أوال ، البحرين ، هجر ، الأحساء ، القطيف ، الخط
شئ من اللغة والتاريخ والجغرافيا

بقلم : حسن عبد الله . أكتوبر 2000

إن المتتبع لتاريخ البحرين القديم يلحظ وجود تداخل كبير بين بعض المناطق الجغرافية عبر المراحل التاريخية المختلفة ، فتارة تذكر البحرين على أنها إقليم كبير قصبته هجر أحيانا والأحساء أخرى والقطيف ثالثة ، وإذا عرفنا أن القصبة تعني أعظم المدن فكيف نوفق بين أن تكون القطيف قصبة البحرين عند بعض الجغرافيين وبين أن تكون مجرد قرية من قرى البحرين عند البعض الآخر ، ثم أحيانا تذكر هجر على أنها إقليم البحرين كله وأحيانا هي قصبة البحرين وأحيانا مجرد قرية من قرى البحرين ، ثم متى جاءت الأحساء ، وما الفرق بين الخط والقطيف ، وهل قامت الثانية على أنقاض الأولى ، هذه التساؤلات وأكثر منها هي التي كانت وراء هذه الكلمات البسيطة التي تحاول كشف الواقع التاريخي لكل المفردات التي ذكرها الجغرافيون عند الحديث عن البحرين قديما.

أولا : أوال :
ذكرها ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان بقوله :"جزيرة يحيط بها البحر بناحية البحرين ، فيها نخل كثير وليمون وبساتين" ، فهي جزيرة البحرين الحالية ، أما كلمة "البحرين" التي ذكرها الحموي في تعريفه فيقصد منها البحرين بالمعنى القديم أي من البصرة شرقا إلى عمان جنوبا ، ومن اليمامة شمالا إلى ساحل الخليج جنوبا .

وحسب التعريف المذكور يعلم بأن أوال قديما (البحرين حاليا) لم تكن صحراء خاوية وإنما كانت مليئة بالنخل الكثير والليمون البساتين .

أما عن كيفية التلفظ بكلمة "أوال" فهل هي بفتح الهمزة أم بضمها فيقول الحموي :"أوال : بالضم ، ويروى بالفتح" ، والظاهر أنه يميل إلى الضم وإن كان الفتح مرويا وجائزا أيضا .

وبالنسبة إلى سبب تسمية "أوال" بهذا الإسم فهناك احتمالان اثنان ، الاحتمال الأول هو الذي يذكره علي البحراني في كتابه أنوار البدرين ، حيث يذكر بأن أخا عاد - الذي بنيت له إرم ذات العماد - كان اسمه أوال وكان يبحث عن منطقة جيدة الهواء خصبة الأرض ليقيم عليها منطقة له فنصح (بضم النون) بهذه الجزيرة ولذلك سميت باسمه ، والاحتمال الثاني يستند إلى ما ذكره الحموي من أن "أوال" هو اسم صنم لبكر بن وائل وتغلب بن وائل اللتين سكنتنا في البحرين منذ العصر الجاهلي فيحتمل أن هذه الجزيرة قد أخذت اسمها من اسم هذا الصنم .

وقد ذكر المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم أن اللؤلؤ كان يستخرج من المياه القريبة من جزيرة أوال حيث قال :"اللؤلؤ في هذا الاقليم بحدود هجر يغاص عليه في البحر بإزاء أوال" ، وبما أن المقدسي توفي في عام 380 للهجرة الموافق 990 للميلاد نعلم تبعا لذلك أن أوال حتى ذلك الوقت أو منذ ذلك الوقت كانت تعرف بحرفة استخراج اللؤلؤ .

