعة كتب العامة وما فيها من‏التدقيقات - فاجروا بعض قواعد الدراية على اخبارنا،وغفلوا عن طريق القدماء((366)) .

    وبقيت هذه الغفلة عن طريقة القدماء سارية حتى على‏مثل الشهيد الثاني عند الكركي، اذ ان الشهيدين الاول‏والثاني مع المحقق الكركي صاحب جامع المقاصدليسوا سوى مقلدين للعلامة بحسب راي الكركي‏صاحب هداية الابرار((367)) .

    وهكذا كان الشيخ حسن صاحب المعالم والشيخ البهائي‏اول من تنبه - عند الكركي - لطريقة القدماء، لكنهم‏عذروا المتاخرين في تقسيمهم((368)) .

    هذه الصورة التاريخية هي اكمل صورة تاريخية اخبارية‏للموقف وجدتها في مصادر الاخباريين، احببنا نقل‏-ها،لتتضح معالم الموقف الاخباري اكثر فاكثر.

    وعلى اية حال، فقد انتقد الاخباريون التقسيم الجديد،وقد لاحظنا ان ملاحظاتهم عليه كانت متطابقة تقريبا مع‏براهينهم التي اقاموها على يقينية الكتب الحديثية،فالحر العاملي عندما يبحث في الفائدة التاسعة من فوائدخاتمة الوسائل في قطعية الكتب المعتمدة يستعرض‏اثنين وعشرين دليلا، ويقول: ;ژرس‏ز÷ان هذه الادلة تثبت‏ضعف الاصطلاح الجديد في تقسيم الحديث الذي‏تجدد في زمن العلامة وشيخه احمد بن طاوس 369))، ما يدل على ان البراهين على يقينية الكتب هي بعينهابراهين على بطلان التقسيم والعكس هو الصحيح، ومن‏ثم فلا نعيد ما اسهبنا فيه سابقا من الحديث عن تلك‏البراهين، والامر نفسه نجده مع المحدث البحراني في‏المقدمة الثانية من مقدمات الحدائق((370)) .

    لكن بعض هذه الادلة لم نذكرها هناك لارتباطها اكثربجانب نقد التقسيم، وناتي على ذكرها هنا لنعرف طبيعة‏الرد الاخباري على التقسيم الرباعي:

    اولا: ان الشيخ حسن والشيخ البهائي حاولا الاعتذارللمتاخرين بان القرائن قد ضاعت في العصور المتاخرة‏واندرست شواهد اليقين بالاخبار، من هنا سلك العلامة‏ومن بعده مسلكهم هذا تمييزا للنصوص وضبطا لليات‏التعامل معها بعد ظاهرة الانسداد المعرفي هذه((371)) ،لكن هذا التسويغ غير صحيح، فان القرائن والشواهد لات‏-زال مفتوحة غير منسدة((372)) بل تجدد بعضها،كيف وهل حصل الانسداد - كما يقول الحر العاملي -فجاة مع العلامة او شيخه؟! الم يقر البهائي والشيخ‏حسن بان المتاخرين ربما سلكوا مسلك المتقدمين في‏مصطلح الصحيح، ما يعني اقرارا بوجود القرائن بعدالعلامة؟!((373)).

    ويرفع الكركي من وتيرة النقد على اعتذار صاحب‏المنتقى بالقول: انه مثل الغريق يتشبث بكل خشبة اذبعد اعترافه بعمل القدماء على خلاف الاصطلاح الجديدكيف جاز ل‏-ه ولغيره العمل بهذاالاصطلاح؟!((374)).

    وهكذا يحاول الاخباري ان يعدم ارضية هذا الاصطلاح‏بالقول - كما تقدم عن الكركي - انه جار في اخبارالحاد، واخبارنا كلها يقينية((375)).

    ثم شن السيد محسن الكاظمي الاعرجي (1227ه‏-)هجوما لاذعا على الاخبارية، مدافعا عن اندراس‏الشواهد قائلا: ;ژرس‏ز÷واين من حظ‏ي بالقرب ممن ابتلي بالبعدحتى يدعى تساويهما في الغنى والفقر، كلا، ان بينهما مابين السماء والارض، ولقد حدث بطول الغيبة، وشدة‏المحنة، وعموم البلية ما لولا اللّه وبركة آل اللّه لردهاجاهلية، فسدت اللغات، وتغيرت الاصطلاحات،وذهبت قرائن الاحوال، وكثرت الاكاذيب، وعظمت‏التقية، واشتد التعارض بين الادلة حتى لا تكاد تعثر على‏حكم يسلم منه، مع ما اشتملت عليه من دواعي‏الاختلال، وليس هناك احد يرجع اليه بسؤال، وكفاك‏مائزا بين الفريقين قرائن الاحوال وما يشاهد في‏المشافهة من...((376)) .

    نص بالغ الواقعية في قراءة المعرفة الدينية المبنية على‏النص، وهو - عندي - من اعظم النصوص الدالة على‏القراءة الواقعية للعقل الاصولي النقاد((377)) .

    ثانيا: ان الطرق الى كتب الاصول ليست الا للبركة، ونحن‏على يقين ;ژرس‏ز÷بان ما في الكتب الاربعة ماخوذ من اصول‏قدمائنا، وانما جعل السند للبركة، ومجاراة للعامة بدل‏ان يقولوا: لا اسانيد لهم((378)) .

    وهذه المناقشة مرجعها الى المناقشة الاولى.

    والظريف هنا ان الاخباريين يصرون على ان ذكر السندكان للبركة ومجاراة لاهل السنة، فيما يرى الطرف الخرانه شهادة صارخة على معيارية السند بنوع من انواع‏المعيارية، وعدم يقينية الاخبار((379)) .

    ثالثا: اننا مامورون باجتناب طريق اهل السنة× حيث‏جاء في الحديث فان الرشد في خلافهم;ژرس‏ز÷((380)) ،ونحن نعلم ان طريقة المتقدمين تباين العامة، اما الجديدفهو على وفقهم بل هو ماخوذ من كتبهم، فلزم الاخذبطريقة المتقدمين((381)) .

    وهذه المحاولة التي ذكرها الحر العاملي فيها بعض‏الغرابة، ولست اريد الخوض في تحليل تلك القاعدة‏المدعاة، حيث ذكر عنها الكثير في مباحث التعارض من‏علم اصول الفقه الشيعي، لكنني اريد المناقشة في‏تطبيقها، فاذا كان صاحب المعالم يقول: ان القرائن قداندرست، فكيف يمكن الزامه بالعمل بالقرائن تحت‏ستار: ان الرشد في خلافهم، واذا ناقشناه في القرائن‏واقتنع معنا فلا حاجة لهذا الاستدلال بعد ذلك، لانه من‏المؤكد مع وجود قرائن القطع بالاحاديث ان الجميع‏سيعملون بها، فالمعركة الفكرية يجب ان تتمركز هناك،لا ان تحشد ادلة غير مرتبطة بالموضوع.

    رابعا: ان الاصطلاح الجديد يلزم منه تخطئة جميع‏الطائفة زمن الائمة ( وزمن الغيبة، لان هذه الطائفة لم‏تعمل به قبل ابن طاوس((382)) .

    ويطور الكركي لغة هذه المناقشة بممارسة ترويع شديدحيث يقول تارة: انه يلزم من هذا الاصطلاح جعل‏قدماء الفرقة الناجية من جملة الحشوية‏والكذابين.((383)) ، فيما يقول تارة اخرى: لا نفع لهذاالاصطلاح الجديد الا الطعن في ائمة الحديث والتهمة‏لهم بعدم الضبط، بل الرد عليهم وتكذيبهم، مع انهم‏رؤساء المذهب واركان الدين، ونحن مامورون بالرجوع‏اليهم..((384)) .

    هذا هو الاطار المعرفي السيكولوجي الذي ركزنا عليه‏سابقا، منطق التقديس للتراث الى حد يجعل مناقشة‏المتقدمين بمثابة التكذيب، ولسنا نريد الوقوف عندهذا الكلام كثيرا، فان القائلين بالتقسيم الجديد يصرحون‏بانه لو تسنت ل‏-هم القرائن لعملوا بها فكيف نقول: ان‏تقسيمهم يلزم منه تخطئة الطائفة التي يفترض انهاعملت بالقرائن لتوفرها عندها حسب راي مثل الشيخ‏حسن والبهائي و...؟! ان مثل هذه النصوص تؤكد المنهاجية المعرفية للاتجاه‏الاخباري، وتدلنا على ان الانطلاقة النابعة من‏الخصوصية الشيعية كان ل‏-ها دور في توجيه الفكرالاخباري.

    خامسا: ان اللازم من الاصطلاح الجديد فساد الشريعة،اذ لا يبقى معه الا اقل القليل من الروايات، فيبطل الدين‏بذلك((385)) ، بل يكون تدوين الروايات نفسه عملاعبثيا بل محرما((386)) .

    هذا هو الوجه نفسه الذي يستخدم عادة ضد من يحاول‏نقد نظرية السنة((387)) ، ولربما كان واقع تجربة مدرسة‏العلامة دليلاعلى عكس هذا الكلام، فلم نلاحظ‏اضمحلال الدين ومفاهيمه مع انصار هذه المدرسة، بل‏ومن كان اكثر تشددا منها، اذ كل نظرية ل‏-ها ما يسندهامن مثل عمل الاصحاب او ما شابه، بل لقد وجدنا مثل‏السيد ابي القاسم الخوئي (1413ه‏-) من ابرزالمتشددين في امر الاسانيد مع عدم اخذه بنظريتي‏الجبر والوهن ولا بالشهرة الفتوائية.. لم تكن نتائجه‏موجبة‏لذلك القلق الذي انتاب الاخباري، رغم ان‏الخوئي قد رد عددا هائلا من الروايات وفق بناءاته‏الاصولية والرجالية، ومثله السيد هاشم معروف‏الحسني.

    ان دراسة تجربة مدرسة العلامة تؤكد ان السند، وان غدامعيارا، ذو اولوية اكبر من الماضي، الا ان مجمل معاييراخرى كانت تشكل صمامات امان من حصول‏انشطارات كبيرة، ولهذا يرى الملا علي كني (1306ه‏-)ان نظرية الجبر بالشهرة تغير المعادلة هنا، وتلغي هذه‏الاشكالية من جذورها((388)) .

    ولربما كان من المفترض بالمدرسة الاخبارية ان‏تحاسب المفردات بعيدا عن الانفعال، فان القلق‏والاضطراب والغضب كان مسيطرا عليها، لا اقل على‏بعض ابرز شخصياتها، فهذا المحدث البحراني اشهرمعتدلي الاخبارية يصف الشيخ حسن وصاحب‏المدارك بالقول: ;ژرس‏ز÷قد سلكا في الاخبار مسلكا وعرا،ونهجا منهجا عسيرا، اما السيد محمد صاحب المدارك‏فانه رد اكثر الاحاديث من الموثقات والضعاف‏باصطلاحه، ول‏-ه فيها اضطراب... ]اما الشيخ حسن‏فانه ]بلغ في الضيق الى مبلغ سحيق((389)) ، وهذاالاضطراب او الغضب يمكنه ان يوتر الموقف ويجانب‏بصاحبه الصواب احيانا.

    وهذا الموقف المتوتر لا ن‏-زعم ان الاخبارية وحدهاتورطت فيه، فبعض كلمات الاصوليين تبدو لنا مخجلة‏جدا، ويكفيك ما ذكره في روضات الجنات في ترجمة‏الاسترآبادي، وما ذكره محمد حسين كاشف الغطاء(1954م) في كتاب العبقات العنبرية في طبقات‏الجعفرية((390)) ، وهذا ما يؤكد ان الافراط والتفريط لن‏يوصلا الى نتيجة محمودة.

    اما الحديث عن عبثية التدوين او حرمته، فهذا ما يمكن‏مناقشته بان التدوين حتى على مبنى العلامة ومتشددي‏مدرسته لم تعدم الفائدة منه، كيف وكتاب المدارك‏والمسالك والتذكرة والمختلف والمنتهى والذكرى‏والدروس والروضة والمنتقى ومجمع الفائدة والبرهان‏ونهاية المرام وكتب متاخري الاصوليين مشحونة من‏اول‏-ها الى آخرها بالروايات، فكيف يقال: ان التدوين‏قد انعدمت فائدته على مبنى مدرسة العلامة؟!! ويشبه هذا الدليل دليل آخر معاكس ذكره احمد بن زين‏العابدين العلوي العاملي (ق‏11ه‏-) في مناهج الاخبار،حيث ذهب الى ان القول بيقينية الكتب الحديثية‏الرئيسية يعني بطلان علم الرجال((391)) ، ونحوه ماذكره الملا علي كني((392)) ، ولم نفهم ما المشكلة في‏بطلان علم الرجال بعد ثبوت النصوص ذاك الثبوت‏الذي ولد علم الرجال لاجله؟!! ان هذه السياقات النفسية التي تولد على اساس الترهيب‏من حدوث انهيارات في الفكر على تقدير رفض فكرة مااو الاخذ باخرى، سمة تطبع اغلب التيارات الدينية، وان‏بدت في التيارات السلفية والنصية بشكل اكبر.

    سادسا: ان هذا الاصطلاح مستحدث مع العلامة اوشيخه، فيكون اجتهادا وظنا، فيكون مشمولا لادلة حرمة‏العمل بالظنون((393)).

    ولكن مثل هذه الملاحظة لا يبطل شرعية مدرسة‏العلامة، لان هذه المدرسة تعتقد بان لديها ادلتها من آية‏النبا وما شابه ذلك، فتكون ظنونها راجعة الى اليقين،ومن ثم لا يصح نعتها بالاجتهاد الباطل الا على المباني‏الاخبارية التي لا يؤمن بها الطرف الخر حسب‏الفرض.

    وهذا الدليل يلوح منه المنحى السلفي، لانه يستوحي‏من حداثة المقولة بطلانها، فهو اشبه بالن‏-زعة التي‏ترى مرجعيتها في الحديث القائل:عليك بالتلاد واياك‏وكل محدث لا عهد له((394)) ، اي عليك‏بالقديم.

    سابعا: ان اجماع الطائفة كان على نقيض هذا الاصطلاح،ومعلوم دخول المعصوم فيه((395)) .

    ويمكن لبعض انصار مدرسة العلامة التخلص من هذاالاشكال - كما ذهب الى تقعيد هذا الجواب الخاقاني‏في كتاب الرجال((396)) - بان هذا الاجماع انعقد في‏ظرف وجود قرائن القطع حسب رايهم، فكيف يستنداليه في ظرف عدمها؟! وعلى اية حال، لم نرد بسرد بعض المناقشات الانتصارلمدرسة العلامة بحرفية معطياتها، فلعلنا لا نوافقها في‏مبدا حجية خبر الواحد الظني، وانما اردنا رصد مستوى‏ردة الفعل الاصولية والرجالية، لتتضح معالم الصورة‏بشكل افضل.

    كانت هذه خلاصة المشهد الذي وقع مع الحركة‏الاخبارية، لكن نظرية السنة في هذه المرحلة لم تقف‏عند هذا الحد، بل تواصلت لتبلغ مبلغا عظيما، فظهرت‏نظرية نسميها نظرية السنة فقط واسقاط المرجعيات‏الاخرى، بما فيها مرجعية النص القرآني.

    ولكي تكتمل الصورة نجد انفسنا مضطرين لتحليل ردة‏الفعل الاصولية، والرجالية بصورتها التحليلية العامة،لكي نطل من خلال تضارب المواقف على المشهدالتاريخي بشكل ادق، وذلك بعد استعراض مجمل‏التحولات الحديثية التي تركتها المدرسة‏الاخبارية.

    ازدهار السنة او التطورات الحديثية مع المدرسة‏الاخبارية كانت الشيعة مهتمة لامر الحديث في القرون الاربعة‏ال‏-هجرية الاولى، وقد بلغ هذا الاهتمام اوجه مع‏مدرسة الشيخ الصدوق (381ه‏-)، وقد كاد يقضى نسبياعلى هذا الاهتمام مع المرتضى والمفيد، لولا ان الشيخ‏الطوسي قد سلك سبيلاوسطا بين تياري العقل والنص‏في الفكر الشيعي، مؤلفا الى جانب الامالي كلامن‏التهذيب والاستبصار، وقد تتالى الاهتمام الحديثي‏بشكل عادي احيانا وبط‏ي خجل احيانا اخرى، فلاحظناتجربة ابن طاوس في كتاب فتح الابواب وغيره،وقبل‏-ها تجربة ابن ادريس الحلي مع المستطرفات وغير ذلك... الا ان امر الحديث بعد ابن طاوس والعلامة‏آخذ بالركود، ثم شهدنا ظهور علم الحديث مع الشهيدالثاني، لكن هذه المحاولات بمجملها خطوات حديثية‏محدودة نسبة‏لتجربة القرون الخمسة الاولى.