ثانيا : البحرين :
جاء في كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي عن البحرين أنها :"اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان" ، ثم وصفها بقوله "فيها عيون ومياه وبلاد واسعة" ، وقد ذكرها القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى" وقال بأنها تحتوي على قرى كثيرة ، ومن قرى البحرين التي ذكرها ابن خرداذبة (المتوفى 300هجرية/913ميلادية) في كتابه المسالك والممالك : الخط والقطيف والآرة وهجر ، ومن القرى التي ذكرها "ابن الفقيه" في كتابه "مختصر كتاب البلدان" : الحوس والكثيب الأكبر والكثيب الأصغر .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن جزيرة "أوال" لا تذكر كثيرا عند ذكر المناطق التي تتألف منها البحرين الكبرى وذلك بخلاف هجر أو القطيف أو الخط التي يلاحظ كثرة ذكرهم ، وقد يدل هذا على أهمية المناطق الثلاث الأخيرة آنذاك وتضاؤل أهمية جزيرة "أوال" في قبالهم .

ومن ناحية أخرى يبدو من الملاحظ اختلاف الجغرافيين في اسم "البحرين" "وهجر" وعدم استقرار كل اسم بمنطقة خاصة به ، إذ يلاحظ أحيانا وكأن هناك تبادل بين الاسمين إذ يطلق أحيانا اسم البحرين على منقطة هجر والعكس صحيح ، وكأمثلة على ذلك ، يقول ابن خرداذبة في القول الذي أرودنا سابقا:"قرى البحرين وهي الخط والقطيف والآرة وهجر" ، "فهجر" هنا ما هي إلا "قرية" من قرى البحرين ، أما "المقدسي" في كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" فله رأي آخر إذ يقول :"ومن المدن ما لها أكثر من اسم نحو مكة وبكة ، المدينة ويثرب ، ..... البحرين (و) هجر" ، "فهجر" هنا "مدينة" وليست قرية ، ومن الملاحظ هنا أن "المقدسي" يعد البحرين مدينة أيضا ، فالبحرين وهجر اسم لمدينة واحدة كما يرى ، لا يقال بأنه ربما قصد بالمدينة الإقليم على أساس أن اللغة الجغرافية القديمة لا تفرق بين المدينة والإقليم مثلا ، لأن ذلك يرد (بضم الياء) بأن المقدسي قبل ذكره للبحرين وهجر ذكر مكة والمدينة وهما مدينتان وليس إقليمان كما هو واضح ، ووحدة السياق بين مكة والمدينة والبحرين تقتضي أن يكون المقصود بالبحرين وهجر هنا المدينة وليس الإقليم ، ويؤيد ذلك ما ذكره الحموي حيث قال :"هجر : مدينة وهي قاعدة البحرين" ، نعم قد يكون من المعقول القول بأن الفرق بين المدينة والقرية ليس واضحا تماما في لغة الجغرافيا القديمة ، فالحموي هنا يذكر بأن "هجر" مدينة ، في حين أن ابن خرداذبة ذكرها ضمن قرى البحرين ، والقول بأن هجر قرية ومدينة في آن واحد غير معقول إلا إذا أقيم الدليل على أن هجر كانت قرية في بداية أمرها ثم شيئا فشيئا أصبحت مدينة ، فإن تحول القرية إلى مدينة من الأمور التي نلاحظها حتى في هذه الأيام .

ومما سبق نخلص إلى أن هجر تعرف أحيانا بأنها قرية وأحيانا أخرى بأنها مدينة ، كما أن البحرين تعرف أحيانا بأنها مدينة وأحيانا أخرى بأنها إقليم ، ويضيف المقدسي معنى آخر لما تقدم فيقول :"الأحساء : قصبة هجر وتسمى البحرين" ، والقصبة هي أعظم المدن ، وربما القصبة قديما تشابه العاصمة حديثا ، فالأحساء كما يذكر المقدسي هي أعظم مدن هجر ما يعني أن هجر ليست مدينة وإنما هي إقليم ، وقد أيد ذلك بقوله "هجر وتسمى البحرين" أي أن هجر والبحرين اسمان لإقليم واحد ، وبذلك يضيف المقدسي مسمى آخر "لهجر" هو الإقليم ، والخلاصة أن هجر أطلقت على قرية ومدينة وإقليم ، وأن البحرين أطلقت على مدينة وإقليم ولم تطلق على قرية ، وعندما يتحدث القلقشندي عن هجر ينقل عن "المشترك" قوله :"ويقال للبحرين هجر أيضا ... وليست هجر مدينة بعينها" ، ويؤكد القلقشندي بهذا القول أن هجر تطلق على إقليم البحرين كله ، كما يؤكد على أنها ليست بمدينة ، وللتوفيق بين هذا القول وما سبقه ، وتفسيرا لاختلاف المسميات لكلمة "هجر" يبدو أن الصحيح أن هجر كانت في البداية قرية صغيرة ضمن القرى الكثيرة لإقليم البحرين ، ثم تطورت هذه القرية شيئا فشيئا إلى أن أصبحت مدينة وقاعدة لإقليم البحرين كله ، ونظرا للأهمية التي بلغتها مدينة هجر أصبح إقليم البحرين كله يختصر في مدينته المهمة هجر ولهذا أطلق اسم هجر على الإقليم كله ، وهذا له ما يشبهه في عصرنا الحاضر ، حيث الجزائر العاصمة عاصمة الجزائر الدولة مثلا ، أما عن نفي القلقشندي كون هجر مدينة بعينها فيتعارض مع الكثير من الأقوال التي تثبت مدنية "هجر" ، ورغبة في فك التعارض يمكن احتمال أن هذا القول للقلقشندي جاء بعد تدمير مدينة هجر من قبل القرامطة ، فبعد أن دمرت مدينة هجر بقي اسم المدينة يطلق على الإقليم ولم يختف مع اختفاء المدينة نفسها ، فالقلقشندي حينما ينفي كونها مدينة معينة ربما يريد الإشارة إلى عدم وجود هذه المدينة في الوقت الذي كتب فيه كتابه وفي الزمان الذي عاش فيه ، وهذا لا يمنع من وجودها قبل أيامه إذ ليس في نصه ما ينفي وجود مدينة هجر بشكل كامل في التاريخ ، هذا ما يتعلق "بهجر" ، وأما البحرين فيبدو أنها تطلق في الأساس على اسم الإقليم كله ، وهذا ما يفهم من العبارات الكثيرة لأصحاب الكتب الجغرافية القديمة ، ولكن ، بما أن الإقليم كله صار يعرف باسم البحرين واسم هجر أيضا كما مر ، فإن هذا التسامح وهذه الثنائية أسقطت على المدينة أيضا ، فإطلاق اسم هجر على البحرين "الإقليم" سمح بإطلاق اسم البحرين على هجر "المدينة" .

أما عن سبب تسمية "البحرين" بهذا الإسم فهناك ثلاثة آراء ، الرأي الأول هو لأنها تقع بين بحر فارس وبحر عمان ولذا أطلق عليها هذا الإسم ، والرأي الثاني هو لما تتصف به هذه المنطقة والمياه المحيطة بها من ظاهرة نبع المياه العذبة من وسط المياه المالحة ، ولذلك تكثر العيون في هذه المنطقة ، وقد كان الغواصة قديما يعرفون الأماكن التي ينبع منها الماء العذب فيقصدونها للشرب أثناء رحلات غوصهم ، أما الرأي الثالث فهو ما ذكره ابن منظور في لسان العرب حيث قال :"قال الأزهري : وإنما ثنوا البحر لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء وقرى هجر ، بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ ، وقدرت البحيرة ثلاثة أميال في مثلها ولا يغيض ماؤها ، وماؤها راكد زعاق" وقد ذكر هذا الرأي ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان ، والقلقشندي في كتابه صبح الأعشى والثلاثة نقلوا هذا القول عن الأزهري .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ابن منظور قد ذكر في كتابه الشهير لسان العرب منطقة البحرين باسم "البحران" حيث قال : "البحران : موضع بين البصرة وعمان" ، ثم أكمل كلامه إلى أن قال :"ويقال : هذه البحرين وانتهينا إلى البحرين" في إشارة إلى أن اسم البحرين هنا قد أصبح علما وبذلك يختلف حكمه عن حكم المثنى الذي يرفع بالألف وينصب ويجر بالياء ، فيبدو أن ابن منظور يرى أن الرأي الراجح هو إطلاق اسم "البحران" على المنطقة الممتدة بين البصرة وعمان ، ولكنه في الوقت نفسه يذكر الرأي الآخر وهو "البحرين" ، ومما يؤيد إطلاق اسم "البحران" وإرادة "البحرين" أن ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد قد ذكر "البحران" وهو يريد "البحرين" في عدة مواضع من كتابه مما يعني أن هذا الإسم كان شائعا في تلك الفترة وإن أصبح منسيا هذه الأيام .