    ويكشف لنا نص دال للشيخ حسن صاحب منتقى‏الجمان يخبرنا فيه عن سبب تاليفه كتابه هذا، انه يقول والذي حدانا على ذلك ما رايناه من تلاشي امرالحديث، حتى فشا فيه الغلط والتصحيف، وكثر في‏خلال‏-ه التغيير والتحريف، لتقاعد ال‏-همم عن القيام‏بحقه، وتخاذل القوى عن النهوض لتلافي امره، مع ان‏مدار الاستنباط لاكثر الاحكام في هذه الازمان عليه،ومرجع الفتاوي في اغلب المسائل الفقهية اليه، ولقدكانت حال‏-ه مع السلف الاولين على طرف النقيض مماهو فيه مع الخلف الخرين، فاكثروا لذلك فيه‏المصنفات، وتوسعوا في طرق الروايات، واوردوا في‏كتبهم ما اقتضى رايهم ايراده، من غير التفات الى التفرقة‏بين صحيح الطريق وضعيفه... وانا ارجو من كرم الل‏-ه‏تعالى الامداد بالمعونة على ما انا بصدده في هذا الكتاب‏من بذل الجهد في استدراك ما فات، وصرف الوكد الى‏احياء هذا الموات، ليكون مفتاحا لباب الدراية الاشب،ومعوانا على بناء ربع الرواية الخرب ((397)) .

    فهذا النص يؤكد ان تراجعا في الاهتمام الحديثي قد وقع‏لا اقل بعد العلامة الحلي (726ه‏-)، وهذا الامر نراه‏طبيعيا جدا، انطلاقا من عناصر عدة ابرزها:

    اولا: ان التوجه العام بعد العلامة قد سار نحو نقدالاحاديث، فتعرضت الاسانيد لعصف بليغ بها، بل يعبربعض الباحثين المعاصرين بالقول: بقي الكافي على‏راس الكتب الاربعة بنظر المتقدمين من الفقهاء الى‏اواخر القرن السابع ال‏-هجري الذي ظهر فيه العلامة‏الحلي، ومن الطبيعي بدات تلك الثقة للكافي تتضاءل‏على مرور الزمن، ولا يخفى ما للعلامة الحلي من دوريذكر في تصنيف الحديث، حيث انفتح باب التشكيك‏في تلك المرويات على مصراعيه، فصنف الحديث الى‏اصنافه الاربعة، وعرض مرويات الكافي وغيره على‏اصول علم الدراية وقواعده، فما كان منها مستوفيا للشروط المقررة، اقروا العمل به والاعتماد عليه، وما لم‏يستوف الشروط المطلوبة ردوه ورفضوه ((398)) .

    واذا كانت الاولوية لاعادة النظر في الاحاديث وفق‏معايير جديدة، لا اقل في بعضها او في بعض مستويات‏تطبيقها، فمن الطبيعي ان يتراجع وضع الحديث من‏حيث الاهتمام تراجعا نسبيا.


    يتبع ...5



    __________________
    الهامش



    335- رائد الفكر الاصلاحي السيد عبدالحسين‏شرف الدين:
    ص‏67. وراجع ايضا: ص‏139 آ142.
    336- نقباء البشر: 3/ 1087.
    يقول العلامة آقا بزرك: ولما كتب اللّه لي حج بيته‏الحرام للمرة
    الاولى في سنة 1365ه، عدت الى‏مصر فسوريا ولبنان، وزرته
    في صور.. وفي تلك‏السفرة اطلعت على آثاره المخطوطة، وما
    تمكن‏من اعادته من مؤلفاته التي تلفت في حادثة احراق‏داره..
    وتكاد مراسلاتنا وهي في مواضيع علمية‏وتاريخية احيانا
    خلال السنين الاخيرة تؤلف‏مجلدا.
    اقول: يا حبذا لو يبحث عنها وينقب لتستخرج‏دفائنها ويستفاد
    من مضامينها العلمية والتاريخة.فالمتراسلين كلاهما طود في
    هذا المضمار.
    337- راجع بغية الراغبين 1: 453.
    338- بغية الراغبين 2: 539 و547 و550 و551وقد اورد مقاله
    نصا وفصا.
    339- بغية الرغبين 2: 454.
    340- راجع: الذريعة الى تصانيف الشيعة 15:82.
    341- المصدر السابق 15: 274.
    342- المصدر السابق 4: 333.
    343- نقباء البشر 3: 1083.
    344- حياة الامام شرف الدين في سطور، احمدقبيسي: ص‏87.
    345- بغية الراغبين 2: 127.
    346- هذا هو المثبت تاريخيا في المخطوطات‏على ما يبدو.
    وهذا لا يكون اذا كان المؤتمر انعقديوم 5 شعبان. فعليه ينبغي
    ان يكون التاريخ‏الشمسي الميلادي يصادف 6 آيار. راجع
    بغية‏الراغبين 2/439 و442 وراجع ايضا الصفحة‏160 ففيها
    الخبر اليقين.
    347- راجع نص الخطابين في مؤتمر الحجيرودمشق بغية
    الراغبين 2: 439 و 442.
    348- بغية الراغبين 2: 255 344.
    349- الشيخ البهائي، الاربعون حديثا: 66، لكن
    البهائي عبر هناك بالقول: ان تدوين الحديث من‏المستحدثات
    في المائة الثانية من الهجرة، ولم‏يجزم به.
    350- الحر العاملي، الفوائد الطوسية: 241و242.
    351- المصدر نفسه: 260.
    352- الاسترآبادي، الفوائد المدنية: 123 و124و128، وانظر له:
    الحاشية على تهذيب الاحكام،مخطوط، الورقة رقم: 108.
    353- المصدر نفسه: 173.
    354- الحر العاملي، الوسائل 30: 259.
    355- الفيض الكاشاني، الوافي 1: 14 15.
    356- الفيض الكاشاني، الشهاب الثاقب: 92،وانظر: نعمة اللّه
    الجزائري، الانوار النعمانية 3:129.
    357- الكركي، هداية الابرار: 56.
    358- هذا الكلام عن وفاته غير صحيح، راجع:علي همت
    بناري، ابن ادريس الحلي رائد مدرسة‏النقد في الفقه الاسلامي:
    28 33.
    359- الكركي، هداية الابرار: 94، وانظر: 8و9.
    360- المصدر نفسه: 95.
    361- لعله يشير الى نص معارج الاصول.
    362- الكركي، هداية الابرار: 95.
    363- المصدر نفسه: 95 و96.
    364- المصدر نفسه: 96 و97.
    365- المصدر نفسه: 97، ونحوه: 17، وانظرالامين
    الاسترآبادي، الحاشية على تهذيب‏الاحكام، مخطوط، الورقة
    رقم: 114و115.
    366- الكركي، هداية الابرار: 101 و103و104.
    367- المصدر نفسه: 10.
    368- المصدر نفسه: 11، 57.
    369- الحر العاملي، الوسائل 30: 251.
    370- البحراني، الحدائق الناضرة 1: 14 آ24.
    371- الشيخ حسن، منتقى الجمان 1: 14، والشيخ‏البهائي،
    مشرق الشمسين: 26 و30 و31، وانظر:محسن الاعرجي، شرح
    مقدمة الحدائق، الورقة‏رقم: 16، وهاشم معروف الحسني،
    دراسات في‏الحديث والمحدثين: 43.
    372- الاسترآبادي، الفوائد المدنية: 117، وله‏ايضا الحاشية
    على تهذيب الاحكام، الورقة: 12،و96 و97، والحر العاملي،
    الوسائل 30:202.
    373- الحر العاملي، الوسائل 30: 203، 275،278، والفوائد
    الطوسية: 534، 535، 545، وانظراعتذار الاثنين في المنتقى
    1: 3 و14، ومشرق‏الشمسين: 32 35.
    374- الكركي، هداية الابرار: 62، وانظر: 56و73.
    375- يوسف البحراني، الحدائق الناضرة 1: 23،والحر العاملي،
    الوسائل 30: 262، والاسترآبادي،الفوائد المدنية: 122 123.
    376- محسن الكاظمي الاعرجي، وسائل الشيعة‏في احكام
    الشريعة: 4.
    377- انظر هذه القراءة الواقعية ايضا عند البهبهاني‏في الرسائل
    الاصولية: 16 37، ومجمل ثنايارسالة الاجتهاد والاخبار من
    هذا الكتاب.
    378- الاسترآبادي، الفوائد المدنية: 118، 377،وله ايضا
    الحاشية على تهذيب الاحكام، مخطوط،الورقة رقم 14 و96
    97، وانظر: الحر العاملي،الوسائل 30: 258، والكركي، هداية
    الابرار: 55 آ56.
    379- الملا علي كني، توضيح المقال: 61،والكاظمي، كشف
    القناع: 208، ومحمد سند،بحوث في مباني علم الرجال: 27
    29.
    380- محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، المقدمة‏1: 8.
    381- الحر العاملي، الوسائل 30: 259، وهداية‏الامة 8: 581.
    382- الحر العاملي، الوسائل 30: 259، وهداية‏الامة 8: 581
    و582.
    383- الكركي، هداية الابرار: 100.
    384- المصدر نفسه: 73 و74، وانظر: 53.
    385- الحر العاملي، الوسائل 30: 259 260،وهداية الامة 8:
    580، والبحراني، الحدائق 1:21، وله ايضا لؤلؤة البحرين: 46،
    والدرر النجفية‏2: 332، والكركي، هداية الابرار: 53.
    386- الحر العاملي، الوسائل 30: 259و260.
    387- وقد تخفف هذه اللغة احيانا او تلطف بالقول‏ كما ذكره
    بعض الباحثين المعاصرين : ان انكارالمرتضى اخبار الاحاد
    حد من انطلاق الاجتهاد،فانظر: عدنان فرحان، حركة الاجتهاد
    عند الشيعة‏الامامية: 255 و256.
    388- الملا علي كني، توضيح المقال: 67.
    389- يوسف البحراني، لؤلؤة البحرين: 45و46.
    390- محمد حسين كاشف الغطاء، العبقات‏العنبرية في
    الطبقات الجعفرية: 86 103، 183 آ187، تحقيق: جودت
    القزويني.
    391- احمد العلوي العاملي، مناهج الاخبار في‏شرح الاستبصار
    1: 6.
    392- الملا علي كني، توضيح المقال: 41 42،وانظر عبد اللّه
    المامقاني، تنقيح الرجال 1: 175،180.
    393- الحر العاملي، الوسائل 30: 262، وهداية‏الامة 8: 582،
    والاسترآبادي، الفوائد المدنية:123
    394- الكليني، اصول الكافي 2: 639، والرواية‏مرسلة.
    395- الحر العاملي، وسائل الشيعة 30: 263،وهداية الامة 8:
    583.
    396- الخاقاني، الرجال: 218 و219.
    397- الشيخ حسن، منتقى الجمان 1: 2 و3.




    التعديل الأخير تم بواسطة : سيد مرحوم بتاريخ 24-03-08 الساعة 07:44 PM

  5. #5

    افتراضي

    صو متفرقة لسماحة الإمام شرف الدين


    _______________________________


    __


    صورة نادرة تجمع كل من
    سماحة الامام شرف الدين وسماحة الامام موسى الصدر

    __


    التعديل الأخير تم بواسطة : سيد مرحوم بتاريخ 08-06-08 الساعة 12:28 AM

  6. #6

    افتراضي

    العالم الفكري
    للإمام شرف الدين
    إستناداً الى تصانيفه
    الشيخ د. جعفر المهاجر


    خيط واحد في تصانيفه:وعي الاخطار

    كتب الامام السيد عبد الحسين شرف الدين (رضوان اللّه تعالى عليه)، ما بين ايابه من النجف الاشرف الى‏وطنه سنة 1320ه‏-/1902م.، ووفاته سنة‏1377ه‏-/1957م.، اي خلال سبع وخمسين سنة‏قمرية، ثلاثة وثلاثين مصنفا، ما بين رسالة وكتاب. اثناعشر منها طبعت مستقلة، وبعضها غير مرة، وسبعة عشراحرقت اصولها في ما احرقه جلاوزة الفرنسيين من‏مكتبته في صور سنة 1339ه‏-/1920م. واربع رسائل‏نشرت فصولا في مجلة العرفان في اوقات متفرقة.

    ان قراءة ما وصلنا من تصانيف الامام شرف الدين تقف‏بنا على عالم مسكون بقلق مقيم، مما تحمله الايام من‏اخطار جسيمة على الاسلام والمسلمين. وفي هذاالسبيل خاض معارك فكرية حامية على غير جبهة.ومجموع كتبه، على ما بينها من اختلاف في الموضوع،يمكن، بل يجب، من وجهة نظر نقدية، نظمها في خيط‏واحد، هو نشر الوعي على تلك الاخطار. وذلك هو اول‏ خطوة في الطريق الطويل الى علاجها والتصدي لها،تلك هي القضية التي وهبها هذا الكبير عمره ‏المديد.

    الاخطار

    اول تلك الاخطار، بل هو اعظمها واصلها ومنشؤها،انهاك العالم الاسلامي تحت وطاة العسف العثماني‏الرهيب. انهاك شمل كل جوانب الحياة فيه، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وفكريا وثقافيا.

    فلما وقعت الحرب‏العالمية الاولى سقط البناء الاسلامي باكمله، سقوط بناءآيل للخراب، فلما اهتزت الارض من تحته، لم يكن‏يملك من عناصر القوة والتماسك شيئا.

    وهكذا تمخضت تلك الحرب عن اسر دار الاسلام ‏باجمعها.

    بحيث انها في نهايتها لم يكن هناك ذرة تراب‏اسلامي واحدة يتمتع اهلها عليها بالحرية والاستقلال.كانت تلك لحظة ماساوية، تفوق احلام اخصب‏المخططين الغربيين خيالا منذ الغزوات ‏الصليبية.

    ثانيها، وهو من مضاعفات الاول، انفجار القضية ‏الفلسطينية، بعد عقود من التربص والعمل السياسي غيرالمكتوم للمنظمات الصهيونية، في سبيل جعل فلسطين وطنا قوميا ليهود العالم.

    وكان السبب المباشرلانفجارها، الهجرات اليهودية الكثيفة الى فلسطين تحت رعاية الاحتلال الانكليزي، ووعد بلفور، الذي‏صدر عن وزير بريطاني. ولكنه، ولا ريب، كان نتيجة ‏لتفاهم بين الدول الكبرى، عدا المانيا وما من شك في ان تقطيع اطراف الدولة العثمانية،وتقسيم تركتها الى دول صغيرة عاجزة ومسلوبة الارادة‏بالسيطرة الاستعمارية، قد هيا المناخ الملائم للمشروع‏الاستعماري الصهيوني لكي يسير في المشروع ‏الصهيوني، من دون ادنى اكتراث بالغضب الاسلامي‏العربي.

    ثالثها، تفرق كلمة المسلمين. ليس بمعنى افتراقهم الى‏مذاهب، فهذا امر واقع لا مجال فيه للعودة الى الوراء.

    بل‏ بمعنى انهم يفتقرون الى الموقف الواحد، مقابل الخطرالذي يطال الجميع من دون استثناء. وهذا امر مختلف،دخل الى الاسلام من باب تكفير بعضهم بعضهم الخرواخراجه من الملة، واستباحة دمائه لذلك. وفي ظل‏هذه الثقافة فان الكلام على وحدة الكلمة يصبح غير ذي‏موضوع.

    تلك هي اسباب القلق التي نراها حاضرة اكثر ما يكون‏ في ما صنفه الامام شرف الدين (اعلى اللّه مقامه). وبماان تلك المصنفات كانت قد صدرت عنه اثناء سبع‏وخمسين سنة قمرية، كما قلنا في ما فات، فمعنى ذلك‏ان القلق كان امرامستحكما على عقله، بحيث يمكن ‏حسبانه رفيق عمره وشغل حياته. اذن، فنحن هنا امام‏ حالة متميزة من التفكير والتامل والبحث الرامي الى‏غاية محددة بدقة.

    النهوض بمهمة توحيد المسلمين يلوح لي، ايضا، استنادا الى كتب الامام، انه انصرف الى‏اعداد نفسه اعداد دقيقا وشاملا الى النهوض بمهمة‏توحيد كلمة المسلمين، ونفي الاوهام والاختلافات التي‏تراكمت خلال العصور عن اسباب الفرقة. وذلك‏ بالاطلاع الواسع والدقيق على المذاهب فقها وحديثا وكلاما. ومعلوم ان هذا الباب من ابواب العلم يقع خارج‏المنهج الرسمي المتبع في النجف الاشرف.