ويذكر في هذا المجال أيضا ما نقله الحموي عن الزمخشري في قوله : "البحرين : هكذا يتلفظ بها في حال الرفع والنصب والجر ، ولم يسمع على لفظ المرفوع من أحد منهم ، إلا أن الزمخشري قد حكى أنه بلفظ التثنية فيقولون : هذه البحران وانتهينا إلى البحرين ، ولم يبلغني من جهة أخرى" .

واستنادا إلى ما مر ذكره ، يبدو أن النسبة المشهورة إلى البحرين وهي "بحراني" قد اشتقت من الاسم الشائع قديما وهو "البحران" ، إذ من المعروف نحويا أن النسبة عادة تكون باضافة "ياء" في آخر اسم البلد ، فيقال عراقي نسبة إلى العراق ومصري نسبة إلى مصر وغيرها ، وعلى أساس هذه القاعدة يبدو أن النسبة "بحراني" اشتقت من البحران ، وهو من الأسماء القديمة للبحرين ، ومما يؤيد ذلك أن هذه النسبة "بحراني" تعتبر من الشواذ في مجال النسب ، بمعنى أن العرب تقول لساكن العراق عراقي ، فيجب أن تقول لساكن البحرين بحريني ، ولكن العرب لم تقل هذه النسبة أبدا ، وإنما كانت تصف ساكن البحرين بأنه "بحراني" ، وقد اعتبروا النسبة إلى البحرين من شواذ قاعدة النسبة ، وكون النسبة إلى البحرين تعتبر من الشواذ يجعلنا نتساءل عن السبب في ذلك ، فلماذا أصبحت النسبة إلى البحرين من الشواذ ؟ إن الاجابة على هذا السؤال قد تؤكد لنا إطلاق اسم "البحران" على "البحرين" ، فحينما نعلم بأن البحرين كانت تعرف قديما باسم "البحران" نعرف تبعا لذلك أن النسبة الطبيعية للبحران هي بحراني ، ولا شواذ ولا خروج على القاعدة النحوية في ذلك ، ولكن بسبب هجران الاسم القديم وهو "بحران" والاقتصار على "البحرين" التبس الأمر وأصبحت "بحراني" وكأنها من الشواذ في عالم النسب ، في حين أنها لم تكن شاذة في وقتها ، لأنها كانت مطابقة لاسم البحرين القديم وهو "البحران" .