    اذن، فلا ريب في انه انكب بنفسه سنوات طوالا على‏كتب القوم، حتى احاط بها. ونحن نجد آثار احاطته بفقه‏المذاهب وحديثها وكلامها في العديد من مصنفاته،منها: تعليقتاه على صحيحي البخاري ومسلم، وفي نقده‏الفني لهما في كتابيه:تحفة العلماء في من اخرج عنه ‏البخاري ومسلم من الضعفاء وتحفة المحدثين في مااخرج عنه الستة من المضعفين وفي المراجعات والنص والاجتهاد ومسائل فقهية وكلمة حول ‏الرؤية.

    وغني عن البيان انه انما اختار هذا المسلك، واختط ‏لنفسه تلك الخطة لانها ميدانه الرئيس، بوصفه عالمامسلما. وايضالاولوية تحريك آليات الدفاع عندالمسلمين، التي تعطلها عوامل الفرقة، في مقابل‏الخطرين الاستعماريين الداهمين اللذين ذكرناهما قبل ‏قليل.

    في ايام الامام كان هناك تياران ثقافيان تكفيريان فاعلان‏ في العالم الاسلامي:

    اولهما: بقايا التيار العثماني.

    فمن المعلوم عند العارفين‏بالتاريخ العثماني، ان الاتراك العثمانيين بسطوا سلطانهم‏على قلب العالم الاسلامي مدة ثلاثة قرون. حاملين‏معهم مشاكلهم الثقافية، وفي مقدمتها انهم في كل‏تاريخهم، منذ ان دخلوا في الاسلام، لم يعرفوا الاالمذهب الحنفي اي ان الاسلام عندهم هو هذا المذهب‏ليس غير. الامر الذي حكم علاقتهم بكل المذاهب‏الاخرى. ولكنهم حملوا للشيعة خصوصا عداء حادا،لسبب سياسي هو نزاعهم مع ايران الصفوية.

    وعندما عزم السلطان سليم الاول على التخلص من‏الشيعة، الذين كانوا منتشرين في ; الاناضول وشمال سورية وانحاء لبنان افتى له احد فقهاء السلطان‏بوجوب قتالهم، وجواز قتلهم، وباسترقاق نسائهم ‏وذراريهم، سواء تابوا ام لم يتوبوا.

    وبهذه الذريعة ارتكب المذابح المهولة في الاناضول وسورية، كما دفع احد الامراء اللبنانيين الى مهاجمة‏القرى المنة في جبل عامل حيث ارتكب مذابح‏مماثلة. وقد اشار الامام شرف الدين غير مرة الى فتوى‏نوح الحنفي في تعليقاته على الفتاوى الحامدية، وذلك في كتابه: الفصول المهمة في تاليف‏الامة / الفصلان الثالث والتاسع بوصف هذه الفتوى‏وامثالها نماذج على المنهج التكفيري ومراميه‏ وآثاره.

    ومع ان الدولة العثمانية زالت من الوجود في ايام شباب‏الامام شرف الدين، ولكن ثقافتها وسياستها التمييزية‏ بقيت على مستوى الاداء السياسي في لبنان وسورية والعراق وعلى المستوى الفكري في اعمال غير واحدمن الكتاب. وسناتي على ذكر بعضهم بعد قليل.

    ثانيهما: الوهابيون، الذين ظهروا في نجد كما هومعروف.

    والفكرة الاساسية في النحلة الوهابية تحريرالاسلام من الشرك باللّه تعالى. لكن الشرك اخذ عندهم‏مفهوما جديدا. فعندهم ان الشرك شركان: شرك اكبروشرك اصغر.الشرك الاكبر يوجب الخروج من الملة، ويقتل صاحبه‏وان تاب.

    ويدخل فيه مجموعة من المعاصي، وبعض‏المسائل الكلامية الخلافية، بل وبعض المسائل الكونية.فمن الشرك الاكبر: زيارة القبور، والحلف باللّه كاذبا،وقول ان ليس للّه يد، والاعتقاد بانه لا ينزل من السماء،وترك الصلاة حتى اهمالا وكسلا، والقول: ان الارض‏كروية وليست مسطحة، والقول: ان الارض تدور حول‏الشمس وليس العكس.

    اما الشرك الاصغر فانه لا يخرج من الملة، ولكن يستتاب‏صاحبه فان تاب ترك. ومنه شرك قص الشعر، وشرك‏الصور، وشرك التماثيل، وشرك حلق اللحية، وشرك‏الرياء، وشرك النذور، الى غير ذلك وهو كثير.

    هذان التياران التقيا في ما يمكن ان نسميه ثقافة التكفير،التي دابت على بذل اقصى النشاط في اوقات الازمات‏الكبرى التي تنزل بالامة، كما يحدث الن. مما يخرج‏ بسط الكلام فيه عن غرض هذه الورقة. وهو من الامورالمعلومة على كل حال.

    وفي ايام الامام، يوم كان التحالف الاستعماري -الصهيوني يعد ويستعد للانقضاض على فلسطين،واعلان الدولة اليهودية، ارتفعت فجاة عدة اصوات ‏تكفيرية، وكانما هناك من اعطاها امرا فامتثلت له، احمدامين ومحمد رشيد رضا في مصر واسعاف ‏النشاشيبي في فلسطين وموسى جار اللّه فيباكستان ومصطفى الكيالي في سورية ومصطفى‏الرافعي في لبنان الجميع اعلنوا بشكل او بغيره ان‏الشيعة خارجون على ملة الاسلام. وذلك تحت عدة‏شعارات، منها ان لهم قرآنهم الخاص، او لانهم نحلة‏ترجع الى اعمال عبد اللّه بن سبا، او لانهم من اصول‏ يهودية، الى غير ذلك من صنوف الاوهام والتخرصات‏والبهتان. الامر الذي كان سببا مباشرا لنشوء حالة من‏التشنج، اخترقت عالم الاسلام من اقصاه الى اقصاه.

    ما يثير الارتياب الكبير، هنا، ان هذا كله حصل في وقت‏كانت الامة في امس الحاجة الى التكاتف والتضامن‏والتعاضد للتصدي للمؤامرة الاستعمارية الصهيونية ‏الكبرى. فوضع الامام رده الشهير على كتاب جار اللّه،كما ندد في ختام كتابه الفصول المهمة في تاليف الامة باولئك الاربعة ، بوصفهم انموذجا صارخا لسلوك ارعن‏وغير مسؤول، يفرق كلمة الامة، في وقت هي احوج ماتكون فيه الى وحدة الكلمة والعمل.

    خاتمة اختم كلمتي بالاشارة الى ملاحظة اراها جديرة بالتنويه،وهي التشابه المدهش بين سيرة الامام شرف الدين‏وسيرة الشهيد الثاني، (رضوان اللّه عليهما).

    فكلاهماعاش في مرحلة انفجر فيها التعصب المذهبي اشرس مايكون، وكلاهما ادرك خطورة ذلك، وعمل على معالجته‏بما ملكت يداه، فانصرف الى الاحاطة بالمذاهب‏الاخرى حديثا وفقها وكلاما، وحاور اعلامها لبناء حالة‏ من التعارف، تحل محل القطيعة المزمنة، وكلاهما دخل‏الازهر.

    واخيرا كلاهما لقي عسفا من السلطة في زمانه: الشهيدالثاني طورد من قبل السلطة العثمانية، والامام شرف‏الدين طورد من قبل السلطة الاستعمارية الفرنسية‏ وكبست داره، واحرقت مكتبته. ومضمون هذه‏الملاحظة اجمالا دليل اصالة.
    التعديل الأخير تم بواسطة : سيد مرحوم بتاريخ 08-06-08 الساعة 12:29 AM

  7. #7

    افتراضي

    المباني المعرفية لعلم الكلام
    عند السيد عبد الحسين شرف الدين
    السيد علي عباس الموسوي



    تمهيد


    شكلت كتب الامام السيد عبد الحسين شرف الدين‏مرجعا مهما للحوار المذهبي، ولا سيما كتابه المراجعات، وان كان غالب كتبه، ان لم نقل جميع ماوصل الينا منها، يتناول مسائل الخلاف المذهبي بنقدموضوعي، واسلوب رصين، ولغة ادبية امتاز بها السيدشرف الدين خصوصا وعائلة شرف الدين الموسوي‏عموما.

    وحيث ان المسائل المذهبية الخلافية كانت تشتمل على‏الاصول والفروع، فان كتب السيد شرف الدين تناولت‏كلا الامرين من دون فصل بينهما. والقيام بقراءة لكتب‏السيد شرف الدين، كما يمكن ان يكون لملاحظة‏اسلوبه الحواري ومنهجه في الحوار المذهبي، يمكن ان‏يكون لملاحظة المباني المعرفية التي يبني عليها وعلى‏اساسها كان ما خطه يراعه، وهذه المباني قد نجدها في‏المسائل الفقهية، وقد نجدها في المسائل التاريخية،وقد نجدها في المسائل الكلامية، وقد يحصل التداخل ‏بين هذه الثلاث. وما يهمنا هنا هو ملاحظة المباني‏المعرفية لعلم الكلام عند السيد شرف الدين.

    ومما لا شك فيه ان مؤلفات السيد شرف الدين قدتمحورت في قضايا الخلاف المذهبي، وضمن اطارالحوار المذهبي، وهذا من الطبيعي ان يفرض نفسه على‏آلية البحث هنا، اي ان ما سنحاول استكشافه من كتب‏السيد شرف الدين حول مبانيه المعرفية، سوف يبقى‏محكوما، للاطار الذي كان يتعاط‏ى معه بما يفرضه من‏اسلوب ومنهج.

    تقسيم البحث لن نخرج، في تقسيم البحث، عن المعروف من كون‏الادلة الاربعة هي اهم عناصر اثبات البحث الكلامي،وتقسيمنا سوف يكون ضمن الترتيب المتعارف عليه:الكتاب، فالسنة، فالاجماع، فالعقل.

    النقطة الاولى: الكتاب الكريم

    لقد بحث السيد عبد الحسين شرف الدين في مرجعية‏القرآن الكريم بوصفه نصا الهيا ضمن امور منها:

    الاول: ان الخصوصية التي يملكها القرآن، في الحوارالمذهبي، هي كونه نصا قطعيا متفقا عليه بين الفريقين،ولكن هذا الاتفاق لم يسلم من محاولة بعضهم الخدشة به عبر رمي الشيعة بالقول بالتحريف، وان‏القرآن قد سقطت منه آيات. ومن هنا يتصدى السيدشرف الدين للرد على مقولة هؤلاء، مثبتا قطعية هذاالنص الالهي، مفندا القول بتحريفه. ولاثبات هذه‏القضية تمسك السيد شرف الدين بطرق متعددة هي:

    1 - التواتر يتحدث السيد شرف الدين عن وجود تواتر على صحة‏النص القرآني الموجود بتمامه، بحروفه وكلماته‏وحركاته وسكناته، وهذا التواتر الذي يصفه بانه قطعي‏يرى انه ورد بطرق الامامية، وعن ائمة الهدى، وذلك‏يدحض دعوى المدعي، فان الشيعة تتبع الائمة من آل‏رسول اللّه( الذين رفعوا هذا النص الالهي عن جدهم‏الرسول( عن المولى عز وجل.((69)) ولعل شدة هذه التهمة على الشيعة ووضوح بطلانها،يدفعان السيد شرف الدين الى ان يكون شديد اللهجة‏في النكير على الاتهام بالتحريف، اذ يقول: وكل من‏نسب اليهم - الشيعة - تحريف القرآن فانه مفتر عليهم‏ظالم لهم لان قداسة القرآن الحكيم من ضروريات‏دينهم الاسلامي ومذهبهم الامامي، ومن شك فيها من‏المسلمين فهو مرتد باجماع الامامية، فاذا ثبت عليه‏ذلك قتل، ثم لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولايدفن في مقابر المسلمين.

    وظواهر القرآن، فضلا عن نصوصه، من ابلغ حجج اللّهتعالى، واقوى ادلة اهل الحق بحكم البداهة الاولية من‏مذهب الامامية، ولذلك تراهم يضربون بظواهرالاحاديث المخالفة للقرآن عرض الجدار، ولا يابهون بهاوان كانت صحيحة، وتلك كتبهم في الحديث والفقه‏والاصول صريحة بما نقول.

    والقرآن الحكيم الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه انما هو ما بين الدفتين، وهو ما في ايدي الناس‏لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا، ولا تبديل فيه لكلمة‏بكلمة، ولا لحرف بحرف، وكل حرف من حروفه متواترفي كل جيل تواتراقطعيا الى عهد الوحي والنبوة، وكان‏مجموعا على ذلك العهد الاقدس، مؤلفا على ما هو عليه‏الن.

    وكان جبرائيل يعارض رسول اللّه(ص) بالقرآن في كل عام‏مرة، وقد عارضه به عام وفاته مرتين. والصحابة كانوا يعرضونه ويتلونه على النبي( ص) حتى ختموه عليه مرارا عديدة، وهذا كله من الامور المعلومة الضرورية لدى‏المحققين من علماء الامامية، ولا عبرة بالحشوية فانهم‏لا يفقهون ((70)).

    2 - الظواهر القرآنية يسلك السيد شرف الدين طريقا آخر لاثبات ايمان‏الشيعة بعدم تحريف القرآن، الا وهو التزامهم بحجية‏ظواهره فضلا عن نصوصه، وتمسكهم بهذه الظواهرواعتبارهم لها من الادلة والحجج، بل من اقواها. بل، ان‏ذلك يعد من ضروريات مذهب الامامية، والشاهد عليه‏عرضهم الروايات على القرآن، وضربهم بعرض الحائط‏كل ما يخالف قول اللّه عز وجل، ولا يخفى مدى ارتباط‏الالتزام بهذا مع الالتزام بعدم تحريف القرآن لان‏الاسقاط في القرآن الكريم لو كان موجودا، وكانت‏الشيعة ممن يؤمن به، لما عملت بظواهره، ولا التزمت‏بنصوصه، ولا قامت باعتباره مرجعا لعرض روايات‏ائمتها عليه((71)) . ان هذا الجواب هو ما اجاب به‏الاصوليون ردا على طائفة الاخباريين الذين منعوا من‏العمل بالظاهر القرآني.

    هذا، والنصوص التي امرت بالرجوع الى ظاهر الكتاب‏هي على طوائف كثيرة: فطائفة دلت على وجوب‏التمسك بالقرآن لانه عدل للعترة الطاهرة، وطائفة دلت‏على عرض الشرط في المعاملات ونحوه على كتاب‏اللّه، وطائفة ثالثة دلت على عرض الروايات الصادرة‏عنهم على الكتاب الكريم، وطائفة دلت على ممارسة‏الائمة لهذا الامر واستشهاد الامام بيات من كتاب اللّه((72)).

    3 - ايجاب السورة في الصلاة مما انفردت به الامامية ايجابهم سورة كاملة في الصلاة‏ بعد الفاتحة في الركعتين الاولى والثانية، ولا يجوزالتبعيض في السور. وهذا القول هو من ادلة ثبوت هذاالقرآن عند الشيعة، وعدم التزامهم بالتحريف، والا لماكان لهذا الحكم معنى ولا امكن قيام الدليل‏عليه.((73))

    4 - دليل العقل ان ملاحظة خصوصية النبي الاكرم(، في حكمته البالغة‏ونبوته الخاتمة، وملاحظة مبلغ نظره في العواقب،واحتياطه على امته في مستقبلها، يدل على انه من‏المحال عليه ان يترك القرآن منثورا مبثوثا.

    5 - نص القرآن ان من آيات القرآن ما يدلنا على عدم امكان تحريفه،ولاثبات ذلك يذكر السيد شرف الدين آيتين من القرآن،قوله تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)[الحجر/9]، وهذه الية هي التي نتمسك بها لرد ما وردمن الروايات التي تتحدث عن التحريف. وقوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) [البقرة/2]،حيث اطلق القرآن كلمة الكتاب، وهي انما تطلق على‏الشي المدون المكتوب، والا فان الفاظ القرآن لو كانت‏محفوظة غير مكتوبة لم يصح اطلاق الكتاب‏عليها.

    وقد يثار هنا الاشكال على ذلك بما ورد على لسان‏يحيي بن زكريا في قوله: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة‏وآتيناه الحكم‏ص بيا) [مريم/12]، وعلى لسان عيسى‏بن مريم في قوله: (آتاني الكتاب وجعلني نبيا)[مريم/30 ]. ولعل هذا الاشكال هو الذي دفع السيدشرف الدين الى اعتبار ان هذه الية انما هي اشعار بماذكره، وهو اقل مراتب الظهور.