ومما يؤكد هذا المعنى أيضا أن الكتب الجغرافية واللغوية (المتوفرة لدى الكاتب) تجمع على أن النسبة إلى البحرين "بحراني" ولا تذكر النسبة الثانية "بحريني" من قريب ولا من بعيد ، ومن ذلك ما ذكره ياقوت الحموي في قوله :"قال أبو محمد اليزيدي سألني المهدي وسأل الكسائي عن النسبة إلى البحرين وإلى حصنين لم قالوا حصني وبحراني ؟ فقال الكسائي كرهوا أن يقولوا حصناني لاجتماع النونين ، وإنما قلت : كرهوا أن يقولوا بحري فتشبه النسبة إلى البحر" ، ومن الجدير بالملاحظة هنا أن السائل والمجيب لم يذكرا كلمة "بحريني" ، فالسائل ذكر كلمة "بحراني" والمجيب رجح "بحراني" على "بحري" خشية أن تشبه النسبة إلى البحر، ولم يرجحها على "بحريني" مثلا ، على الرغم من قرب هذه النسبة لنا هذه الأيام ، وهذا يدفع إلى القول بأن نسبة "بحريني" كانت مستبعدة جدا وليست واردة لا على لسان السائل ولا على لسان المجيب ، وكأنها أمر متفق على عدم صلاحه ، وهذا الاتفاق يمنع من ورودها في السؤال والجواب .

وممن ذكر أن النسبة إلى البحرين "بحراني" ابن منظور في كتابه لسان العرب ، والقلقشندي في كتابه صبح الأعشى والرازي في كتابه مختار الصحاح ، وجبران مسعود في كتابه الرائد .

ومما سبق نخلص إلى أن النسبة التي تقر بها الكتب الجغرافية واللغوية للبحرين هي "بحراني" ، وهي وإن كانت شاذة وخارجة على قاعدة النسبة إلا أنها لم تكن كذلك حين كانت تعرف البحرين باسم "البحران" ، ثم أن الشذوذ والخروج على القاعدة لا يعني أن النسبة ليست صحيحة وإنما كل الأمر أنها نسبة ليست على طبق القاعدة ، وهذا بدوره يجرنا إلى القول بأن النسبة الحالية وهي "بحريني" هي نسبة خاطئة وإن كانت وفق القاعدة ، ولكنها تخالف ما تعارف عليه العرب سواء في الكتب اللغوية أو الجغرافية في أن النسبة إلى البحرين "بحراني" وليست "بحريني" .

وقبل ختام الحديث عن البحرين لا بأس بذكر بعض ما حوته الكتب الجغرافية من طرائف حول البحرين ، وإن كان بعضها يسئ إلى أهل البحرين ولكن لا بأس بذلك حبا في شئ من الحياد والموضوعية ولكي يعرف أهل البحرين ما لهم وما عليهم .

1- جاء في كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي قوله ""عن أبي زرعة عن عمرو ابن جرير عن النبي (ص) قال : إن الله عز وجل أوحى إلى أي هؤلاء الثلاث نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين" .
2- وقد ذكر المقدسي أيضا أسماء بعض المناطق مع ذكر مذاهبهم ، ومما قاله :"ومذاهبهم بمكة وتهامة وصنعاء وقرح سنة .... وأهل الرأي بعمان" ثم قال" وهجر وصعدة شيعة" ، وإذا علمنا أن المقدسي توفي في 380هجرية الموافق 990 ميلادية نعلم تبعا لذلك أن أهل البحرين كانوا شيعة في ذلك الوقت .
3- - كتب ابن خرداذبة في كتابه المسالك والممالك تحت عنوان "من عجائب طبائع البلدان" يقول :"إن من دخل التبت لم يزل ضاحكا مسرورا من غير سبب يعرفه حتى يخرج منها" إلى أن قال "ومن سكن البحرين عظم طحاله ، قال الشاعر :
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ويحسد بما في بطنه وهو جائع
وقد ذكر ذلك ابن الفقيه أيضا في كتابه مختصر كتاب البلدان حيث قال"ومن عيوب الشام كثرة طواعينها ، والناس يقولون : حمى خيبر وطواعين الشام ورماميل الجزيرة وحرب الزنج وطحال البحرين" .
4- ذكر ابن الفقيه في كتابه مختصر تاريخ البلدان :"قال الحجاج لابن القرية : أخبرني عن مكران : قال : ماؤها وشل ، وتمرها وقل ، وسهلها جبل ، ولصها بطل ... قال : فأخبرني عن ا لبحرين ، قال : كناسة بين مصرين كثيرة جبالها جهلة رجالها " .
5- جاء في كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة :" ومن الخشبات إلى مدينة البحرين في شط العرب سبعون فرسخا وأهلها لصوص يقطعون على المراكب ولا زرع لهم ولهم نخل وإبل ، قال أعرابي :
رمى به في موحش القفار بساحل البحرين للصغار