    الثاني: من الامور التي يواجه بها الاستدلال بالقرآن‏ والاحتجاج به، مسائل الظهور والنص. وهاهنا ابحاث‏ترتبط بهذا الظهور لا بد من حسم الامر فيها، وهي:

    السياق، التاويل، الروايات التفسيرية، النسخ وفهم ‏النص.

    1 -السياق القرآني هل يشكل السياق القرآني حجة يعتمد عليها في تحديدالظهور؟ وهل يكون السياق مانعا احيانا من التمسك‏بظهور ما للايات؟ لقد استخدم القرآن حجة من قبل الفريق الخر لنفي‏الاستدلال ببعض اليات على ما يتمسك به الامامية وهذه اليات تتمثل في:

    ا - قوله تعالى: (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت‏عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا فمن اضطر في‏مخمصة غيرمت جانف لاثم فان اللّه غفور رحيم) ،حيث استدل الخصم بان هذه الية انما وردت في سياق‏قوله تعالى: (حرمت عليكم‏ال ميتة والدم ولحم الخنزيروما اهل لغير اللّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردية‏والنطيحة وما اكل السبع الا ما ذكيتم‏وما ذبح على‏النصب وان تستقسموا بالازلام ذلكم فسق اليوم يئس‏الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشوني)[المائدة/3]، ومن هنا فان الية تتحدث عن تمام النعمة‏واكمال الدين من جهة التشريع، ولا ربط لها بحادثة‏الغدير واعلان ولاية امير المؤمنين على .

    ب - قوله تعالى: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس‏اهل البيت ويطهركم تطهيرا) ، حيث ان الية وردت في‏سياق الحديث عن نساء النبي لقوله تعالى: (يا نساءالنبي لستن كاحد من النساء ان اتقيتن فلا تخضعن‏بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا -وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى‏واقمن الصلاة وآتين الزكاة واطعن‏اللّه و رسوله انما يريداللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)[الاحزاب/32 و33].

    فقد استدل عكرمة ومقاتل على ان هذه الية انما وردت‏في نساء النبي لان السياق كذلك حيث كان الخطاب‏مع نساء النبي في ما سبقها من آيات.

    ج - قوله تعالى: (انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنواالذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)[المائدة/55 ]، فان المراد من الولي في هذه الية، وان‏وردت في تصدق على(ع) بخاتمه اثناء الصلاة، الناصر والمحب وذلك لان السياق في الية هو النهي عن‏اتخاذ الكافرين اولياء بمعنى الناصر والمحب.

    اما موقف السيد شرف الدين من مسالة التمسك‏بالسياق، فقد كان ضمن اتجاهات:

    الاتجاه الاول: نفي وحدة السياق القرآني من اساسه،وذلك لاننا نعلم ان القرآن الحكيم لم يرتب في الجمع‏على حسب ترتيبه في النزول، واذا كان كذلك فلا يبعدان تكون الية الا ولى التي تتحدث عن كمال الدين‏وتمام النعمة قد زجت ضمن آيات التحريم لغرض ما اولجهل او لغير ذلك.((74)) ويتمسك السيد شرف الدين‏لاثبات ذلك من جهة بالاجماع لدى كل المسلمين، بل‏له قول واحد لا ثاني له. ومن جهة اخرى بملاحظة آيات‏القرآن وسوره نفسها، فان الاغلب من اواخره مكي،والاكثر من اوائله مدني((75)).

    هنا تشكل نقطة الاشكال على السياق، وهي نفيه‏موضوعيا بسبب امر خارجي، وهي ان القرآن لم يكن‏مرتبا بحسب النزول حتى يكون ذا سياق واحد.

    الاتجاه الثاني: ان السياق انما يصح التمسك به مع فرض‏احرازنا عدم خروج المتكلم عنه الى سياق آخر، وهذا ماتم في الية التالية، وان السياق وان كان في مقام ذم اتخاذالمشركين اولياء بمعنى اتخاذهم انصارا ومحبين، فان‏الية خرجت عن سياق الذم الى الثناء على اميرالمؤمنين وترسيخه للزعامة بتهديد المرتدين لان الية‏التي قبلها بلا فصل هي قوله: (يا ايها الذين آمنوا من‏يرتد منكم عن دينه فسوف ياتي اللّه بقوم يحبهم‏ويحبونه اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين ‏يجاهدون في سبيل اللّه ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل‏اللّه يؤتيه من يشاء واللّه واسع عليم) [المائدة/54]،وهذا نفي الوحدة في السياق((76)) من جهة ملاحظة لغة‏القرآن وطريقته في تناول الموضوع، وانحلاله الى‏البحث عن قضيتين لا عن قضية واحدة.

    الاتجاه الثالث: ان وحدة السياق انما تكون متبعة مع‏عدم ورود الدليل النافي لها، ولذا يقول السيد شرف‏الدين: ان المسلمين متفقون على ان الادلة اذا عارضت‏السياق فهي المرجحة على السياق، والبعد التحليلي‏لهذا الترجيح عند السيد شرف الدين يرتبط بعدم‏الوثوق، مع ورود الدليل المعارض لوحدة السياق بنزول‏الية فيه.((77)) واضافة الى ذلك فان الاخلال بالسياق لايخل بالاعجاز ولا يضر بالبلاغة، فلا بد من المصير اليه‏مع دلالة الادلة عليه((78)) .

    2 - التاويل تشكل مسالة التاويل اساسا في البحث عن مرجعية‏القرآن المعرفية، كيف وقد كان التاويل عاملا اساسيا في‏كل الصراعات التي حفل بها التاريخ الاسلامي. ومنذالبداية حيث حصل ما حصل بعد وفاة النبي (ص) ، وامام ماقام به الصحابة من ارساء قواعد الخلافة لغير اميرالمؤمنين على(ع)، كان لا بد من اللجوء الى التاويل لماورد من النص على( ع)، ولعل الداعي الى ذلك دحض‏حجة من يتمسك بتلك اليات، او تبرئة ساحة الصحابة‏من اتهامهم بمخالفة النص الصريح. لقد تم اعتبار قاعدة‏لزوم حمل عمل الصحابة على الصحة دليلا على لزوم‏تاويل الكتاب، ولكن السيد شرف الدين يرفض فكرة‏التاويل هذه ضمن امرين:

    الاول: ان التاويل، لكي يتم ويكون صحيحا ومقبولا، لابد من ان يكون النص المراد تاويله قابلا لذلك،والنصوص الواردة من آية كمال الدين او الوصية لا تقبل‏ذلك.

    والثاني: هل يصح ان يكون عمل الصحابة عاملا صحيحا لتاويل النص؟ يناقش السيد شرف الدين في‏ذلك من جهة ان عمل الصحابة هذا لا يصح ان يكون‏مستندا للتاويل لعدم عصمتهم عن الذنب او عن الخطامن جهة ولاننا نستطيع ان نجد وجوها اخرى نحمل‏عليها عمل الصحابة مما ورد على السنتهم هم، من قبيل ‏انهم انما كانوا يلتزمون ويتعبدون بالنص في ما يرد بامرعبادي من دون الا مور التدبيرية من جهة اخرى، قال‏السيد شرف الدين: «اما الخلفاء الثلاثة واولياؤهم، فقدتاولوا النص عليه بالخلافة للاسباب التي قدمناها، ولاعجب منهم في ذلك بعد الذي نبهناك اليه من تاولهم‏واجتهادهم في كل ما كان من نصوصه، متعلقا بالسياسات والتاميرات، وتدبير قواعد الدولة، وتقريرشؤون المملكة، ولعلهم لم يعتبروها كامور دينية، فهان‏عليهم مخالفته فيها»((79)) .

    3 - في التفسير الروائى أعتمد السيد شرف الدين، في العديد من المواطن، على‏التفسير الروائي، اي على ما ورد في تفسير آيات الكتاب‏من امور مذهبية لا سيما ما ورد منها في امامة على،والروايات التفسيرية هذه منها ما ورد بطرق الفريقين،ومنها ما ورد بطرق الامامية. كما في قوله تعالى (واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا) [آل‏عمران/103]، وقوله تعالى: (وكونوا مع‏الصادقين )[التوبة/119]، وغيرها من اليات((80)) .

    4 - في النسخ مسالة النسخ في القرآن من اهم ما يمكن ان يكون اثارة‏للجدل في الابحاث الكلامية، وخصوصية المعرفة‏الحقيقية بالقرآن تتمثل بمعرفة الناسخ من المنسوخ.يشير السيد، في طيات ابحاثه في كتبه، الى ان مسالة‏النسخ لا يصح اللجوء اليها اذا كان التنافي الدلالي بين‏اليتين مرفوعا لوجه من وجوه الجمع، او لوضوح عدم‏التنافي.

    ففي معرض رد السيد شرف الدين على من ادعى ان قوله‏تعالى: (قل ما سالتكم من اجر فهو لكم ان اجري الا على‏اللّه وهو على كل شي شهيد) [سبا/47]، ناسخ لقوله ‏تعالى:

    (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى)[الشورى/23.].

    يقول السيد: ان النسخ حتى يتم لا بد من ان يكون هناك‏تناف بين اليتين، وهو هنا غير موجود، فان معنى آية‏الشورى: ما سالتكم على اداء رسالتي شي من الاجر الامودة قرابتي. ومعنى آية سبا: اني ما سالتكم على‏رسالتي شيئا من عرض الدنيا، والذي طلبته منكم في ‏سورة الشورى انما هو لكم لا لي لان قرابتي حجج اللّه البالغة لديكم((81)) .

    كما يشير السيد شرف الدين الى امر آخر، وهو ان النسخ‏يتوقف ايضا على ملاحظة المتقدم والمتاخر، فان‏الناسخ لا بد من ان يتاخر عن المنسوخ، ولذا فان المكي‏لا ينسخ المدني، وهذا امر ذكره السيد شرف الدين((82)) في مسالة دعوى ان قوله تعالى:

    (والذين هم لفروجهم ‏حافظون - الا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم فانهم‏غير ملومين) [المؤمنون/5 و6]، ناسخ لية المتعة،وهي قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن‏فتوهن‏اجورهن فريضة) [النساء/24 ]. وهذه المسالة‏وان لم تكن كلامية، بل هي فرعية، ولكنها ترتبط‏بوضوح ببحث النسخ في القرآن.

    5 - في فهم النص القرآني ان القرآن ورد بلغة العرب، وفي اساليب تلك اللغة، وماتحدى العرب الا على طرائقهم في مجازاتهم وحقائقهم،ولذا كان لا بد من ملاحظة خصوصيات النص القرآني،وهذه الخصوصيات تتمثل في امرين:

    احدهما: ملاحظة الخصوصية البيانية للغة العربية، فان‏اللغة العربية تحمل اسلوب التصوير والتمثيل، وقد وردالعديد من اليات القرآنية بهذه اللغة، وقد ذكر السيدشرف الدين العديد من هذه اليات، واهمها آية الميثاق (واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم‏واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا ان‏تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين)[الاعراف/172]، حيث يقول: ظاهر الاية انها جاءت‏على سبيل التمثيل والتصوير، فمعناها: واذكر يا محمد ما قد واثقوا اللّه عليه بلسان حالهم التكويني من الايمان‏والشهادة له بالربوبية.

    وكذلك من تلك الايات التي وردت على ذلك الاسلوب‏ قوله تعالى: (انا عرضنا الامانة على السموات والارض‏والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان‏انه كان ظلوما جهولا) [الاحزاب/72]، قال: «لان عرضهاعلى السماوات والارض والجبال لم يكن الا على سبيل‏التمثيل والتصوير تقريبا للاذهان، وتعظيما لامر الامانة،واكبارا لشانها»((83)) .

    ثانيهما: ملاحظة خصوصية الظروف المحيطة التي نزل‏في اطارها النص القرآني، فان خلود النص القرآني لايمنع من وروده ملاحظا الخصوصيات التي رافقت‏نزوله. ومن هنا، فان اللغة المستخدمة فيه ترد بنحومعين مراعاة لهذه الظروف، وهذا ما قدمه السيد شرف‏الدين في معرض رده على اعتراض المعترض على ورودقوله تعالى: (انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذين‏يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة...) [المائدة/55]، بان هذه‏الاية كيف تكون نزلت في على(ع) وهو مفرد، والية انماوردت بصيغة الجمع.

    وجواب السيد شرف الدين هو انه انما جاء بعبارة‏الجمع من دون عبارة المفرد بقيا منه تعالى على كثير من‏الناس، فان شانئي على، واعداء بني هاشم، وسائرالمنافقين، واهل الحسد والتنافس لا يطيقون ان ‏يسمعوها بصيغة المفرد، اذ لا يبقى لهم حينئذ مطمع في ‏تمويه، الى ان يقول: ولو كانت الية بالعبارة المختصة‏ بالمفرد، لجعلوا اصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم،واصروا واستكبروا استكبارا، وهذه الحكمة مطردة في‏كل ما جاء في القرآن الحكيم من آيات فضل اميرالمؤمنين واهل بيته الطاهرين كما لا يخفى، وقداوضحنا هذه الجمل، واقمنا عليها الشواهد القاطعة،والبراهين الساطعة في كتابينا:

    سبيل المؤمنين، وتنزيل‏اليات‏»((84)) .

    ان منهج القرآن سار على هذا النحو من ملاحظة تلك‏الظروف المحيطة، ولكن عدم توافر كتابي السيدالمذكورين هو مدعاة للاسف لان ملاحظة منهج السيد شرف الدين في هذا الامر يثري البحث القرآني -الكلامي.

    النقطة الثانية: السنة الشريفة المصدر الثاني

    بحسب الترتيب المعروف، هو السنة‏النبوية، وضمن هذه السنة ابحاث:

    الاول: في اثبات السنة الشريفة

    1 - التوات لا يخفى كون التواتر من اهم طرق الاثبات للسنة النبوية‏او ما ورد عن الائمة، بل هو من اعلاها درجة لانه مثبت ‏لها بنحو علمي لا ظني، وهذا التواتر كما يكون لفظيايكون معنويا. وفي التواتر يبحث السيد شرف الدين عن‏حديث الغدير، محاجة منه لمن انكر تواتره من طرق‏الفريق الخر، وذلك عبر ادخال عامل كيفي وهو من‏جهة ملاحظة العوامل الخارجية، فان حديث الغدير قدالقي بمنظر ومسمع من الالوف المجتمعة من اماكن‏شتى، و هذا يجعل النواميس الطبيعية تقضي بتواتره‏وتناقله على الالسن كافة، ومن جهة اخرى فان هذاالحديث قد نزلت في شانه آية من القرآن، وهي قوله‏تعالى:

    (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم‏تفعل فما بلغت رسالته واللّه يعصمك من الناس ان اللّهلا يهدي القوم الكافرين) [المائدة/67]، وذلك من جهة‏ان اهتمام المسلمين بالقرآن ترتيلا وتفسيرا،وملاحظتهم لاسباب النزول، يقضي بان يكون هذاالحديث متواترا((85)) .

    2 - خبر الواحد ما هي قيمة خبر الواحد في علم الكلام او في‏الاعتقاديات، هذا هو اول سؤال يمكن ان نطرحه هنا،والسيد شرف الدين يؤكد ان خبر الواحد مع صحته انمايكون حجة في الفروع لا في العقائد، وهذا امر معروف‏في اصول الفقه مفروغ عنه. وهذا ما طرحه السيد شرف‏الدين لرفض بعض الروايات الواردة في كتب الفريق‏الخر عن رؤية اللّه عز وجل. قال: على ان هذين‏الحديثين وسائر الاحاديث التي تشبث بها القائلون‏بالرؤية، لو فرض صحتها متنا وسندا، لا تخرج بالصحة‏عن كونها من الحاد، وخبر الواحد مع صحته انما يكون‏حجة في الفروع لا في العقائد((86)) .

    ولكن هذا لا يعني اسقاط الخبر من اساسه، فالخبر اذاكان ورد لتفسير آيات الكتاب الكريم - او اذا كان من‏المتواتر الذي يخرج عن خبر الواحد- فانه يكون عنصراثبات في الاعتقاديات، ولكن هل المدار على العدالة اولا بد من وحدة المذهب، او ان الوثاقة تكفي للقبول‏بالخبر، ينص السيد شرف الدين على الاكتفاء بالوثاقة‏عند دفع اشكال من يرفض الاستدلال بروايات ورد في‏طريقها من هو من الشيعة((87)) ، فان الكذب من الكبائرعند الشيعة، ورجال الشيعة الثقات لا يمكن صدورالكذب منهم، فالاعتماد على اخباراتهم مما لا محيص‏منه.

    نعم للسيد شرف الدين موقف من نوعين من انواع‏الحديث:
    اولا: يبحث السيد شرف الدين عن العلاقة بين الحديث‏والعقل، فلا يعني ورود الحديث، حتى لو كان في‏الكتب المعتبرة او في الصحاح المعروفة لدى الفريق‏الخر، اعتباره اذا كان مما يستحيل عقلا، ومثالا على‏ذلك يذكر السيد شرف الدين ما اخرجه الشيخان في‏صحيحيهما، والامام احمد في مسنده وغيرهم في‏فضائل النبي موسى (ع)، عن ابي هريرة مرفوعا قال:

    «كانت‏بنو اسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم الى سواة‏بعض، وكان موسى ( ع) يغتسل وحده. فقالوا: واللّه مايمنع موسى ان يغتسل معنا الا انه آدرف اي عظيم‏الخصيتين - قال: فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على‏حجر، ففر الحجر بثوبه. قال: فجمح موسى باثره يقول:ثوبي حجر! ثوبي حجر ! حتى نظرت بنو اسرائيل الى‏سواة موسى. فقالوا: واللّه! ما بموسى من باس.

    فقام الحجر بعد، حتى نظر اليه. قال: فاخذ موسى ثوبه‏فطفق بالحجر ضربا».

    قال ابو هريرة: واللّه! انه بالحجر ندب ستة او سبعة ‏ط ‏الحديث((88)) .

    ويقف السيد امام هذه الرواية قائلا: «وانت ترى ما في‏هذا الحديث من المحال الممتنع عقلا، فانه لا يجوزتشهير كليم اللّه بابداء سواته على رؤوس الاشهاد من‏قومه لان ذلك ينقصه ويسقط من مقامه‏»((89)) .وهذا الموقف من قبل السيد شرف الدين لا يقتصر على خبر الواحد حتى يقال انه مرفوض لعدم كونه‏عنصر اثبات في الاعتقاديات، بل ان هذا ياتي حتى في‏الخبر المتواتر الذي يملك قيمة اثباتية في الاعتقاديات،ولذا يتحدث السيد شرف الدين في بحث الرؤية عن‏الروايات التي تتحدث عن امكانية رؤية الواجب تعالى،حيث يقول: ان التواتر لو فرض حصوله لوجب تاويله ‏او رد العلم بالمراد منه الى اللّه تعالى((90)) .

    ثانيا: يرفض السيد شرف الدين الروايات الواردة من قبل‏من يسميهم غلاة المفوضة، ومثاله موقفه من الروايات‏الواردة في نزول آيات من القرآن في كفر فلان وفلان،ويتمسك لرد ذلك بيات من القرآن فيقول: ومن تدبرآيات المنافقين في الذكر الحكيم وجدها تعطفهم على‏الكفار تارة نحو قوله تعالى: (يا ايها النبي جاهد الكفاروالمنافقين واغلظ عليهم وماواهم‏جهنم وبئ س المصير)[التوبة/73]، وتعطف الكفار عليهم تارة اخرى، نحوقوله عز اسمه: (وعد اللّه المنافقين والمنافقات والكفارنار جهنم خالدين فيها) [التوبة/68]، وهذا يشعر بتغايرهما، فالقرآن اذن لا يكفر المنافقين مع ما كانواعليه من الايذاء لرسول اللّه، والسعي في اطفاء نور اللّه،وقد صدع بذمهم ولعنهم ووعيدهم، ومع هذا كله فقد فتح لهم بابا الى رحمته الواسعة، اذ قال عز من قائل ( ويعذب المنافقين ان شاء او يتوب عليهم ان اللّه كان‏غفورا رحيما) [الاحزاب/24].((91)) والموقف نفسه نجده لدى السيد شرف الدين في‏الروايات الواردة بان عليا طلق فلانة، ويتمسك لاثبات‏عدم اعتبار مثل هذه الاخبار بالاجماع على عدم‏اعتبارها((92)) .

    الثاني: في دلالة الحديث

    للبحث في دلالة الحديث جهات متعددة، ومن الجهات‏التي تعرض لها السيد شرف الدين في طيات ابحاثه:

    1 - عموم الروايات العموم في الرواية يثبت عادة بحسب اهل اللسان‏والعرف، وهذا ما تمسك به السيد شرف الدين قبال من‏ادعى عدم العموم في حديث المنزلة، وهو قول النبي لعلى :اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من‏موسى الا انه لا نبي بعدي، فان العموم في هذا الحديث‏مما يعرفه كل اهل الضاد، وذلك من جهتين:

    عموم اسم‏الجنس المضاف واستفادة العرف ذلك منه والاستثناء للنبوة حيث انه لم يستثن من جميع المنازل الاالنبوة((93)) .

    2 - المورد لا يخصص الوارد فقد حاول بعضهم دفع الاستدلال بحديث المنزلة بانه‏انما نزل في خصوص غزوة تبوك، ولكن السيد يدفع‏ذلك بالقاعدة المؤسسة في محلها من كون المورد لايخصص الوارد، ويحيل هذه القاعدة الى وجدان‏الانسان، ممثلا لذلك بما لو رايت الجنب يمس آية‏الكرسي فقلت له: لا يمسن القرآن محدث.

    ايكون هذاخاصا بمورده ام عاما شاملا لجميع آيات القرآن ولكل‏محدث؟ وهكذا العرف فانه ايضا يقضي بعدم تخصيص‏الكلام بمورده. ومن الشواهد الخاصة التي يوردها السيدشرف الدين على عدم تخصيص الحديث بمورد نزوله،هو ان حديث المنزلة قد صدر من النبي(ص) في وقائع ‏مختلفة، ولم يختص بغزوة تبوك((94)) .

    الثالث: النسخ في الرواية

    تعد مسالة النسخ من اكثر القضايا جدلا في الحوارات‏المذهبية، ومن عوامل اللجوء الى النسخ ذلك التصادم‏الذي حصل بين الروايات وبين عمل الصحابة، فاذا كان‏حديث الدار نصا في مسالة الامامة والولاية لعلى(ع) من‏بعد النبي(ص)، واذا كان الصحابة قد اعرضوا عن هذاالحديث عمدا بعد وفاة النبي(ص)، فلا بد من ان يكون هذاالحديث منسوخا. ولكن السيد شرف الدين يثبت‏استحالة النسخ في هذه الرواية عقلا وشرعا.

    اما عقلا، فلان النسخ قبل حضور وقت العمل مستحيل.واما شرعا، فلعدم ثبوت اعراض النبي( ص) عن هذاالحديث، بل ان ما ورد عن النبي(ص) بعد هذا من احاديث‏يؤيد ذلك، واعراض الصحابة عنه لا يوجب ‏نسخه((95)) .
    التعديل الأخير تم بواسطة : سيد مرحوم بتاريخ 08-06-08 الساعة 12:43 AM

  8. #8

    افتراضي

    الرابع: الدلالات العرفية والعقلية

    اذا كانت السنة حجة في مدلولها المطابقي، فهي حجة‏في مدلولها الالتزامي ايضا، وذلك في المدلول‏الالتزامي اللازم بالمعنى الاخص. واذا كانت النصوص‏الواردة في امامة الامام على(ع) قد وردت بالمطابقة، فهي‏ايضا قد وردت بالالتزام، مثل قوله: علي مع القرآن‏والقرآن مع على لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فان‏هذه الرواية وامثالها قد اعطت عليا من المنازل المتعالية‏ما لا يجوز على اللّه تعالى وانبيائه ورسله اعطاؤها الالخلفائهم وامنائهم على الدين واهله((96)) .

    الخامس: تاويل الروايات

    لقد تمت مواجهة النصوص الروائية الواردة بالامامة‏والولاية لعلى (ع) باساليب شتى، ولعل من هذه الاساليب‏تاويل هذه النصوص، فان في التاويل طريقا للفرار من‏مشكلة مخالفة النص، وهذا الامر كما حدث بالنسبة‏لبعض اليات، حدث بالنسبة للنصوص الروائية. فقد تم‏اللجوء الى التاويل لاغراض معينة، فان العرب لم ترض‏ان تكون الامامة والخلافة حصرا في بيت واحد. وهذاهو الدافع الاساسي لاولئك الذين قاموا بعملية الرفض‏لهذه النصوص بعد وفاة النبي (ص) مباشرة، فيما قام من‏لحقهم من المسلمين بتاويل هذه النصوص بدافع ‏تسويغ فعل المتقدمين.

    فاذا كان رفض العمل بهذه الروايات قد تم من قبل‏الصحابة، فان اصلا آخر يحكم على عقلية التابعين، الاوهو حمل عمل الصحابة على الصحة. واذا كان السبب‏الذي دفع الاوائل الى رفض تلك النصوص هو مصالح اومطامع ارتاوها، فان الذي دفع اللاحقين لهم تصحيح‏عمل اولئك.

    ومن هنا يرفض السيد شرف الدين عملية التاويل هذه،وعوامل الرفض هذه تشترك في كل حديث يتم العمل‏على تاويله، فلا بد من الوقوف موقف الرافض لذلك،وهذه بعض الامور التي ذكرها السيد شرف الدين لرفض‏التاويل:

    1 - السياق الروائي

    ان تاويل الرواية حتى يكون صحيحا لا بد من ان يتلاءم‏مع سياق الرواية. ومن هنا، فان الجواب عمن حاول‏ تاويل المراد من كلمة مولى في حديث الغدير الى‏معنى المحب والناصر، هو بعدم انسجام ذلك مع سياق‏الرواية، ويكفي لذلك التدبر باللغة والاسلوب الذي‏وردت فيه الرواية، فنعي النبي(ص) نفسه من جهة «يوشك‏ان ادعى فاجيب‏»، وطلب النبي( من القوم الشهادة‏باصول الدين من الشهادتين والقيامة((97)) .

    وكذلك يشهد السياق مرة اخرى على نفي اي تاويل‏للرواية، فان من التاويلات التي قدمت لحديث الغديرهو الاعتراف والاقرار بان الرواية ارادت ان تجعل الولاية‏لعلى( ع)، ولكنها لم ترد ان تجعل ذلك فعلا، بل الولاية هناهي الولاية الملية اي ان الولاية سترجع الى على(ع) ،ولكن بعد ولاية الخلفاء الثلاثة.

    وهنا يتمسك السيد شرف الدين بعموم الحديث لمنع‏هذا التاويل لان عموم الحديث يفيد ان عليا له الولاية‏حتى على الثلاثة، فاذا اردنا ان نلتزم بهذا التاويل، فهذايعني الخروج عن العموم الوارد في الحديث((98)) .

    2 - خصوصيات الرواية

    اننا لاجل تاويل الرواية لا بد من ان نلحظ الخصوصيات‏التي وردت فيها، اي القرائن الخارجية التي احتفت‏بصدور الرواية، فلا يمكن اغفال تلك القرائن والذهاب‏بعيدا في التاويل، ولذا يرفض السيد شرف الدين مقولة‏من ذهب الى تاويل كلمة المولى في حديث الغديرالى معنى الناصر والمحب لان القرائن الخارجية تابى‏ذلك، وهي منع النبي(ص) الالوف من المسير، وحبسهم في‏رمضاء الهجير، وارجاع من تقدم، والحاق من تاخر من‏غير كلا ولا ماء، فان هذا كله لا ينسجم مع مقولة:

    ان‏مراده ان يقول لهم ان عليا(ع) هو المحب والناصر له ‏فقط((99)) .

    السادس: فقه الحديث

    ان فهم النص الديني الوارد عن النبي(ص) يحتاج الى وجود الامام لدى القارئ لهذا النص بخصوصياته، وهذه‏الخصوصيات يمكن الحديث عنها ضمن ‏تصنيفين:

    التصنيف الاول: خصوصيات اللغة العربية، فان اللغة‏التصويرية المستخدمة في اللغة العربية قد استخدمت‏في لسان الروايات لان الروايات وردت بلغة العرب‏بكل ما تحمله هذه اللغة من اساليب ووسائل. ومن هنا،فان الاستغراب او التوقف في بعض النصوص قد يكون‏نتيجة عدم ملاحظة هذه الاساليب، ومثال ذلك العديدمن الصحاح الصريحة ببكاء الارض والسماء على سيدالشهداء، وخامس اصحاب الكساء، اذ بكته الشمس‏بحمرتها، والفاق بعبرتها، وطبقات الارض بزلزالها،والطير في اجوائها، وحجارة بيت المقدس بدمائها،وقارورة ام سلمة بحصياتها..

    يقول السيد شرف الدين: وانت تعلم ان بكاء تلك‏الاجرام لم يكن على ظاهره، وانما كان مجازا على سبيل‏التمثيل، اكبارالتلك الفجائع، وانكارا على مرتكبيهاوتمثيلا لها((100)) .

    التصنيف الثاني: ملاحظة تاريخ الرواية، اي الظروف‏المحيطة بالنص والتي يكون لها نوع من الحكومة على‏هذا النص، وعلى اللغة المستخدمة فيه.

    النقطة الثالثة: العقل

    ان ترك الايمان بالعقل، كما فعل الاشاعرة، مبالغة منهم‏في الايمان بالشرع سوف يستلزم ان لا يقوم الدليل على‏ثبوت الشرع. فالعقل هو العنصر المثبت للشرع، ولايملك الشرع اثباتا ذاتيا، ولذا كانت معرفة اللّه وعبادته ‏موقوفة على العقل ولولا العقل، لما حصلتا.

    والعقل فطرة الهية فطر اللّه بها عباده، وجعله وسيلة‏لمعرفة حقائق الاشياء((101)) ، هذا هو العقل الذي‏يتحدث عنه السيد شرف الدين مبديا اهميته.

    اولا - رؤية اللّه يعد العقل اصلا اساسيا في علم الكلام، ولعلنا نجدالكثير من المفردات التي دار حولها الجدل الكلامي،والتي كان العقل فيها المستمسك الاقوى لدى الامامية ‏لرد مقولات مخالفيهم، ومن هذه المقولات مسالة رؤية‏اللّه. والامامية ذهبت الى استحالة الرؤية بالمعنى الذي‏يحمل عليه اهل الظاهر اليات الواردة في الرؤية، وان‏المراد من ذلك الرؤية البصرية. ويتحدث السيد شرف‏الدين في رسالة عقدها لذلك، على ان الرؤية البصرية لايمكن وقوعها الا ان يكون الرائي في جهة ومكان‏ومسافة خاصة بينه وبين رائيه، ولا بد من ان يكون‏مقابلا لعين الرائي، ذلك كله ممتنع على اللّه تعالى،مستحيل باجماع اهل التنزيه من اشاعرة وغيرها((102)).

    اذن، الاستحالة من جهتين: تتمثل الاولى منهما باستلزام‏الرؤية لكون اللّه عز وجل بحاجة الى مكان، واللّه هوالغني وتتمثل الثانية بان الرؤية تستلزم خلو اللّه من‏مكان لان وجوده في مقابل الرائي يعني عدم كونه في‏الجهة المخالفة، واللّه لا يخلو منه مكان.

    ثانيا - الحسن والقبح العقليين ان قضية حسن العدل وقبح الظلم ثابتة بما لا مجال‏للانكار، واذا اراد بعض الاحتجاج على عدم صحتهابذهاب الاشاعرة الى نفيها، فان السيد شرف الدين يثبت‏هذه القضية بامرين:

    1 - البداهة والضرورة، فان هذه القضية ليست اقل من‏جزم العقلاء بان الواحد نصف الاثنين.

    2 - ان منكري الشرائع يحكمون بهذه القضية، ويرتبون‏على العدل الثناء وعلى الظلم الذم، ومستندهم في ذلك‏هو العقل من دون غيره((103)) .

    ثالثا - العقل لاثبات الامامة وتواتر القرآن يشكل العقل دليلا على ضرورة الامامة، فان الوصية من‏قبل النبي (ص) بالشريعة، وبقيم تتم للّه بها الحجة ممايحكم به عقل الانسان ووجدانه. وكذلك يحيل هذاالعقل ان يترك النبي( ص) القرآن مبثوثا منثورا من دون ان‏يجمعه بنحو يتم به حفظه.

    ان حكم العقل هذا ينبثق من ملاحظة خصوصية النبي‏الاكرم( ص) الذي حفظ الشريعة التي جاء بها وجاهد من‏اجلها. وحفظها يقتضي بحكم العقل مجموعة من‏الامور، ويتمثل اثنين منها في الوصية بالامامة وجمع‏القرآن.