ثالثا : هجر :
سبق ذكر "هجر" عند الحديث عن "البحرين" ، وبان هناك أن "هجر" أحيانا تطلق على قرية من قرى البحرين ، أحيانا تطلق على مدينة من مدنها ، وأحيانا تطلق على اقليم البحرين كله ، ولا تعارض في هذه الأقوال الثلاثة ، إذ من المحتمل صواب كل الأقوال بملاحظة احتمال التطور التاريخي لهذه المنطقة ، فمن المحتمل أن تكون هجر في بداية عهدها مجرد قرية من قرى البحرين الكثيرة ، ثم تطورت مع مرور الأيام لتصبح مدينة بل أعظم مدن البحرين ، ثم شيئا وشيئا أصبحت تطلق على إقليم البحرين كله .

أما عن سبب تسمية "هجر" بهذا الإسم فيذكر القلقشندي في كتابه صبح الأعشي :"قال الأزهري : وسميت هجر بهجر بنت المكنف ، وهي التي بنتها" ، فهجر اسم امرأة قامت ببناء "هجر" فسميت المنطقة باسمها ، وهذا الرأي يشابه الرأي القائل بأن أوال سميت نسبة إلى شخص اسمه أوال قام ببنائها ، وكذلك تشبه تسمية اليمامة بهذا الإسم حيث ذكر ابن الفقيه في كتابه مختصر كتاب البلدان أن اليمامة سميت بهذا الإسم نسبة لامرأة من طسم بنت مرة .

أما الحموي في كتابه معجم البلدان فيذكر احتمالات كثيرة لسبب تسمية هجر بهذا الإسم فيقول :"يجوز أن يكون من هجر إذا هذى ، ويجوز أن يكون منقولا من الفعل الماضي ، ويجوز أن يكون من الهجرة وأصله خروج البدوي من باديته إلى المدن ثم استعمل في كل محل تسكنه وتنتقل عنه ، فيجوز أن يكون أصله الهجران كأنهم هجروا ديارهم وانتقلوا عنها ، ويجوز أن يكون من هجرت (بضم التاء) البعير أهجره هجرا إذا ربطت حبلا في ذراعه إلى حقوه وقصرته لئلا يقدر على العدو ، فشبه الداخل إلى هذا الموضع بالبعير الذي فعل به ذلك ثم غلب على اسم الموضع ، ويجوز أن يكون شئ مهجر(بضم الميم وتسكين الهاء وكسر الجيم) إذا أفرط في الحسن والتمام ، وسمي بذلك لأن الناعت له يخرج في إفراطه إلى الهجر (بضم الهاء) وهو الهذيان ، ويجوز أن يكون من التبكير وهو التبكير إلى الحاجة ، ومن الهاجرة وهي شدة الحر وسط النهار كأنها شبهت لشدة الحر بالهاجرة ، وقال ابن الحائك : الهجر بلغة حمير والعرب العاربة القرية ، فمنها : هجر البحرين وهجر نجران وهجر جازان وهجر حصنة من مخلاف مازن" .

أما فيما يتعلق بالنسبة إلى هجر وهل هي هجري أم هاجري ، فقد ذكر القلقشندي في كتابه صبح الأعشى أن النسبة إلى هجر هاجري ، إلا أن ابن منظور في كتابه لسان العرب ذكر النسبتين حيث قال :"النسب إلى هجر هجري على القياس ، وهاجري على غير قياس" .