    النقطة الرابعة: الاجماع والسيرة

    شكل الاجماع عنصرا استند اليه السيد شرف الدين في‏العديد من الموارد، لا سيما في اثبات نزول بعض‏اليات في على(ع)، كية الولاية، و في اهل البيت (ع) كاية‏التطهير. ولا شك في ان الاجماع الذي استدل به السيدهو اجماع ملزم للخصم لانه اجماع من قبلهم، ولعل‏الاجماع في الموارد التي استدل بها لا يعدو عن كونه‏احتجاجيا لان القضايا التي يستدل بها السيد شرف‏الدين للاجماع فيها نصوص متواترة عن العترة الطاهرة،وذلك كما في نزول آية الولاية في على(ع) ، فان تواترالنصوص يمنع من حجية مثل هذا الاجماع على مسلك ‏الشيعة، اذ يكون مثل هذا الاجماع مدركيا.

    ولذا فان السيد شرف الدين يذكر تواتر روايات الشيعة‏في المسالة قبل الاجماع لانه المدرك الاولى بالاعتمادمن الاجماع، ولكن الاجماع حيث كان يملك قيمة‏اثبات كبرى عند الخصم يذكره السيد في كلامه‏احتجاجا.

    وهذا الاحتجاج المذهبي نشهده بوضوح في رد السيد شرف الدين على من تمسك بالاجماع لاثبات صحة‏ خلافة الخليفة الاول، والسر في ذلك هو ان الاجماع لايثبت الامامة والولاية اطلاقا عند الشيعة، بل الامامة‏عندهم انما تثبت بالنص خاصة، ولكن السيد شرف‏الدين يبتعد عن النقاش مبنائيا، ليناقش بنائيا فيخدش‏في دعوى الاجماع هذه من جهتين:

    الاولى: اثبات عدم انعقاد مثل هذا الاجماع، سواء عبراثبات مخالفة بعض الانصار او بني هاشم ام من خلال‏النصوص الواردة عن اصحاب القضية، والتي تدل على‏ان مسالة البيعة والخلافة لم تكن اجماعا بقدر ما كانت‏فجاة وارتجالا((104)) .

    الثانية: ان هذا الاتفاق ان فرض التسليم بانعقاده بعد مدة،ولكن لا بد من ملاحظة جهات الفعل من قبل‏المجمعين، او فقل معقد الاجماع. فهل كان اجماعا على‏عقد الخلافة او انه كان اجماعا على التسليم للواقع لاجل‏حفظ امة الاسلام من الضياع؟ يقول السيد: «فان لعلى (ع) والائمة المعصومين من بنيه‏مذهبا في مؤازرة اهل السلطة الاسلامية معروفا، وهوالذي ندين اللّه به... وحاصله ان من رايهم ان الامة‏الاسلامية لا مجد لها الا بدولة تلم شعثها، وتراب‏صدعها، وتحفظ ثغورها، وتراقب امورها، وهذه الدولة‏لا تقوم الا برعايا تؤازرها بانفسها واموالها، فان امكن ان‏تكون الدولة في يد صاحبها الشرعي وهو النائب في‏حكمه عن رسول اللّه (ص) نيابة صحيحة - فهو المتعين لاغير.

    وان تعذر ذلك، فاستولى على سلطان المسلمين‏غيره، وجبت على الامة مؤازرته في كل امر يتوقف عليه‏عز الاسلام ومنعته، وحماية ثغوره وحفظ بيضته، ولايجوز شق عصا المسلمين، وتفريق جماعتهم بمقاومته،بل يجب على الامة ان تعامله - وان كان عبدا مجدع‏الاطراف - معاملة الخلفاء بالحق، فتعطيه خراج الارض‏ومقاسمتها، وزكاة الانعام وغيرها، ولها ان تاخذ منه‏ذلك بالبيع والشراء، وسائر اسباب الانتقال، كالصلات‏والهبات ونحوها، بل لا اشكال في براءة ذمة المتقبل‏ منه بدفع القبالة اليه، كما لو دفعها الى امام الصدق،والخليفة بالحق، هذا مذهب على والائمة الطاهرين من‏ بنيه‏»((105)) .

    نعم، استخدم السيد شرف الدين الاجماع عنصرا لتحديدالمراد من بعض آيات القرآن، فمثلا في آية التطهير يقول‏السيد: ان اجماع اهل القبلة على ان الية نزلت في‏الخمسة اصحاب الكساء((106)) .

    واما السيرة فان النقاش الاساسي للسيد شرف الدين فيهايرتكز على ملاحظة هذه السيرة من جهة انها متى تشكل‏عنصر اثبات؟ لان السيرة التي يستدل بها، هي سيرة‏السلف الصالح، وهنا ياتي السؤال بان الخلف الصالح‏هم نصف المسلمين((107)) ، فمخالفتهم الا تضر بانعقادمثل هذه السيرة؟

  9. #9

    افتراضي

    الامام شرف الدين والمسالة الكلامية - رؤية اللّه أنموذجا


    ا. محمد الانصاري القمي

    بدع واساطير بعد انتشار الاسلام في الجزيرة العربية، ودخول الناس‏ في الاسلام زرافات ووحدانا، لم يجد اليهود والنصارى ‏المتواجدون فيها محيصا الا الاستسلام، فدخلوا فيه‏ متظاهرين به، غير معتقدين بتعاليمه، غالبا، الا من ‏شملتهم العناية الربانية منهم، وكانوا قليلا، ولكن‏الاغلبية الساحقة منهم، خصوصا الاحبار والرهبان بقوا على ما كانوا عليه من العقائد السابقة.

    وبما انهم كانوا من اهل الكتاب، عارفين بما في العهدين ‏من القصص والحكايات والاصول والعقائد، مهدوا الى‏نشرها بين المسلمين بخداع خاص، وبطريقة تعليمية.ولما كانت السذاجة تغلب على عامة المسلمين، تلقواهؤلاء بوصفهم علماء ربانيين، يحملون العلم، فاخذوا مايلقونه اليهم بقلب واع ونية صادقة، وبالتالي نشر هؤلاءفي هذا الجو المساعد كل ما عندهم من القصص ‏الانحرافية والعقائد الباطلة، خصوصا في ما يرجع الى‏التجسيم والتشبيه وتصغير شان الانبياء في انظارالمسلمين، باسناد المعاصي الموبقة اليهم، والتركيز على‏القدر وسيادته في الكون على كل شي، حتى على ارادة‏اللّه سبحانه ومشيئته.

    ولم تكن رؤية اللّه باقل مما سبق في تركيزهم عليها،لذلك ترى في كتب الحديث، قديما وحديثا، الاخبارالكثيرة عن التجسيم، والتشبيه، والقدر السالب‏للاختيار، والرؤية، ونسبة المعاصي الى الانبياء، فذلك‏كله من آفات مسلمة اليهود والنصارى.

    فقد حسب المسلمون هذه الاخبار حقائق راهنة، وقصصا صادقة، فتلقوها بقبول حسن، ثم نشرها السلف ‏بين الخلف، ودام الامر على ذلك.

    ومن العوامل التي افسحت المجال للاحبار والرهبان‏لنشر ما في العهدين بين المسلمين، النهي عن تدوين ‏حديث الرسول(ص) ونشره ونقله والتحدث به اكثر من مئة ‏سنة، فاوجد الفراغ الذي خلفه هذا العمل ارضية مناسبة‏لظهور بدع يهودية ونصرانية، وسخافات كتابية،واساطير يهودية، خصوصا من قبل الكهنة‏والرهبان.((253)) فقد كان التحدث بحديث الرسول (ص) امرا مكروها، بل‏ محظورا من قبل الخلفاء، من الخليفة الاول الى عصرعمر بن عبد العزيز (19 -101ه‏-)، بل الى عصرالمنصور العباسي (143ه‏-)، ولكن كان المجال‏للتحدث بالاساطير من قبل هؤلاء امرا مسموحا به، فهذاهو تميم بن اوس الداري من رواة الاساطير، وقد اسلم‏سنة تسع للهجرة، وهو اول من قص بين المسلمين‏واستاذن عمر بن الخطاب في ان يقص على الناس قائما،فاذن له، وكان يسكن المدينة ثم انتقل الى الشام بعدمقتل عثمان.((254)) ولما سمحت الظروف لمثل هذا الكتابي بان يتحدث‏بما تعلم في حياته السابقة، ومنع من اراد التحدث‏بحديث الرسول(ص) ، كان المجال خصبا لنشر الاساطيروالعقائد الخرافية.

    يقول الشهرستاني ( وضع كثير من اليهود الذين اعتنقواالاسلام احاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه،وكلها مستمدة من التوراة .((255)) وهذا هو المقدسي يتكلم عن وجود هذه العقائد بين‏عرب الجاهلية، فيقول (وكان فيهم من كل ملة ودين،وكانت الزندقة والتعطيل في قريش، والمزدكية‏والمجوسية في تميم، واليهودية والنصرانية في غسان،وعبادة الاوثان في سائرهم )((256)).

    ويقول ابن خلدون عن المجتمع العربي قديما: ( انهم لم‏يكونوا اهل كتاب ولا علم، وانما غلبت عليهم البداوة‏والامية، واذا تشوقوا الى معرفة شي مما تتوق اليه‏النفوس البشرية في اسباب المكونات وبدء الخليقة،واسرار الوجود، فانما يسالون عنه اهل الكتاب قبلهم،ويستفيدونه منهم، وهم اهل التوراة من اليهود ومن تبع‏دينهم من النصارى، مثل كعب الاحبار، ووهب بن منبه،وعبداللّه بن سلام وامثالهم، فامتلات التفاسير من‏المنقولات عندهم، وتساهل المفسرون في مثل ذلك‏وملاوا كتب التفسير بهذه المنقولات، واصلها كلها كماقلنا من التوراة او مما كانوا يفترون .((257)) والمتفحص في ما نقل عن هؤلاء الكذابين والوضاعين‏والدساسين في الاحاديث، يقف على انهم كانوا يركزون‏على تفكير غير ديني، وبخاصة احاديث منحرفة عن‏الاسلام وسنة رسوله(، وفكرتين يهوديتين: الاولى فكرة‏التجسيم، والثانية رؤية اللّه تعالى.

    والفكرة تسربت الى المسلمين من المتظاهرين بالاسلام‏كالاحبار والرهبان، وصار ذلك سببا لجراة طوائف من‏المسلمين على جعلها ضمن العقيدة الاسلامية، بحيث‏يكفر منكرها احيانا او يفسق، ولما صارت تلك العقيدة‏راسخة في القرنين الثاني والثالث بين المسلمين، عادالمتكلمون الذين تربوا بين احضانهم للبرهنة ‏والاستدلال على تلك الفكرة من الكتاب اولا والسنة‏ثانيا، ولولا رسوخها بينهم لما تحملوا عب الاستدلال‏وجهد البرهنة.

    هذا، وقد طرحت مسالة رؤية اللّه تعالى على صعيدالبحث والجدال في القرن الثاني، عندما حيكت العقائدعلى نسق الاحاديث، ووردت فيها رؤيته سبحانه يوم‏القيامة، فلاجل ذلك عدت من العقائد الاسلامية.

    الاختلاف وتنوع الرؤى مع هذه البداية، اختلف المسلمون في رؤية اللّه تعالى،فاحالها في الدنيا والخرة قوم، واجازها في النشاتين‏آخرون، وكان ممن احالها ائمة العترة الطاهرة، اعدال‏الكتاب واولياؤهم، وهذا هو مذهب المعتزلة من‏المسلمين، وذهب الجمهور الى امكانها في الدارين،مجمعين على وقوعها في الدار الخرة، مقرين بان جميع‏اهل الجنة سيرونه فيها بابصارهم، واختلفوا في وقوعهافي الدنيا، فمنهم من قال بوقوعها من رسول اللّه(ص)،ومنهم من قال بعدم وقوعها اصلا، ومنهم من‏توقف.

    كما يروي ابن الاثير عن قيس بن ابي حازم، عن جرير بن‏عبد اللّه قال: ;ژرس‏ز÷كنا جلوسا عند النبي(ص) اذ نظر الى القمرليلة البدر، قال:انكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لاتضامون في رؤيته‏»... وقال النبي(ص) انكم سترون ربكم‏عيانا .((258)) ويمكن القول: ان فكرة رؤية اللّه عز وجل تتنوع فيهاالرؤى والمذاهب الى عشر فئات تقريبا:


    1 - الفلاسفة والشيعة والمعتزلة: الذين يرون عدم‏امكان رؤية اللّه تعالى بالعين، لا في الدنيا ولا في‏الخرة، واكثر الفلاسفة المتالهين وكبار العلماء يرون هذه‏الرؤية، والعقل ايضا قائل بذلك، وجميع الانبياء ايضايؤكدون هذه المقولة، والقرآن الكريم بدوره يصرح‏بذلك ويقول: (لا تدركه الابصار) .



    2 و3 - الفرقة المجسمة والكلامية: حيث يقولون بان‏رؤية اللّه تعالى ممكنة، ومن جهة الامام، وتقول‏الحنابلة: ان رؤية اللّه ممكنة من جهة‏العلو.((259)) يقول الشهرستاني، في كتابه، في تعريف الفرقة المشبهة: واما الفرقة المشبهة الحشوية: فحكى الاشعري عن‏محمد بن عيسى، انه حكى عن مضر، وكهمس، واحمدالهجيمي: انهم اجازوا على ربهم، الملاحة والمصافحة،وان المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والخرة اذابلغوا في الرياضة والاجتهاد الى حد الاخلاص والاتحادالمحض((260)).


    4 - حكى الكعبي عن بعض علماء اهل السنة قولهم: ان‏رؤية اللّه وزيارته ممكنة حتى في هذه الدنيا، وكذلك‏زيارته لنا في المقابل.((261))

    5 - يقول داوود الجورابي:اعفوني عن الفرج واللحية،واسالوني عما وراء ذلك، وقال: ان معبوده جسم، ولحم‏ودم، وله جوارح واعضاء من يد ورجل وراس ولسان‏وعينين واذنين، ومع ذلك، جسم لا كالاجسام، ولحم لاكاللحوم، ودم لا كالدماء، وكذلك سائر الصفات، وهو لايشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شي، وحكي عنه‏انه قال: هو اجوف من اعلاه الى صدره، مصمت ما سوى‏ذلك، وان له وفرة سوداء وله شعر قطط، واما ما ورد في‏التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والمجي والاتيان‏والفوقية فاجروها على ظاهرها، اعني ما يفهم عندالاطلاق على الاجسام((262)) .

    وكذلك ما ورد في الاخبار من الصورة وغيرها في قوله‏غ: «خلق آدم على صورة الرحمن‏»، وقوله: «حتى يضع‏الجبار قدمه في النار»، وقوله: «وضع يده او كفه على‏كتفي حتى وجدت برد انامله على كتفي‏»، الى غير ذلك‏من الروايات اجروها على ما يتعارف في صفات‏الاجسام((263)) .

    يقول الشهرستاني بعد استعراضه لهذه الاقوال:وزادوافي الاخبار اكاذيب وضعوها ونسبوها الى النبي(ص) ،واكثرها مقتبس من اليهود، فان التشبيه فيهم طباع حتى‏قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان‏نوح حتى رمدت عيناه، وان العرش لتئط من تحته ‏كاطيط الرحل الجديد، وانه ليفضل من كل جانب اربعة ‏اصابع((264)) .


    6 - الاشاعرة: ورغم انهم يقولون:ان اللّه تعالى مجردوغير مادي، الا انهم يقولون ايضا:ان رؤية اللّه بالعين‏ممكنة، وبقولهم هذا يخالفون جميع العقلاء، ويعتقدون‏بان رؤية اللّه ممكنة، ولكن لا كما يذهب اليه المجسمة،بل ان اللّه يرى في حين انه تعالى لا يقع في جهة العلوولا الاسفل ولا في جهة اليمين ولا الشمال، ولا الامام‏ولا الخلف، ولا ان اللّه يرى بتمامه ولا بجزئه، ولا في‏مقابل الرائي ولا الى جانب منه، وحينما يراه الرائي لايمكنه الاشارة اليه، ورغم ذلك فانه يرى((265)) .

    7 - طائفة اخرى من الاشاعرة يقولون: ان المراد من‏الرؤية، ليس بانعكاس النور او بخروج الشعاع، بل‏المقصود الحالة التي تحصل للانسان بعد العلم بالشي‏وادراكه بوساطة رؤيته. وآخرون منهم يرون ان معنى‏الرؤية هو: ان اللّه تعالى سوف يتجلى لعباده المؤمنين‏يوم القيامة ويظهر لهم كما يظهر القمر للناس في الليالي‏المقمرة((266)) .

    8 - يقول ضرار بن عمرو: ان اللّه تعالى يرى يوم‏القيامة بالحاسة السادسة لا بالعين المجردة((267)) .