رابعا : الأحساء :
جاء في الجزء الأول من كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي :"الأحساء : بالفتح والمد ، جمع حسي ، بكسر الحاء وسكون السين ، : وهو الماء الذي تنشفه الأرض من الرمل ، فإذا صار إلى صلابة أمسكته ، فتحفر العرب عنه الرمل فتستخرجه" ، وأضاف :"والأحساء : مدينة بالبحرين ، معروفة مشهورة ، كان أول من عمرها وحصنها وجعلها قصبة هجر أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطي ، وهي إلى الآن مدينة مشهورة عامرة" .

مما سبق يتضح أن الأحساء مرتبطة تاريخيا بالقرامطة ، فبعد أن قاموا بتدمير مدينة هجر قاموا في العام 317 للهجرة ببناء مدينة الأحساء ، وقد اختلف الباحثون حول المكان الذي الذي بنيت فيه الأحساء ، فالبعض ذهب إلى أنها بنيت على أنقاض هجر ، في حين ذهب البعض إلى أنها بنيت في مكان آخر .

ويمكن استيضاح شئ من تاريخ هجر اعتمادا على تاريخ الأحساء ، فحينما يقال أن الأحساء شيدت بعدما تم تدمير مدينة هجر فهذا يدل على أن هجر كانت مدينة قبل أن تصبح اسما للإقليم ، وحينما يقال بأن الأحساء قصبة هجر فهذا يعني أن الأخيرة أصبحت اسما يطلق على إقليم البحرين كله بعد أن كانت تطلق على اسم المدينة فقط ، وبهذا يمكن تفسير اختلاف الجغرافيين في هل أن هجر قرية أم مدينة أم اسم لإقليم البحرين كله ، يمكن أن يفسر هذا الاختلاف على أساس الاختلاف التاريخي والزمني للجغرافي عند تناوله لمنطقة هجر ، وهذا ما طرح عند الحديث أعلاه عن هجر .

ويرى القلقشندي في كتابه صبح الأعشى أن الأحساء كانت تقع إلى الغرب من القطيف وأن الأخيرة كانت أكبر من الأحساء .

لقد اختلفت مساحة الأحساء بحسب اختلاف تاريخها ، وممن تابع ذلك حسن الأمين في الجزء الثالث من كتابه دائرة المعارف الإسلامية الشيعية حيث قال : "استعملت كلمة (الأحساء) علما - فيما وقفت عليه - على أربع وحدات جغرافية ، اختلفت مساحة وإدارة وتاريخا .. وهي حسب مراحلها التاريخية :

1- كانت تطلق على ما يعرف ب(هجر) عاصمة (البحرين) التي كانت (أعني البحرين) اسما للمنطقة الممتدة من البصرة إلى عمان .
2- أطلقت على المنطقة الممتدة من البصرة إلى عمان ، وهي التي كانت تسمى قديما (البحرين) ثم سميت (أعني منطقة البحرين) ب(هجر) و(الأحساء) و(الخط) .
3- صارت تطلق على المنطقة الممتدة على الساحل الغربي من الخليج : من حدود الكويت الجنوبية إلى حدود قطر وعمان وصحراء الجافورة .... وهي المنطقة التي تعرف اليوم ب(المنطقة الشرقية) .
4- عادت تطلق على ما كانت تطلق عليه أولا ، وهو ما يعرف إداريا الآن ب(الهفوف) وما يتبعها من قضاء (المبرز وقراهما) " .

ويقسم الأمين تاريخ الأحساء إلى ما قبل القرامطة وما بعد القرامطة ، فما قبل القرامطة يعتبر تاريخ هجر ، وما بعد القرامطة يعتبر تاريخ الأحساء ، وعليه فإن تاريخ الأحساء يبدأ منذ حكم القرامطة لأنهم هم الذين بنوها عام 317 هجرية .

خامسا : القطيف :
جاء في الجزء الرابع من كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي :"القطيف : بفتح أوله ، وكسر ثانيه ، فعيل من القطف وهو القطع للعنب ونحوه ، كل شئ تقطفه عن شئ فقد قطعته ، والقطف الخدش : و(القطيف) مدينة بالبحرين هي اليوم قصبتها وأعظم مدنها" .

وقد ذكر ابن خرداذبة القطيف في كتابه المسالك والممالك حين قال :"قرى البحرين وهي الخط والقطيف والآرة .." .

ومن النصين السابقين نعلم أن القطيف كانت تعتبر قرية من قرى البحرين ثم أصبحت مدينة بل قصبة البحرين وأعظم مدنها ، وليست هناك أي إشارة من قريب أو بعيد إلى أن القطيف أطلقت على إقليم البحرين كله كما هو حال "هجر" ، فالقطيف إذن لم تطلق على إقليم البحرين كله .

ومما تجدر الإشارة إليه أن قصبة البحرين لم تكن واحدة على مر التاريخ ، فتارة تكون هجر وتارة الأحساء وتارة القطيف ، وتتضح مدى سعة القطيف حين يقول القلقشندي أن القطيف كانت أكبر من الأحساء التي كانت قصبة البحرين في فترة من فترات التاريخ .

واستنادا إلى ما قاله ابن خرداذبة من أن القطيف والخط كانتا من قرى البحرين ، يعلم أن القطيف القرية كانت موجودة مع وجود الخط القرية ، وهذا يختلف عن هجر والأحساء حيث لم تكن هجر المدينة موجودة حينما قامت الأحساء المدينة ، لأن مدينة الأحساء قامت على أنقاض هجر في حين لم تقم قرية القطيف على أنقاض قرية الخط ، ولكن هذا الكلام يقتصر على المرحلة التي كانت فيه القطيف مجرد قرية إلى جانب الخط ، أما بعد أن أصبحت القطيف أكبر من الأحساء كما ذكر سابقا فمن المحتمل أنها قد توسعت على أنقاض قرية الخط القديمة أو أخذت جزءا منها على الأقل .

سادسا الخط :
تختلف الأقوال في المقصود بالخط ، فهناك من يقول أنها إحدى قرى البحرين إلى جانب القطيف وغيرها من القرى الأخرى ، وآخر يقول بأنها إحدى مدينتي البحرين والثانية هجر ، وثالث أنها سيف البحرين وعمان والسيف هو الساحل ، ورابع أنها مرفأ البحرين ، وجمعا لكل هذه الأقوال فمن المحتمل أن تكون الخط قد بدأت قرية ثم تحولت إلى مدينة عظيمة ، ونظرا لموقعها بالقرب من الساحل فقد أنشئ فيها مرفأ وسمي باسمها ، وبما أن هذه القرية كانت قد نشأت بالقرب من الساحل فلذلك سميت خطا لأن الخط تطلق على السيف والسيف في اللغة هو الساحل .

ومما اشتهرت به هذه المنطقة الرماح الخطية ، وهذه الرماح لم تكن لتصنع في الخط ، وإنما كانت تصل إلى مرفأ الخط قادمة من الهند ، وفي الخط تقوم (بتشديد الواو) هذه الرماح وتباع على العرب ، وهذا له ما يشابهه عند العرب مثل مسك دارين حيث ينسب المسك إلى دارين في حين أن المسك ليس منها وإنما يأتي إليها من الهند .

المصادر :
1- معجم البلدان لياقوت الحموي (المتوفى 626 هجرية/1228ميلادية) .
2- صبح الأعشى للقلقشندي (
3- أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي (المتوفى 380هجرية/990ميلادية) .
4- مختصر كتاب البلدان لابن الفقيه .
5- المسالك والممالك لابن خرداذبة (المتوفى حوالي 300هجرية/913ميلادية) .
6- لسان العرب لابن منظور (المتوفى 711هجرية)
7- الرائد لجبران مسعود .
8- مختار الصحاح للرازي .
9- دائرة المعارف الإسلامية الشيعية لحسن الأمين (حي يرزق ، أطال الله في عمره)