    9 - طائفة اخرى ترى انه من الممكن ان يرزق اللّه تعالى‏العين قوة قلبية تتمكن بها من رؤيته وادراكه، وهذاالادراك نوع من العلم لانه حصل بقوة القلب، وفي‏الوقت نفسه يعد من الرؤية لانه حصل من جراء حالة‏حدثت للعين. وفي هذه الحال، هناك طائفتان تقولان‏بامكانية رؤية اللّه يوم القيامة((268)) .

    الطائفة الاولى يقولون: ان الكفار لا يستطيعون رؤية‏اللّه لان رؤية اللّه نوع من الكرامة والشرف، والكفارمحرومون من ذلك، وهذا هو راي الاكثرية‏منهم.

    الطائفة الثانية، مثل السالمية والحشوية يقولون: ان‏الكفار يستطيعون رؤية اللّه تعالى ايضا.

    10 - طائفة اخرى تقول:ان رؤية اللّه ممكنة دائماللمؤمن والكافر على السواء، ولكنهم لايعرفونه.
    ويقول آخرون: لا يمكن رؤية اللّه تعالى بالعين المادية‏التي خلقت للفناء، وانما يمكن رؤيته بالعين التي تكون‏للانسان في الخرة والتي خلقت للبقاء.

    كانت هذه بعض الاقوال والراء المختلفة في رؤية اللّهتبارك وتعالى، وكل طائفة تتمسك بظواهر بعض اليات‏والروايات في تاييد مذهبها، ولكنهم رغم ذلك لم‏يتمكنوا من ازاحة ستار الظن، والوصول الى حكم‏العقل، والتمييز بين الخيال والعقل في هذه المسالة،وكما قال المحقق الكبير الخواجة نصير الدين الطوسي‏في كتابه:ان رؤية اللّه تعالى ممكنة لدى علماء العامة‏رغم انه ليس له جهة من الجهات، ودليلهم على ذلك‏قياسهم اللّه تعالى مع باقي الموجودات المرئية، وقداستدلوا لذلك ايضا ببعض اليات القرآنية‏ والروايات ((269)) .

    مسالة كلامية وفي الحقيقة انه يجب القول: ان هذا البحث قد يكون‏غريبا بالنسبة لنا بعض الشي في هذا العصر، حيث‏تعلمنا منذ البداية ان اللّه تعالى ليس مركبا، ولا جسما،ولا محلا، ولا تقع عليه الرؤية، وان اللّه في دائرة الفكرالاسلامي هو اله منزه من جميع الصفات التي تنسب‏الى مخلوقاته، والموجودات التي نراها والتي نقول‏بامكانية رؤيتها، هي مخلوقة باجمعها ولا يمكن رؤية‏خالقها ابدا، فعلى هذا لا نجد للبحث المذكور آنفاموضعا في اوساطنا الدينية من الاساس.

    ولكن هذه المسالة كانت سابقا مطروحة على بساط‏البحث وبقوة في المجتمع الاسلامي بشكل عام،واساسا فان مقولة: ان اللّه ليس كمثله شي، تعني‏استحالة رؤيته، وقد برزت هذه المقولة في تاريخ‏العقائد والكلام الاسلامي من قبل بعض المتكلمين‏العقلانيين، وفي مقابلها ذهب علماء اهل السنة الى ان‏رؤية اللّه ممكنة، ولكن لا في الدنيا، بل في الخرة.

    ان ظهور الاعتقاد برؤية اللّه بين المسلمين لا يعد امراغريبا، واساس هذه الفكرة - كما هي الحال في اكثرالعقائد الكلامية - مقتبس من المفاهيم القرآنية وتفسيربعض اليات الكريمة، ففي القرآن الكريم نقرا آيات‏تتحدث عن «وجه اللّه» في قوله تعالى:(فاينما تولوافثم‏وجه اللّه) .

    وكذلك ما ورد في القرآن من طلب موسى( رؤية اللّه،حيث ان بعض المتكلمين ذهب الى القول: ان طلب‏موسى نفسه من اللّه تعالى رؤيته (رب ارني انظر اليك)يعني ان رؤية اللّه ممكنة، ومعلوم ان‏نبي اللّه( لا يخطئ، فلو كانت رؤية اللّه مستحيلة لم‏يطلب موسى( من اللّه الرؤية. وطبعا ورد في القرآن ان‏اللّه تعالى اجاب موسى(ع) ، بقوله: (لن تراني)، ومن هذه العبارة يستوحي بعض آخرمن المتكلمين بان رؤية اللّه مستحيلة.

    ان هذه الحادثة نفسها، بين موسى(ع) وربه، تجعل من‏ موضوع «رؤية اللّه» مسالة كلامية تستحق البحث. وقدذهب اهل السنة الى ان رؤية اللّه مستحيلة في الدنيا،وهذا هو المراد من قوله تعالى: (لن تراني) ، ولكن رؤيته‏يوم القيامة ممكنة، ويستندون لاثبات هذه المقولة الى‏حديث «رؤية القمر» المذكور آنفا.

    فقد كانت هذه المسالة هي الاساس في ان علماء الكلام‏افترقوا فريقين: المتكلمون العقلانيون في القرنين الثاني‏والثالث اي علماء الجهمية والمعتزلة الذين انكرواالرؤية، وفي مقابلهم السلفيون واهل الحديث وعلى‏راسهم احمد بن حنبل، الذين يرون امكان رؤية اللّه في‏الخرة.

    ولكن الى جانب هذه المسالة الاصلية، كانت تطرح‏اسئلة اخرى، فالقائلون بجواز الرؤية يواجهون عدة‏علامات استفهام من قبيل: كيف تتحقق الرؤية؟ فهل ان‏المؤمنين يرون اللّه في الخرة بالعين المادية او بحاسة‏اخرى، وكان تكون الرؤية بالقلب مثلا، او بالحاسة‏السادسة؟ وهل ان اللّه الذي يرونه في الخرة له وجه اولا؟ وكيف يكون ذلك الوجه، ومن يكون؟ وهل ان‏المؤمنين يرون اللّه بصورة انسان او لا؟ ولو انهم راوه‏بصورة انسان فمن يشبه هذا الانسان؟ وعلى اي‏شكل؟ والظاهر ان هذه الاسئلة كانت مطروحة سابقا في الوسط‏المسيحي ايضا، ولكن الاجابة بالايجاب في الديانة‏المسيحية لا تواجهها مشكلة معرفية عندهم لان اللّه الذي تجسد على صورة السيد المسيح لا تكون رؤيته‏مستحيلة، والمؤمنون من المسيحيين يتمنون جميعا ان‏يروا بعد الموت السيد المسيح - وهو الرب المتجسد -في الجنة، الا ان مثل هذه الاجوبة لا تعد مقبولة في‏الوسط الاسلامي. طبعا كان هناك من يعتقد بان اللّهتعالى سيظهر للمؤمنين يوم القيامة بصورة عيسى بن‏مريم او بصورة علي بن ابي طالب(ع) ، ويرونه بهذه‏الصورة. ولعل مثل هذه الاعتقادات ادت الى ان ينكرالعقليون كالجهمية والمعتزلة والشيعة، الرؤية من‏الاساس حتى في الخرة.

    ولم يقتصر البحث على تحقق الرؤية في الخرة، بل امتدالبحث الى امكانية الرؤية في الدنيا ايضا، فبعض الفرق‏الاسلامية يرون جواز رؤية اللّه في الدنيا، ولكن احمدبن حنبل واهل الحديث بشكل عام ينكرون هذه‏النظرية. الا ان قضية معراج النبي(ص) ورؤيته للّه تعالى في‏ليلة المعراج ادتا الى طرح مسالة امكانية رؤية اللّه تعالى‏في هذه الدنيا بعد ذلك.

    وهناك روايات تشير الى ان النبي الاعظم(ص) راى اللّه تعالى في ليلة المعراج في صورة رجل شاب. وقد راجت‏مثل هذه الاحاديث في اوساط الصوفية لاحقا. وطبعافان المتصوفة يذهبون الى جواز رؤية اللّه في الخرة، بل‏ان الصوفي الحقيقي يتمنى ان يموت لينال رؤية اللّهتعالى في الجنة. ذلك كله بمفهوم رؤية اللّه بعين القلب‏والبصيرة، ولكن المتصوفة بعد ذلك اخذوا يتحدثون‏عن رؤية الانوار الالهية ومشاهدة وجد المعشوق بعين‏القلب في هذه الدنيا ايضا. كما نلاحظ ذلك في الاشعارالعرفانية المشحونة بالاشارات والكنايات التي تشير الى‏موضوع لقاء المعشوق ورؤية وجه اللّه تعالى.
    وحتى موضوع الشاهد والشهادة، ايضا، متفرع في‏الاساس من اصل مسالة الرؤية هذه. وكذلك مسالة‏النظر الواردة في قاموس التصوف هي الاخرى متفرعة‏من مسالة الرؤية ايضا. وبعض المتصوفة يذهبون، في‏ تفسير آية الميثاق والعهد، الى ان الناس - وطبعاالمؤمنين منهم - شاهدوا قبل مجيئهم لهذه الدنيامعشوقهم ومحبوبهم الحقيقي، وهو اللّه تعالى، ولهذااجابوا عن سؤال (الست بربكم) بقولهمبلى).

    مورد الاهتمام هذه الرؤى والاعتقادات التي اشرنا اليها آنفا توحي لنابسعة دائرة البحث في مسالة رؤية اللّه تعالى، والامام‏شرف الدين لم يتعرض الى هذه الاقوال والرؤى جميعهافي بحثه العلمي لان هذا البحث يمتد بجذوره الى‏الماضي البعيد جدا في دائرة البحث الفلسفي والكلامي،وعلماء الديانات والمذاهب، حتى قبل ميلاد المسيح(ع)،تعرضوا لهذه المسالة ايضا من جوانبها وابعادهاالمختلفة، بما فيها البعد الميتافيزيقي، ولكن اكثر ما كان‏مورد اهتمام العلامة شرف الدين، هو نظريات علماءالشيعة الامامية بالخصوص واقوالهم، وهو المورد الذي‏يمثل الحلقة المفقودة في سلسلة الابحاث الكلامية في‏هذه المسالة.

    اما العوامل التي ادت الى طرح هذه الحلقة من حلقات‏بحث هذه المشكلة، والى اقصائها عن مصادر الراي‏الاسلامي في مدار الفكر العالمي، فعوامل سياسية‏اقتضتها ظروف الحكم، في كثير من مراحل‏تاريخنا.

    وواضح ان الحكم رافق اهل السنة من المسلمين،وفارق الشيعة الامامية منهم، باعتبارهم الحزب‏المعارض، فكان من ذلك ان روج لراء الحزب الحاكم،وحوربت آراء المعارضة، تبعا لذلك، حتى ادى الامر الى‏انتشار آراء، وط‏ى اخرى في واقع طغت فيه المناهج‏السياسية على المناهج العلمية كما هو معروف. ويعتقدالعلامة شرف الدين بانه، وعلى هذا الاساس، ذهب‏الجمهور الى امكان الرؤية في الدارين، وقد اجمع هؤلاءعلى وقوعها في الدار الخرة، وعلى ان جميع اهل الجنة‏سيرونه فيها بابصارهم، واختلفوا في وقوعها في الدنيا،فمنهم من قال بوقوعها من رسول اللّه(ص)، ومنهم من قال ‏بعدم وقوعها اصلا، ومنهم من توقف((270)) .

    اما المجسمة من هؤلاء، فقد زعموا ان اهل المحشرجميعهم سيرونه يوم القيامة نصب اعينهم باتصال‏اشعتها بجسمه، ينظرون اليه لايمارون فيه، كما لايمارون في الشمس والقمر ليس دونهما سحاب، على‏ما يقتضيه نص الحديث في البخاري ومسلم.

    وهؤلاء خالفوا - بالتجسيم والتشبيه - حكم العقل‏والنقل، وخرقوا اجماع الامة كافة، وخرجوا على‏مقدساتها، ونبذوا ما قد علم من الدين بحكم الضرورة‏الاسلامية، فلا وزن لهم، ولا اعتداد بمذاهبهم.
    والعلامة شرف الدين، بعدما يطرح موضوع الرؤية عندالاشاعرة الموسوميون باهل السنة والجماعة، ويعرض‏عن رايهم ما اوجبه جهلهم، واقتضاه حمقهم وسخف‏مذاهبهم، يرى ان محل النزاع ينحصر في رؤية الباري‏تعالى، وهل هي ممكنة مع تنزيهه؟ او هي مع التنزيه‏ممتنعة مستحيلة؟ ويستنتج بان الاشاعرة ذهبوا الى‏الاول، وذهبت الشيعة الامامية تبعا لائمتهم (ع) الى‏الثاني.

    وعلينا ان نبين ان فكرة التجسيم، كما اوضحنا، دخلت‏في العقيدة الاسلامية من جانب اليهود والنصارى‏واختلاطهم مع المسلمين السابقين، وبخاصة مع بعض‏ممن تسموا بالمحدثين والرواة المشبوهين، الذين لااصل لهم، ولا رسخت العقيدة الصحيحة المحمدية في‏نفوسهم، وانما كانوا تجار حديث ورواية، ونهضوا في‏هذا الاطار ودسوا ما دسوا، ورووا ما رووا من اكاذيب ‏باموال من بني امية وامثالهم، الذين لعبوا بالدين‏والشريعة والعقيدة الاسلامية ردا لما اتخذه الرسول(ص)،فانه اهاب في الجاهلين وصرح في الغافلين، ونادى في‏الناس اجمعين: «يا ايها الناس ان الفضل والشرف‏والمنزلة والولاية لرسول اللّه وذريته فلا تذهبن بكم‏الاباطيل‏»((271)) .

    وردا على قوله: «اني تارك فيكم‏الثقلين كتاب اللّه واهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يرداعلى الحوض‏»((272)) ، وزاد الطبراني: «فانظروا كيف‏تخلفوني فيهما، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصرواعنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم‏»((273)).

    ويستشهد العلامة شرف الدين باحاديث وروايات‏صحيحة في فضيلة المرجعية العلمية والدينية لائمة‏اهل البيت (ع) ، ويقول:

    المراد باهل بيته في هذه الصحاح‏ونحوها مجموعهم من حيث المجموع، باعتبار ائمتهم‏القوامين بامر اللّه والقائمين في هذه الامة مقام رسول‏اللّه، ولا يصح ان يكون المراد هنا جميع اهل البيت على‏سبيل الاستغراق لان هذه المنازل العظيمة ليست الالحجج اللّه تعالى، النافين عن هذا الدين تحريف‏الضالين، وانتحال المبطلين، وتاويل الجاهلين. وجماعة‏المسلمين لا يخفى عليهم ذلك، وان كتموه وحاولواالتشكيك فيه ردا على رسول اللّه(ص) ، الذي شبه اهل بيته (ع) بسفينة نوح وبباب حطة، حتى يلجاوا اليهم في الدين‏اصوله وفروعه، فرائضه وسننه، حتى ينجوا من عذاب‏النار، ومن تخلف عنهم في ذلك كان كمن آوى - يوم‏الطوفان - الى جبل ليعصمه من امر اللّه.
    والعلامة شرف الدين في مقاله يدخل في احتجاجهم ‏باحاديث متقنة وروايات مسندة من العترة الطاهرة (ع) في ‏رد روايات كاذبة مسندة الى الرسول(ص) من طرقهم غيرالموثقة.

    قوم دسوا انفسهم في صفوف المحدثين - والمحدثون‏منهم براء - فكانوا مولعين باباطيل يصونونها تثبيتالرائهم واحتجاجا على من يخالفهم فيها، وقد صاغوافي الرؤية اضاليل موهوها بما يستهوي العامة من‏تفضيل من تؤثر العامة من اهل السنة تفضيله ليصيبوا -بسهم واحد - غرضين هما من اهم اغراضهم، وليتترسوا بهذا التفضيل ممن يخافون ان ينكر عليهم تلك‏الاباطيل، وقد سرقها بعضهم من بعض، فركبوها على‏اسانيد متعددة بطرق مختلفة ما انزل اللّه بها من سلطان،واليك منها في هذه العجالة نبذة نضربها مثلا لسائراباطيلهم في هذا الباب لتكون عبرة وذكرى لاولي‏الالباب.
    مثلما اخرجه الشيخان البخاري ومسلم بالاسناد الى ابي‏هريرة قال: «قال اناس: يا رسول اللّه! هل نرى ربنا يوم‏القيامة؟ فقال:

    هل تضارون في الشمس ليس دونهاسحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللّه، قال: هل تضارون في‏القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول‏اللّه. قال: فانكم ترونه يوم القيامة كذلك. يجمع اللّهالناس، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان‏يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان‏يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الامة فيها منافقوها، فياتيهم‏اللّه في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: انا ربكم،فيقولون: نعوذ باللّه منك! هذا مكاننا حتى ياتينا ربنا فاذااتانا، عرفناه!! قال: فياتيهم اللّه في الصورة التي يعرفون!فيقول: انا ربكم. فيقولون: انت ربنا، فيتبعونه ويضرب‏جسر جهنم. قال ابو هريرة، قال رسول اللّه: فاكون اول‏من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم...»((274))، والحديث طويل. وكذلك اخرج مسلم في كتابه في‏حديث اطول منه((275)) .

    لكن العلامة شرف الدين يبطل الحديث من طريقيه عندالبخاري ومسلم، من حيث سنديهما الى ابي هريرة،الذي هو من السابقين الاولين الى اختلاق الحديث على‏اللّه تعالى وعلى رسوله(ص)، ولم يسبقه في ذلك سابق،ولم يلحقه فيه لاحق، وزيادة على ذلك يذكره في كتابه ابو هريرة .

    وهكذا سويد بن سعيد، ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ‏بانه عمر وعمي، وانه ربما لقن مما ليس من حديثه،وكان كثير التدليس، ونقل عن البخاري القول بانه منكرالحديث وضعيف جدا، قال: وكذبه ابن معين وسبه،وعن احمد بن حنبل: هو متروك الحديث.

    وهكذا زيد بن اسلم، كاخويه في الوضع والكذب‏والتدليس.

    ثم ياتي العلامة شرف الدين على الحديثين عندالبخاري ومسلم من حيث المتن، فيعدهما باطلين‏لظهورهما في ان اللّه تعالى جسم ذو صورة مركبة‏تعرض عليها الحوادث من التحول والتغير، وانه سبحانه‏ذو حركة وانتقال، ياتي هذه الامة يوم حشرها وفيهامؤمنوها ومنافقوها، فيرونه باجمعهم ماثلا لهم في‏صورة غير الصورة التي كانوا يعرفونها من ذي قبل.فيقول لهم: انا ربكم، فينكرونه متعوذين باللّه منه، ثم‏ياتيهم مرة ثانية في الصورة التي يعرفون، فيقول لهم: اناربكم فيقول المؤمنون والمنافقون جميعا: نعم انت ربنا،وانما عرفوه بالساق اذ كشف لهم عنها، فكانت هي آيته‏الدالة عليه، فيتسنى حينئذ السجود للمؤمنين منهم من‏دون المنافقين، وحين يرفعون رؤوسهم يرون اللّه ماثلافوقها بالصورة التي يعرفون، لا يمارون فيه كما كانوا في‏الدنيا لا يمارون في الشمس والقمر ماثلين فوقهم ‏بجرميهما النيرين ليس دونهما سحاب، واذا به بعد هذايضحك ويعجب من غير ما عجب، كما هو ياتي‏ويذهب.. الى آخر ما اشتمل عليه الحديثان مما لا يجوزعلى اللّه تعالى، ولا على رسوله باجماع اهل التنزيه من‏اشاعرة وغيرهم.

    ويقول شرف الدين: ان هذين الحديثين وسائرالاحاديث التي تشبث بها القائلون بالرؤية، لو فرضناصحتها متنا وسندا، لا تخرج بالصحة عن كونها من‏الحاد، ويعتقد العلامة بان خبر الواحد مع صحته انمايكون حجة في الفروع لا في العقائد .

    وبالمقابل، في رد احاديث موضوعة واكاذيب منقولة،يستشهد في جوابه بحديث من خطبة لامير المؤمنين(ع) ،حيث يقول:

    «الحمد للّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون،ولا يحصي نعماءه العادون... الذي لا يدركه بعد الهمم،ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدودولا نعت موجود، ولا وقت معدود..((276)) .
    وفي خطبة الاشباح يقول(ع) : «الاول الذي لم يكن له قبل‏فيكون شي قبله، والخر الذي ليس له بعد فيكون شي‏بعده، والرادع اناسى الابصار عن ان تناله اوتدركه ((277)) .

    وفي خطبة اخرى يقول: ( الحمد للّه الذي لا تدركه ‏الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولاتحجبه السواتر، الدال على قدمه بحدوث خلقه،وبحدوث خلقه على وجوده... واحد لا بعدد، ودائم لابامد... تتلقاه الاذهان لا بمشاعرة، وتشهد له المرائي لابمحاضرة، لم تحط به الاوهام، بل تجلى لها بها، وبهاامتنع منها، واليها حاكمها ((278)) .

    وفي كلام له(ع) وقد ساله ذعلب اليماني فقال: هل رايت‏ربك يا امير المؤمنين؟ فقال(ع) :افاعبد ما لا ارى ؟ فقال:وكيف تراه؟ فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان،ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان، قريب من الاشياءغير ملامس..((279)) .

    وكذلك في حديث الامام الصادق(ع) ، وقد دخل عليه رجل‏من الخوارج، فقال له: يا ابا جعفر اى شي تعبد؟ قال: اللّه عز وجل، قال: ارايته؟ قال: «لا تراه العيون بمشاهدة ‏الابصار وانما تراه القلوب بحقائق الايمان، لا يعرف‏بالقياس، ولا يدرك بالحواس، ولا يشبه بالناس،موصوف معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك ‏اللّه لا اله الا هو ((280)) . وفي حديث غيره قال‏الصادق(ع): ان اللّه عظيم رفيع لا يقدر العباد على صفته‏ولا يبلغون كنه عظمته، لا تدركه الابصار، وهو يدرك‏الابصار وهو اللطيف الخبير، ولا يوصف بكيف، ولا اين‏ولا حيث ((281)) .

    وقال الامام الصادق( ع) في تفسير قوله تعالى: (لا تدركه‏الابصار) قال:اللّه اعظم من ان يرى بالعين، او يحيط به ‏الوهم ((282)) .

    وقال الامام الرضا(ع) في جواب ابي هاشم‏الجعفر لما ساله عن اللّه هل يوصف؟ قال(ع) :اتقراالقرآن ؟ قال: بلى، قال: اما تقرا قوله تعالى: (لا تدركه‏الابصار وهو يدرك الابصار). قال: بلى، قال:
    افتعرف‏الابصار؟. قال: بلى، قال: «ما هي‏»؟ قال: العيون.فقال:ان اوهام القلوب اكبر من ابصار العيون، فهو لا تدركه‏الاوهام..((283)) .

    وفي حديث آخر عن الامام الرضا(ع) قال لداود بن القاسم ‏في تفسير (لا تدركه الابصار...) : اوهام القلوب ادق من‏ابصار العيون، انت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدالتي لم تدخلها، ولا تدركها ببصرك، واوهام القلوب لاتدركه - عز وجل - فكيف ابصار العيون ((284))؟! كذلك يستشهد السيد شرف الدين بتوقيع خرج من‏ناحية الامام ابي محمد العسكري(ع) ، وقد ساله يعقوب بن‏اسحاق، ان كيف يعبد العبد ربه وهو لا يراه؟ فوقع(ع): «ياابا يوسف! جل سيدي ومولاي والمنعم على وعلى‏آبائي ان يرى‏»، قال: وسالته:

    هل راى رسول اللّه( ربه؟فوقع(ع): ان اللّه تبارك وتعالى ارى رسوله بقلبه من نورعظمته ما احب ((285)) .

    وفي حديث آخر عن احمد بن اسحاق قال: كتبت الى‏ابي الحسن الثالث (الهادي) (ع) اساله عن الرؤية ومااختلف فيه الناس؟ فكتب:لا تجوز الرؤية مالم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فاذا انطقع‏الهواء عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية، وكان في ذلك ‏الاشتباه لان الرائي متى ساوى المرئي في السبب‏الموجب بينهما في الرؤية، وجب الاشتباه، وكان ذلك ‏التشبيه لان الاسباب لابد من اتصالها بالمسببات‏»((286)) . الى غير ذلك مما هو ثابت عن ائمة ‏الهدى من النصوص على امتناع الرؤية.

    ويستدل القائلون بجواز الرؤية بيات من الكتاب‏الحكيم، ويفسرونها بما ارادوا تحريفا للواقع، كما في‏قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة - الى ربها ناظرة)، وقالوا: انها ظاهرة في ان اصحاب تلك‏الوجوه الناظرة يوم القيامة ينظرون الى ربهم فيرونه‏ عيانا بابصارهم.

    ويعتقدون بان النظر اذا عدي الى يرد لمعان غيرالرؤية، واذا اضيف الى الوجه الذي هو محل البصر لايحتمل الا الرؤية.

    وايدهم الاشعري، فقال: ان النظر اذاذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه،كما اذا ذكر اهل اللسان نظر القلب فقالوا: انظر في هذاالامر بقلبك، لم يكن معناه نظر العينين، ولذلك اذا ذكرالنظر مع الوجه، لم يكن معناه نظر الانتظار الذي‏بالقلب... كما قال تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في‏السماء فلنولينك قبلة ترضاها) ، فذكرالوجه وانما اراد تقلب عينيه نحو السماء ينتظر نزول‏الملك عليه بصرف اللّه له عن قبلة بيت المقدس الى‏الكعبة((287)) .

    وكذلك ابن القيم يقول:وانت، اذا اجرت هذه الية من‏تحريفها عن مواضعها والكذب على المتكلم بها سبحانه‏في ما اراده منها، وجدتها منادية نداء صريحا ان اللّهسبحانه يرى عيانا بالابصار يوم القيامة... وصريح في ان‏اللّه سبحانه وتعالى اراد بذلك نظر العين التي في الوجه‏الى نفس الرب جل جلاله ((288)) .

    ويرد عليهم السيد في مقاله ويقول:ان لفظ النظر ولاسيما المتعدي منه بـ (الى) ليس اسما للرؤية نفسها،ولا هو بملازم لها، وانما هو مد الطرف نحو الشي رآه اولم يره، ويدل عليه قوله تعالى: (وتراهم ينظرون اليك‏وهم لا يبصرون) ، وقد يوصف النظربما لا توصف به الرؤية، فيقال: نظر اليه شزرا ونظر اليه‏نظر غضبان او نظر راض، والرؤية لا توصف بشي منها، فلا يقال: رآه شزرا او رؤية غضبان، وهذا ليس الا لتغايرفي معنيي النظر والرؤية ((289)) .

    وهكذا في قوله تعالى: (الى ربها ناظرة)، ان المتبادر الى‏الاذهان انها انما تنتظر وتتوقع فضل اللّه، وما اعده لهامن الكرامة في دار القيامة، كما يقول اهل العرف: انما ننظر الى اللّه ثم اليك اي انما ننتظر ونتوقع فضل اللّهثم فضلك، يقولونه للمؤمل يرجونه، وما اكثر استعمالهم‏للنظر في الانتظار على سبيل الحقيقة لا على سبيل‏المجاز، ولا سيما المتعدي منه الى ، واستشهد بقول الشاعر:

    وجوه ناظرات يوم بدر *** على الرحم ان تنتظر الخلاص

    اثبت النظر الى الرحمان مع عدم رؤيته، ونص في آخرالبيت على ان مراده من قوله في اوله: وجوه ناظرات،انها تنتظر الخلاص.

    ويحمل الية بدليل تقديم المعمول فيها على عامله،فان تقديمه عليها نص صريح في اختصاص اللّه تعالى‏بنظرهم اليه، الا ترى ان قوله: (الى ربها ناظرة) في الدلالة ‏على هذا الاختصاص على حد قوله سبحانه: (الى ربك‏يومئذ المستقر) و(الى ربك يومئذ المساق) وامثاله.

    ويقول: هذا يوجب القطع بان النظر في الية لا يراد منه‏الرؤية لان المؤمنين يوم القيامة ينظرون الى اشياء لايحيط بها حصر، ولا تدخل تحت عدد في محشر تجتمع‏فيه الخلائق من انس وجن وملائكة وغيرهم،والمؤمنون هم نظار ذلك اليوم المنون المطمئنون،الذين لا يمنعهم يومئذ عن النظر الى زلزاله وسائراحواله ذعر ولا خوف، فاختصاصه تعالى بنظرهم اليه - لو كان اللّه جائز الرؤية مستحيل. ولذلك وجب الاية‏ على معنى يصح معه هذا الاختصاص انما هو كون(ناظرة) في الية بمعنى منتظرة. ويؤيد كلامه بتفسير عن‏امير المؤمنين( وغيره، بان المراد بقوله: (الى ربها ناظرة)، انها تنتظر ثواب ربها((290)) .

    اما في قوله تعالى: (كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) ، يقول الرازي في تفسيره:احتج الاصحاب على ان المؤمنين يرونه سبحانه‏وتعالى، قالوا: ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة،وفيه تقرير آخر، وهو انه تعالى ذكر هذا الحجاب في‏معرض الوعيد والتهديد للكفار، وما يكون وعيداوتهديدا للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمن،فوجب ان لا يحصل هذا الحجاب في حق‏المؤمن.

    ونقل عن مقاتل قوله: معنى الاية انهم بعد العرض‏والحساب لا يرون ربهم، والمؤمنون يرون ربهم. وقال‏الكلبي: يقول: انهم عن النظر الى رؤية ربهم لمحجوبون،والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه. وسئل مالك بن انس‏عن هذه الية، فقال: لما حجب اعداءه فلم يروه، لا بد من‏ان يتجلى لاوليائه حتى يروه. وعن الشافعي: لما حجب‏قوما بالسخط دل على ان قومايرونه بالرضا((291)).

    ويرد عليهم شرف الدين ويقول: هؤلاء صدعوا براي‏راوه لا تتم به حجة ولا يقوم به برهان، ولا سيما اذا كان‏رايهم مخالفاللعقل الذي به عرفنا اللّه تعالى ومعارض الكتاب اللّه عز وجل، ومخالفا لنصوص ائمة اهل البيت(ع)، وهم اعدال القرآن، وعنه لا يفترقون، وانما مثلهم مثل‏سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، ومثل ‏باب حطة من دخله كان مؤمنا، وهم امان الامة من‏الاختلاف.
    ويقول عن الحجاب المذكور في الية: انما هو حجب‏الكفار عن رحمة اللّه، وهذا خاص بهم دون المؤمنين،فان المؤمنين في سعة رحمة اللّه، وبحبوحة جنته مع‏الذين انعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا((292)) .

    اما في قوله تعالى (للذين احسنوا الحسنى وزيادة ) يقول الرازي: بدليلين:

    من النقل: ان الحسنى هي الجنة والزيادة هي النظر الى‏اللّه سبحانه وتعالى.

    والعقل: فهو ان الحسنى لفظ مفرد دخل عليه حرف‏التعريف فانصرف الى المعهود السابق وهو دارالسلام .((293)) .

    ويقول السيد شرف الدين: ان الرؤية مستحيلة بحكم‏العقل، والحديث عندنا معلومة العدم، وهكذا لاانصراف في الحسنى هنا الى دار السلام قطعا بحكم اهل‏العرف من خاصة وعامة، وانما هي الثواب الذي‏يستحقه المحسنون في الخرة جزاء حسناتهم في الدنيا،وان الزيادة انما هي ما يزيدهم اللّه تعالى من فضله‏علاوة على ما يستحقونه، فتكون هذه الية هي حد قوله‏تعالى في آية: (فيوفيهم اجورهم ويزيدهم من فضله)((294)) اما الاستدلال على رؤية اللّه في الخرة بقوله تعالىلهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد) .فالمزيد في‏الية لاهل الجنة على ما يشاؤون، وانما هو النظر الى‏وجه اللّه عز وجل، ويحتمل الرازي بان يكون معناه‏الزيادة، ويحتمل ان يكون بمعنى المفعول اي عندنا مانزيده على ما يرجون وعلى ما لا يرجون، وعلى مايكون مما يشتهون.


    يتبع /
    التعديل الأخير تم بواسطة : سيد مرحوم بتاريخ 24-10-08 الساعة 10:21 PM

معلومات عن الموضوع

الأعضاء الذين يتصفحون هذا المواضوع

هناك الآن 1 أعضاء يتصفحون هذا الموضوع. (0 أعضاء 1 زائرين)

المواضيع المتشابهه

  1. شهيد المحراب .. سيرة ذاتية
    By حمامة الوادي in forum الملتقى العالم السياسي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 09-08-05, 07:06 AM
  2. مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 11-06-05, 03:45 AM
  3. مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 13-10-04, 07:05 AM
  4. الرنتيسي.. سيرة ذاتية
    By غريب الدار in forum الملتقى العالم السياسي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 27-04-04, 09:04 PM
  5. مواجهة الفراغ الفكري والسياسي بأطروحة خطّ الإمام
    By alwalaey in forum الملتقى الإسلامي والفكري
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 17-07-01, 05:03 PM

المفضلات

المفضلات

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع نشر مواضيع جديدة
  • لا تستطيعنشر ردود
  • لا تستطيع إرفاق المرفقات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •